أدلّة الإجزاء 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2130


   وقد يقال : إن الاجزاء هو المطابق للقاعدة ويستدل عليه بوجوه :

   منها : أن انكشاف الخلاف إذا كان بقيام حجة معتبرة على الخلاف ، لا علم بكون الاجتهاد السابق على خلاف الواقع كما هو الحال فيما إذا كان الانكشاف بالعلم الوجداني بالخلاف ، بل الاجتهاد السابق كاللاّحق ، فكما يحتمل أن يكون الاجتهاد الثاني مطابقاً للواقع كذلك يحتمل أن يكون الاجتهاد الأول كذلك فهما متساويان ، وإن كان يجب عليه وعلى مقلديه أن يطبقوا أعمالهم على الاجتهاد اللاّحق دون السابق . وهذا لأجل أن الاجتهاد اللاّحق لا يكشف عن عدم حجية الاجتهاد السابق في ظرفه ، لأن انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول كما يأتي بيانه ، بل بمعنى أن السابق يسقط عن الحجية في ظرف الاجتهاد الثاني مع بقائه على حجيته في ظرفه وعليه فالتبدل في الحجية من التبدل في الموضوع ومعه لا وجه لبطلان الأعمال المتقدمة المطابقة مع الاجتهاد السابق لفرض أنه متصف بالحجية في ظرف الاجتهاد اللاّحق .

   وتوضيحه : أن الأحكام الظاهرية وإن كانت كالأحكام الواقعية بحسب الجعل والانشاء ، فتجعل الحجية على الحجج والأمارات كما تجعل الحرمة مثلاً على موضوعاتها على نهج القضايا الحقيقية ، فلا يفرق الحال بينهما في تلك المرحلة إلاّ أن الأحكام الظاهرية تغاير الأحكام الواقعية في شيء وهو أنه لا يترتب على الأحكام الظاهرية في مرحلة جعلها وإنشائها أثر بوجه ، بل إنشاؤها كعدمه لأن النتيجة المطلوبة من جعلها إنما هي المنجّزية والمعذّرية وهاتان إنما تترتبان على الحجية الفعلية ولا تتصف الحجية بها ـ أي بالفعلية ـ إلاّ بعد وصولها إلى المكلف صغرىً وكبرىً بحيث لو وصلته الكبرى دون الصغرى أو العكس لم يكد يترتب على الحجية شيء من التنجيز والتعذير ، مثلاً إذا علم المجتهد أن البينة حجة في الشريعة المقدسة ، ولم يعلم قيامها على نجاسة موضوع خارجي ، أو علم بأنها قامت على نجاسته إلاّ أنه لم

ــ[36]ــ

تصل إليه حجية البينة ، لم تكن نجاسة الموضوع الخارجي متنجزة في حقه ، وإنما هو أمر مشكوك الطهارة والنجاسة فيحكم بطهارته حقيقة .

   وعلى الجملة أن التنجيز والتعذير يترتبان على الحجية الواصلة لا على مجرد الحجية الانشائية . ومن هنا ذكرنا في بعض أبحاثنا أن الاُصول العملية والأحكام الظاهرية مما لا يتحقق له شبهة مصداقية ، حيث إن موضوعها الشك وهو أمر وجداني ، إمّا أن يوجد وإما أن لا يوجد في الخارج . وبعبارة اُخرى أن الحجية إن وصلت إلى المكلف بكبراها وصغراها فلا موضوع للأصل العملي ، وإن لم تصله بإحدى مقدمتيها فموضوع الأصل العملي وهو الشك موجود حقيقةً ، مثلاً إن البينة في المثال إن كانت وصلت حجيتها إلى المكلف بكلتا المقدمتين فلا يبقى للاستصحاب مجال ، إذ لا شك في نجاسة الموضوع الخارجي حينئذ ، وإذا لم تصل جرى فيه الاستصحاب للشك في طهارته ونجاسته .

