إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الأعلم حاضراً 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1810


ــ[340]ــ

   [ 60 ] مسألة 60 : إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الأعلم حاضراً فإن أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال ، وجب ذلك ((1)) وإلاّ فإن أمكن الاحتياط تعين ، وإن لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم ، وإن لم يكن هناك مجتهد آخر ولا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور ، وإذا عمل بقول المشهور ثمّ تبيّن له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء ، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى أوثق الأموات ، وإن لم يمكن ذلك أيضاً يعمل بظنه، وإن لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على أحدهما ، وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد إن كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) بناءً على ما قدّمناه من جواز الرجوع إلى غير الأعلم فيما إذا لم يعلم المخالفة بينه وبين الأعلم جاز الرجوع إلى غير الأعلم في مفروض الكلام ، وإذا لم يتمكن من الرجوع إليه من جهة العلم الاجمالي بمخالفة فتاواه مع فتاوى الأعلم في المسائل المبتلى بها يلزمه تأخير الواقعة أو الاحتياط ، وإذا لم يمكن ذلك رجع إلى غير الأعلم حتى مع العلم بالمخالفة إجمالاً .

   وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً أخّر الواقعة إلى السؤال عن حكمها ، فإن التكاليف الواقعية قد تنجّزت في حقه ومعه يحتاج المكلّف في موارد التكليف إلى المؤمّن من العقاب لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ، ولا يتحقق ذلك إلاّ بتأخير الواقعة .

   وإذا لم يتمكن من تأخيرها احتاط إن أمكنه لأنه أمر سائغ محصّل للجزم بالامتثال وفراغ الذمة حتى مع التمكن من الرجوع إلى الأعلم فضلاً عمّا إذا لم يتمكن من الرجوع إليه ، وإذا لم يتمكّن من الاحتياط لدوران الأمر بين جزئية شيء ومانعيته مثلاً رجع إلى فتوى غير الأعلم حتى مع العلم بالمخالفة بينه وبين الأعلم في المسألة اجمالاً، وذلك لحجية فتوى غير الأعلم وقتئذ للسيرة العقلائية الجارية على الرجوع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل يجوز له تقليد غير الأعلم حينئذ .

ــ[341]ــ

إلى غير الأعلم عند تعذر الرجوع إلى الأعلم وانسداد بقية الطرق ، وتشهد له ملاحظتهم في مثل معالجة المريض المبتلى بمرض خطير غير الممكن تأخير علاجه فإنهم إذا لم يتمكنوا من الرجوع إلى الطبيب الأعلم لراجعوا غير الأعلم من دون كلام ، وهذه الصورة مستثناة عن عدم حجية فتوى غير الأعلم عند العلم بالمخالقة بينه وبين الأعلم إجمالاً .

   وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً اندرج مفروض الكلام تحت كبرى الانسداد ، وذلك لأن مفروضنا تنجز التكليف على المكلّف وأنه غير مهمل كالبهائم فلا تجري البراءة في حقه ولا طريق له إليه كما أن الاحتياط غير متيسّر له ومعه ينحصر طريق الامتثال للمكلّف بالامتثال الاحتمالي لا محالة ، فإن العقل المستقل بلزوم امتثال التكليف المتوجه إلى العبد من سيده، يتنزل إلى كفاية الامتثال الاحتمالي عند تعذر الامتثال التفصيلي .

   ثمّ إن للامتثال الاحتمالي مراتب بحسب قوة الاحتمال وضعفه ومع التمكن من المرتبة الأقوى منه لا يجوز الاقتصار بالقوي وهكذا ، فأول تلك المراتب العمل بقول المشهور بين الأصحاب لقوة احتمال مطابقته للواقع في مقابل القول النادر ، فمع عدم التمكن من العمل به رجع إلى فتاوى الأموات مقدماً للأعلم منهم على غيره ولو بالإضافة إلى المحصورين لتعذر تشخيص الأعلم من الأموات جمعاً . وإذا تعذر ذلك أيضاً عمل بظنه ، ومع عدم التمكن منه أيضاً ولو لعدم ظنه بشيء عمل بأحد طرفي الاحتمال لأنه الميسور في حقه ، والتكليف بغير الميسور غير ميسور . وهذا كلّه من الامتثال الاحتمالي والتنزل إليه لتعذر الامتثال التفصيلي على الفرض .