   وإذا عرفت أن الحجية متقومة بالوصول ولا أثر لغير الواصلة ، ظهر أنه لا موجب لاستكشاف عدم حجية الاجتهاد السابق عند تبدل الرأي والاجتهاد ، بل الاجتهاد الأوّل متصف بالحجية في ظرفه ولا يمكن رفع اليد عنه إلاّ بعد وصول الحجة الثانية فإن بوصولها تسقط الحجة السابقة عن الاعتبار مع بقائها على وصف الحجية في ظرفها ، لا أن الثانية تكشف عن عدم حجية السابقة في ظرفها . وكذلك الحال فيما إذا ظفرنا بما يدلنا على خلاف الاستصحاب الجاري في المثال ، لأنه لا يكشف عن عدم حجية الاستصحاب في ظرفه فإنه متصف بها في وقته ، وإنما يسقط عنها بالظفر بما دلّ على الخلاف . ومن هنا قلنا إن انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول والتبدل في الحجية دائماً من التبدل في الموضوع وعلى ذلك لا موجب لاعادة الأعمال الصادرة على طبق الاجتهاد الأوّل أو قضائها ، لكونها صادرة على طبق الحجة الفعلية في زمانها ، هذا .

   ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت صحيحة في نفسها ، لأن الحجية متقومة بالوصول ، وهذا لا بمعنى استحالة إنشائها فإن إمكان إنشاء الحجية كإنشاء غيرها من الأحكام الشرعية على نهج القضايا الحقيقية بمكان من الوضوح ، بل بمعنى أن الأثر المرغوب منها وهو التنجيز والتعذير لا يترتب عليها إلاّ بعد وصولها وفعليتها ولا

ــ[37]ــ

معنى لانكشاف الخلاف في الحجية وإنما التبدل تبدل في الموضوع كما عرفت .

   إلاّ أن الإجزاء في محل الكلام لا يكاد يترتب على الدعوى المذكورة بوجه ، وذلك لأن قيام الحجة الثانية وإن كان لا يستكشف به عن عدم حجية الاجتهاد الأول مثلاً في ظرفه ، إلاّ أن مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة من الابتداء لعدم اختصاصه بعصر دون عصر . إذن العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة باطل ، لأنه مقتضى الحجة الثانية ومعه لا بدّ من اعادته أو قضائه .

   واحتمال المخالفة مع الواقع وإن كان تشترك فيه الحجتان إلاّ أن هذا الاحتمال يلغى في الحجة الثانية حسب أدلّة اعتبارها ، ولا يلغى في الأُولى لسقوطها عن الاعتبار ، ومجرد احتمال المخالفة يكفي في الحكم بالاعادة أو القضاء لأنه لا مؤمّن معه من العقاب وحيث إن العقل مستقل بلزوم تحصيل المؤمّن فلا مناص من الحكم بوجوب الاعادة على طبق الحجة الثانية ، لأن بها يندفع احتمال الضرر بمعنى العقاب ، هذا كلّه في الاعادة .

   وأمّا القضاء فهو أيضاً كذلك ، لأن مقتضى الحجة الثانية أن ما أتى به المكلف على طبق الحجة السابقة غير مطابق للواقع ، فلا بدّ من الحكم ببطلانه ومعه يصدق فوت الفريضة وهو يقتضي وجوب القضاء ، وعلى ذلك لا بدّ من الحكم بعدم الاجزاء في موارد التبدل في الرأي أو موت المجتهد والرجوع إلى مجتهد آخر ، بلا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات بالمعنى الأخص أو المعاملات بالمعنى الأعم ، ولا بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية .

   ومنها : ما استدل به بعض مشايخنا المحققين (قدّس سرّهم) حيث ذهب إلى الاجزاء وعدم انتقاض الآثار السابقة في أمثال المقام ، واستدل على ذلك في كل من الأحكام التكليفية والوضعية بوجه ، وحاصل ما ذكره في رسالة الاجتهاد والتقليد (1) وفي تعليقته على المكاسب في مسألة ما إذا اختلف المتعاقدان اجتهاداً أو تقليداً في شروط الصيغة :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الاصفهاني) : 188 .

ــ[38]ــ

   أن الأحكام الوضعية ـ الأعم مما في موارد المعاملات بالمعنى الأعم والمعاملات بالمعنى الأخص ـ إنما تتعلق بحسب الغالب على الأجسام والموضوعات الخارجية كما مرّ ، ومن الظاهر أن الجسم الخارجي لا معنى لقيام المصلحة به حتى يكون الأحكام الوضعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، فلا مناص من أن تكون تابعة للمصالح في جعلها واعتبارها ، فإذا أدت الحجة إلى أن المعاطاة مملّكة أو أن الصيغة الفارسية كافية في العقود ، فقد وجدت المصلحة في جعل الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد غير العربي وهكذا ، فإذا قامت الحجة الثانية على أن المعاطاة مفيدة للاباحة أو أن العربية معتبرة في الصيغة ، لم يستكشف بذلك أن الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد الفارسي غير متطابقين للواقع ، وذلك لأن الأحكام الوضعية لا واقع لها سوى أنفسها والمفروض أنها تتحقق بقيام الحجة الأُولى ، فلا يستكشف بسببها أن جعل الملكية في المعاطاة مثلاً لم يكن على وفق المصلحة إذ لو لم تكن هناك مصلحة تدعو إلى جعلها واعتبارها لم يمكن للشارع أن يعتبرها بوجه .

   نعم ، يستكشف بالحجة الثانية أن المصلحة من لدن قيامها إنما هي في جعل الإباحة في المعاطاة لا في جعل الملكية ، أو أنها في جعل الزوجية في العقد العربي لا الفارسي ، فقيام الحجة الثانية على الخلاف إنما هو من باب التبدل في الموضوع وليس من باب انكشاف الخلاف في السابقة باللاّحقة ، ومع كون الثانية موجبة للتبدل في الموضوع لا مناص من الالتزام بالإجزاء في الأحكام الوضعية .

   أللّهم إلاّ أن نقول : إن الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية وغير مجعولة في نفسها ، كما عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) فإن حال الوضعية حينئذ حال التكليفية فيتصوّر فيها انكشاف الخلاف كما كان يتصوّر في التكليفية ، إلاّ أنه مما لا يسعنا الالتزام به لما ذكرناه في محلّه .

   وأمّا الأحكام التكليفية ، فهي وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ويتصوّر فيها كشف الخلاف ، إلاّ أن الحجة الثانية إنما يتّصف بالحجية بعد انسلاخ الحجية عن السابقة بموت المجتهد أو بغيره من الأسباب ، فالحجة الثانية لم تكن بحجة في ظرف الحجة السابقة ، وإنما حجيتها تحدث بعد سلب الحجية عن سابقتها وإذا كان

ــ[39]ــ

الأمر كذلك ، استحال أن يكون الحجة المتأخرة والحادثة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدمة عليها بزمان ، وهي الأفعال الصادرة على طبق الحجة السابقة حتى بناءً على الطريقية .