   ثمّ إن العامّي بعدما عمل بفتوى غير الأعلم أو قول المشهور أو غيرهما من المراتب المتقدمة يرجع إلى فتوى من يجب عليه تقليده ، فإن كان ما أتى به مطابقاً للواقع حسبما أفتى به مقلّده فهو ، وإلاّ وجب قضاء أعماله أو إعادتها بلا فرق في ذلك بين أن يكون بطلانها مستنداً إلى فقدها لجزء أو شرط ركنين ، وأن يكون مستنداً إلى فقدها لشيء من الأجزاء والشرائط غير الركنيتين . وذلك لما فرضناه من عدم مطابقة عمله للواقع ، وعدم قيام الدليل على كونه مجزئاً عن الواجب الواقعي ، وحديث

ــ[342]ــ

   [ 61 ] مسألة 61 : إذا قلّد مجتهداً ثمّ مات ، فقلّد غيره ثمّ مات فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الأول أو الثاني ؟ الأظهر الثاني ((1)) والأحوط مراعاة الاحتياط (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تعاد وإن كان يدل على عدم وجوب الاعادة من غير الأركان إلاّ أنه يختص بما إذا كان العامل معتقداً صحة عمله بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم تجب عليه الاعادة وليس العامل في المقام كذلك لعدم اعتقاد صحة عمله للشك في مطابقته للواقع ووجوب الاعادة في مثله غير مقيد بما بعد الانكشاف ، لأنه لو لم ينكشف الخلاف أيضاً وجبت إعادته لتردده في مطابقة عمله للواقع وعدمها ، وبهذا يظهر الفرق بين المقام وبين ما إذا عمل عن تقليد صحيح ثمّ عدل أو تبدل رأي مجتهده حيث قلنا بعدم وجوب الاعادة حينئذ إذا كان العمل فاقداً لغير الأركان من الاُمور المعتبرة فيه .

   (1) ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) من أن الأظهر أن يبقى على تقليد المجتهد الثاني يبتني على أن المكلّف بتقليده المجتهد الثاني وعدوله عن المجتهد الميت قد انتهى أمد تقليده الأول ، فيكون رجوعه إلى المجتهد الأول بعد ذلك من التقليد الابتدائي غير الجائز ، وعليه فيتعيّن البقاء على تقليد الثاني جوازاً أو وجوباً . ولا فرق في ذلك بين القول بأن التقليد هو الالتزام أو نفس العمل ، غاية الأمر أنه على الثاني لا بدّ من فرض العمل بفتوى المجتهد الثاني أيضاً .

   أقول : قد تقدّم أنه لا أثر لتفسير التقليد بالعمل أو الالتزام في الحكم بجواز البقاء وعدمه وفي سعة موضوعه وضيقه .

   والصحيح أن يقال : إنه لا مناص من الحكم بوجوب البقاء على تقليد الميت الأول إذا أفتى المجتهد الثالث وهو الحي بوجوب البقاء ، فإن وجوب البقاء على تقليد الميت إنما هو في فرض أعلمية الميت ومعه إذا علم المكلّف بالمخالفة بين الميت الأول والثاني في الفتوى وجب عليه البقاء على تقليد الميت الأول ، لما قدّمناه من أن فتوى الأعلم هي الحجة عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الأعلم . وأما عدوله إلى الثاني فقد كان مستنداً إلى عدم تجويز المجتهد الثاني للبقاء على تقليد الميت حتى إذا كان أعلم ، إذن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا إذا كان المقلَّد قائلاً بجواز البقاء ، وأما إذا كان قائلاً بوجوبه فالأظهر هو الأول .

ــ[343]ــ

فهو كان معذوراً في عدوله ولا يمنع هذا العدول المستند إلى فتوى الميت الثاني عن عدوله إلى الميت الأول ، لأنه كلا عدول عند المجتهد الثالث الّذي هو الحي ، لافتائه بوجوب البقاء على تقليد الميت الأول لأعلميته وعدم جواز العدول إلى الثاني ، ومع ذلك كيف يجوز البقاء على تقليد الثاني .

   وإن شئت قلت : المفروض أن المجتهد الثالث يرى وجوب البقاء على تقليد المجتهد الأول لأنه كان أعلم من المجتهد الثاني ، ففتوى المجتهد الثاني لم تكن حجة في حق العامّي بنظر المجتهد الثالث حدوثاً ، ومع عدم حجيته حدوثاً في حال الحياة كيف يعقل أن تكون حجة بقاءً أي بعد موته لوضوح تبعية البقاء للحدوث . لأ نّا إنما نتشبث في الاستدلال على حجية فتوى الميت باطلاق الأدلة الدالة على حجية فتواه حال الحياة من جهة السيرة العقلائية الجارية على عدم الفرق بين صورتي موته وحياته فإذا لم تكن فتوى المجتهد حجة حدوثاً لم يمكن أن تتصف بالحجية بقاءً أي بعد موته . هذا بالإضافة إلى الميت الثاني .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net