   نعم ، هي إنما تكون مؤثرة بالإضافة إلى الأفعال الّتي يصدرها المكلف بعد اتصاف الثانية بالاعتبار ، لأنها لو لم تكن مطابقة معها بطلت ، أمّا الأعمال الصادرة قبل اتصافها بالحجية فلا يعقل أن تكون مؤثرة فيها بوجه ، لأن حجيتها حادثة وليست منها عين ولا أثر في ظرف صدور الأعمال المتقدمة كما مرّ ، بل قد يكون الموضوع للحجة المتأخرة ، وهو المجتهد المفتي ببطلان الأعمال المتقدمة غير متولد في تلك الأزمنة أو لو كان لم يكن مجتهداً أو كان ولم يكن بأعلم ، ومعه كيف تكون فتواه المتأخرة وجوداً وحجيةً موجبة لقلب الأعمال السابقة عليها بزمان لتجب إعادتها أو قضاؤها ، لأن الاعادة أو القضاء وإن كانا من الاُمور المتأخرة عن الحجة الثانية إلاّ أنهما من لوازم بطلان الأعمال المتقدمة ، ولا يعقل أن يكون الملاك المؤثر في بطلانها أي الأعمال السابقة مخالفتها للحجة المتأخرة ، إذ قد عرفت عدم إمكان تأثير المتأخر في المتقدم ، بل الملاك مخالفتها للحجة السابقة والمفروض عدمها . وعليه لا مناص من الالتزام في الأحكام التكليفية أيضاً بالاجزاء .

   ثمّ إن هذا البيان الّذي حررناه في تقريب الإجزاء في الأحكام التكليفية ، يأتي في الأحكام الوضعية بعينه ، إلاّ أنها تمتاز عن التكليفية بالوجه السابق الّذي قرّبناه بما لا مزيد عليه لأنه لا يأتي في التكليفية وهو ظاهر . هذه خلاصة ما أفاده (قدّس سرّه) في الموضعين بتوضيح منّا في تقريبه (1).

   والجواب عن ذلك ، أمّا في الأحكام الوضعية فلأنها وإن كانت تابعة للمصالح في جعلها ، ولا واقع لها إلاّ أنفسها كما حققه (قدّس سرّه) ولا يتصوّر فيها انكشاف الخلاف بعد تحققها ، إلاّ أن الكلام في أنها هل تحققت من الابتداء أم لم تتحقق ، وأن المعاطاة الصادرة في الزمان المتقدم هل أفادت الملكية أم لا ، حيث إن المكلف بعد سقوط الحجة السابقة عن الحجية واتصاف الثانية بها ـ وهي الّتي تدل على أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاشية المكاسب (الاصفهاني) : 74 .

ــ[40]ــ

المعاطاة مفيدة للاباحة ـ يشك في أن الملكية هل حصلت بالمعاطاة الصادرة منه أم لم تحصل . والحجة الثانية تكشف عن أن الملكية لم تحصل من الابتداء لأنها تخبر عن أن الملكية بسبب المعاطاة غير مجعولة في الشريعة المقدسة لعدم الفرق في مدلولها بين الزمان السابق واللاّحق . وعليه فحال الأحكام الوضعية حال الأحكام التكليفية بعينها ولا تختص الأحكام الوضعية بوجه .

   وأمّا الأحكام التكليفية فلأن المكلف بعدما سقطت الحجة السابقة عن حجيتها واتصفت الثانية بالاعتبار ، يشك في وجوب إعادة الأعمال الّتي أتى بها على طبق الحجة السابقة أو قضائها ، إذ لا علم له بمطابقتها للواقع ، وحيث إن الاعادة أو القضاء في ظرف الحجة المتأخرة عمل من أعمال المكلف ، وهو لا يدري حكمه فلا مناص من أن يحرز ذلك باحراز أن أعماله السابقة كانت مطابقة للواقع أم لم تكن ، وحيث لم يحرز مطابقتهما إحرازاً وجدانياً فلا بدّ من أن يحرزها بالحجة التعبدية ، وليست الحجة عليه هي السابقة لسقوطها عن الاعتبار ، وليس له أن يعتمد عليها بعد قيام الحجة الثانية ، فيتعيّن أن تكون هي الحجة المتأخرة لاعتبارها في حقه ، وبما أنها تدل على بطلانها وعدم كونها مطابقة مع الواقع فتجب إعادتها أو قضاؤها .

   وأمّا ما أفاده من أن الحجة المتأخرة لا يعقل أن تكون مؤثرة في الأعمال المتقدمة عليها فيرد عليه :

   أوّلاً : النقض بما إذا فرضنا رجلين فاسقين تابا واتصفا بالعدالة فشهدا على ملكية شيء لشخص منذ اسبوع ، أو بنجاسته من أوّل الشهر الماضي ، أو بزوجية امرأة من السنة الماضية ، فهل ترد شهادتهما نظراً إلى أن الشهادة المتصفة بالحجية المتأخرة عن تلك الاُمور لا يعقل أن تؤثر في الاُمور السابقة عليها . وكذا إذا صلّى فشك في أنه ركع أم لم يركع فبنى على أنه قد ركع بقاعدة التجاوز أو بصحة صلاته بقاعدة الفراغ ، وبعد هذا شهد العادلان اللّذان كانا فاسقين حال الصلاة وقد تابا بعد ذلك ، بأنه قد نقص ركوعاً أو ركعة ، أفلا يحكم ببطلان الصلاة نظراً إلى أن حجية الشهادة متأخرة عن الصلاة فلا تؤثر في الأمر المتقدم عليها .

   وثانياً الحل وحاصله : أن المراد بأن الحجة المتأخرة لا يمكن أن تؤثر في الأعمال


ــ[41]ــ

المتقدمة ، إن كان هو أن الحجة المتأخرة لا تؤثر في بطلانها ولا يقلب الصحيح باطلاً فلا ينبغي التأمل في صحته . بل الأمر كذلك حتى في الحجة المقارنة فضلاً عن المتأخرة ، وذلك لأن المدار في الصحة والبطلان إنما هو مطابقة المأتي به مع الواقع وعدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة ، مثلاً إذا كان المكلف جنباً وتيمم لعذر ثمّ أحدث بالأصغر وتوضأ فصلّى لفتوى مقلده على أن الوظيفة هو الوضوء حينئذ إلاّ أنه تيمم فصلّى ـ لغفلته عن فتوى مقلّده ـ ثمّ بلغ مرتبة الاجتهاد فجزم من الأدلّة بأن الوظيفة هو التيمم حالئذ دون الوضوء ، أفلا يحكم بصحة صلاته بدعوى كونها غير مطابقة للحجة المقارنة ، مع جزم المكلف واستكشافه أن الواجب الواقعي هو الصلاة مع التيمم . فلا ريب في أن المدار في الصحة والبطلان على مطابقة الواقع وعدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة ، فإنّ شيئاً منهما غير مؤثر في البطلان كما اُفيد .

   وإن اُريد به أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الأعمال المتقدمة ولو بالكشف عن مطابقتها مع الواقع وعدمها فهو أمر مخالف للوجدان ، لأن مدلول الحجة المتأخرة غير مختص بعصر ، فإنها تكشف عن أن الحكم الواقعي هو وجوب الصلاة مع التيمم في المثال دون الصلاة مع الوضوء ، وهذا لا يختص بعصر دون عصر ، فالحجة المتأخرة تكشف عن بطلان الأعمال السابقة ووجوب إعادتها أو قضائها . ودعوى أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الأعمال السابقة عليها أوّل النزاع وليست كبرى مسلمة ، بل قد عرفت أنها على خلاف الوجدان . فإذا أمكن أن تكون الحجة الثانية كاشفة عن مطابقة الأعمال المتقدمة مع الواقع ، أتى ما قدّمناه من أن العامي يشك حينئذ في وجوب الاعادة أو القضاء ، وإحراز وظيفته يتوقف على استكشاف كون الأعمال السابقة مطابقة للواقع وعدمها ، إلى آخر ما قدمناه فلا نعيد .

   وبما سردناه يندفع ما ربما يتوهّم من أن الحكم بعدم الإجزاء عملاً بالحجة الثانية ترجيح بلا مرجح ، لأن الحجة السابقة كانت حجة في ظرفها كما أن الثانية حجة في ظرفها فلا موجب لتقديم إحداهما على الاُخرى .

   والوجه في الاندفاع : أن الحجة السابقة قد سقطت عن الحجية في ظرف الرجوع بخلاف الحجة الثانية ، وهذا هو المرجح لها على سابقتها .

ــ[42]ــ

   والمتحصل إلى هنا : أن القاعدة تقتضي وجوب الاعادة أو القضاء فيما إذا كان العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة فاقداً لجزء ركني حسبما تدل عليه الحجة الثانية وكان بطلان العمل عند المجتهد الثاني من جهة الافتاء به ، لا من جهة الاحتياط وقاعدة الاشتغال .

   ومنها : أن قضاء العبادات السابقة ـ على كثرتها ـ أمر عسر وموجب للحرج على المكلفين وهما منفيان في الشريعة المقدسة ، وذلك لأن العمل على طبق الحجة السابقة قد يطول وقد يقرب طيلة الحياة ، كما إذا عدل عن فتوى مقلده بموت أو بغيره من الأسباب المسوّغة في أواخر عمره وقلّد مجتهداً يرى بطلان أعماله المتقدمة ، ولا شبهة في أن قضاء تلك الأعمال أمر حرجي .

   وفيه : أن هذا الدليل لو تمّ فإنما يتمّ في القضاء ولا يأتي في الاعادة لأنه في مثل الصلاة إذا عدل إلى فتوى المجتهد الّذي يرى بطلانها ـ ولم يفت بعد وقت الصلاة ـ لم يكن في إعادتها حرج بوجه . نعم ، قد يتحقق الحرج في الحج لو قلنا بوجوب إعادته والاتيان به مطابقاً لفتوى المجتهد الثاني .

   وكيف كان ، فقد بيّنا في محلّه أن الحرج كالضرر المنفيين في الشريعة المقدسة والمدار فيهما إنما هو على الحرج والضرر الشخصيين لا النوعيين ، والحرج الشخصي أمر يختلف باختلاف الموارد والأشخاص ، فكل مورد لزم فيه من الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء حرج على المكلف ، فلا مناص من أن يلتزم بعدم وجوبهما كما إذا لزم منه وجوب قضاء العبادة خمسين سنة مثلاً وكان ذلك حرجياً على المكلف . وأمّا الموارد الّتي لا يلزم فيها من الحكم بوجوبهما حرج عليه ، فلا مقتضي للحكم بعدم وجوب الاعادة أو القضاء ، كما إذا بنى على أن التيمم ضربة واحدة فتيمم وصلّى ثمّ عدل عن ذلك غداً فبنى على أنه ضربتان ، ومن الواضح أن قضاء عبادة اليوم الواحد مما لا عسر فيه ولا حرج ، ومعه لا موجب لنفي وجوب الاعادة أو القضاء لأنه لازم كون المدار على الحرج الشخصي دون النوعي هذا .

   على أن الاستدلال بقاعدة نفي الحرج ليس من الاستدلال في محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في موارد قيام الحجة التعبدية على الخلاف ، ولا كلام في أن الحرج

ــ[43]ــ

اللاّزم من الاعادة أو القضاء لا يختص به ، إذ قد يلزم الحرج في موارد انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني ، فالنسبة بين موردي الكلام والقاعدة عموم من وجه لأن انكشاف الخلاف قد يكون بالحجة التعبدية ولا تكون الاعادة أو القضاء حرجياً بوجه ، وقد يكونان حرجيين ولا يكون الانكشاف بالحجة التعبدية بل بالعلم الوجداني كما عرفت ، وقد يكون الانكشاف بالحجة التعبدية وتكون الاعادة أو القضاء أيضاً حرجياً . والمتحصّل أن الاستدلال بالقاعدة على عدم وجوب الاعادة أو القضاء في مطلق موارد انكشاف الخلاف غير وجيه .

   ومنها : دعوى الاجماع على أن العمل المأتي به على طبق الحجة الشرعية لا تجب إعادته ولا قضاؤه إذا قامت حجة اُخرى على خلافها . نعم ، لا إجماع على الإجزاء في الأحكام الوضعية عند بقاء موضوعها إلى ظرف الحجة المتأخرة ، كما إذا ذبح حيواناً بغير الحديد لجوازه على رأي مقلده ، ثمّ عدل إلى فتوى من لا يرى جوازه والذبيحة بحالها ، أو أنه اشترى داراً بالمعاطاة ولا يرى المجتهد الثاني انعقاد البيع بها لاشتراطه الصيغة في صحته ، إلى غير ذلك من الموارد .

   والجواب عن ذلك : أن الاجماع المدعى لو كان محصّلاً لم نكن نعتمد عليه لما يأتي بيانه ، فما ظنك بما إذا كان إجماعاً منقولاً بالخبر الواحد وسرّه أن تحصيل الاجماع في المسألة دونه خرط القتاد ، إذ كيف يمكن استكشاف قوله (عليه السّلام) في المقام ولم يتعرض أكثر الأصحاب للمسألة ولم يعنونوها في كلماتهم .

   هذا على أ نّا لو سلّمنا اتفاقهم ، أيضاً لم يمكننا الاعتماد عليه لأ نّا نعلم أو نظن ولا أقل من أ نّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها في المقام ومعه لا يكون الاجماع تعبدياً كاشفاً عن قوله (عليه السّلام) .

   ومنها : السيرة المتشرعية ، بدعوى أنها جرت على عدم لزوم الإعادة أو القضاء في موارد العدول والتبدل في الاجتهاد ، حيث لا نستعهد أحداً يعيد أو يقضي ما أتى به من العبادات طيلة حياته إذا عدل عن رأيه أو عن فتوى مقلده ، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فلا مناص من الالتزام بالاجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء عند قيام حجة على الخلاف .

ــ[44]ــ

   وفيه : أن موارد قيام الحجة على الخلاف وبطلان الأعمال الصادرة على طبق الحجة الأولية كما إذا كانت فاقدة لركن من الأركان ، من القلّة بمكان وليست من المسائل عامة البلوى ليستكشف فيها سيرة المتشرعة ، وأنهم بنوا على الاجزاء في تلك الموارد أو على عدمه .

   على أ نّا لو سلمنا استكشاف السيرة بوجه ، فمن أين يمكننا إحراز اتصالها بزمان المعصومين (عليهم السّلام) إذ لا علم لنا بأن شخصاً واحداً فضلاً عن جماعة اتفق له العدول في عصرهم (عليهم السّلام) وبنى على عدم إعادة الأعمال المتقدمة ولم يردع عنه الإمام (عليه السّلام) حتى نستكشف اتصال السيرة بزمانهم وكونها ممضاة عندهم (عليهم السّلام) ومن الممكن أن تكون السيرة مستندة إلى فتوى جماعة من الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) .

   والّذي يوقفك على ذلك ، أن المسألة لو كانت عامة البلوى في عصرهم (عليهم السّلام) لسئل عن حكمها ولو في رواية واحدة ، وحيث لم ترد إشارة إلى المسألة في شيء من النصوص فنستكشف بذلك أن كثرة الابتلاء بها إنما حدثت في الأعصار المتأخرة ولم يكن منها في عصرهم (عليهم السّلام) عين ولا أثر ، فالسيرة على تقدير تحققها غير محرزة الاتصال بعصرهم ولا سبيل معه إلى إحراز أنها ممضاة عندهم (عليهم السّلام) أو غير ممضاة .

   والخلاصة : أن مقتضى القاعدة وجوب الاعادة أو القضاء عند قيام الحجة على الخلاف ، أللّهمّ إلاّ في الصلاة إذا كان الاخلال بغير الوقت والقبلة والركوع والسجود والطهور وذلك لحديث لا تعاد على ما هو الصحيح من شموله للجاهل القاصر أيضاً كما تقدّم (1) .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net