الروايات المستدل بها على وجوب الجمعة تعييناً 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1638


   وأما السنة : فبطائفة من الروايات ، ولا يخفى أن هذه الروايات كثيرة جداً ، بل قد أنهاها بعضهم إلى المائتين ، ولا يبعد فيها دعوى التواتر ، بل لا ينبغي الاشكال في تواترها إجمالاً بمعنى الجزم بصدور بعضها عن المعصوم (عليه السلام) ، على أن جملة معتداً بها منها صحاح أو موثقات ، وفيها مع قطع النظر عن غيرها غنىً وكفاية ، فلا مجال للتشكيك في السند ، ونحن نُورد في المقام جملة منها ونوكل الباقي إلى المتتبع .

   فمنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إنما فرض الله

ــ[19]ــ

(عزوجل) على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسة وثلاثين صلاةً ، منها صلاة واحدة فرضها الله (عزوجل) في جماعة وهي الجمعة ، ووضعها عن تسعة : عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ، ومَن كان على رأس فرسخين»(1) .

   ونوقش في دلالتها بعدم كونها في مقام البيان إلا من ناحية العدد ، وأن الواجب من الصلوات خلال الاُسبوع خمسة وثلاثون ، بضرب الفرائض الخمس اليومية في السبعة ، غير أن واحدةً منها يشترط فيها الجماعة ، ولا نظر فيها إلى كيفيتها والقيود المعتبرة فيها .

   ولا ريب في أصل وجوب صلاة الجمعة وكونها من تلك الفرائض في الجملة ، بل هو من ضروريات الدين كما مرّ ، وإنما الكلام في أنه هل يعتبر في تلك الجماعة أن يكون أحدهم الامام (عليه السلام) أو المنصوب من قبله كما يعتبر فيها عدالة الإمام وإقامة الخطبة ، وعدم كون العدد أقل من السبعة أو الخمسة ، كي يسقط الوجوب عند تعذر الشرط أم لا ؟ وليست الرواية في مقام البيان من هذه الجهة كي يتمسك باطلاقها لدفع ما يشك في دخله فيها ، كما لا يتمسك بها لدفع غيره مما يشك في شرطيته أو جزئيته لها .

   ومن ثم لا يصح التمسك بها قطعاً لنفي ما يشك في شرطيته أو جزئيته لغيرها من سائر الفرائض الخمس والثلاثين ، والسرّ هو ما عرفت من عدم كونها مسوقة إلا لبيان الوجوب على سبيل الاجمال ، فلا إطلاق لها كي يستند إليه .

   ويندفع : بأن الشك على نحوين : فتارة يشك فيما هو الواجب والكيفية المعتبرة فيه من حيث الأجزاء والشرائط ، وفي هذه المرحلة الحق كما أفاده (قدس سره) فلا يصح التمسك بها لنفي المشكوك فيه ، إذ لا نظر فيها إلى متعلق التكليف كي ينعقد الاطلاق ، وهذا واضح جداً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 295 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 1 .

ــ[20]ــ

   واُخرى يشك في أصل الوجوب من حيث السعة والضيق ، وأنه هل يختص بطائفة خاصة أو يعمّ جميع المكلفين في كل جيل وحين كما في المقام ، ضرورة أن الشك ليس في متعلق الأمر ، بل في أصل التكليف ، وأنه هل يشترط في تعلّق الوجوب أن تكون الصلاة بأمر الامام (عليه السلام) أو نائبه المنصوب كي يختص بزمن الحضور ، فتسقط عمن لم يدرك ذاك العصر لتعذر المشروط بتعذر الشرط ، أو لا يشترط بل الحكم ثابت لآحاد المكلفين في جميع الأعصار والأمصار على الاطلاق ، من دون تعليق على شيء فيشترك فيه الموجودون في عصري الغيبة والحضور ، ولا ينبغي الشك في صحة التمسك بالصحيحة لدفع هذا النوع من الشك ، بداهة أن دلالتها على الشمول والسريان لجميع الأفراد إنما هو بالعموم الوضعي وهو الجمع المحلّى باللام في قوله «على الناس» دون الاطلاق المتوقف على جريان مقدمات الحكمة كي يتطرق احتمال عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة .

      ويؤيد العموم : الاقتصار في الاستثناء على الطوائف التسع المذكورين فيها ، فلو كان هناك شرط آخر للوجوب زائداً على ذلك وهو الكون في زمن الحضور والاقامة بأمر الامام (عليه السلام) لزم التنبيه عليه والتعرض له ، وكان المستثنى عن هذا الحكم حينئذ عشر طوائف لا تسعاً .

   ويؤيده أيضاً : التصريح ببقاء هذا الحكم إلى يوم القيامة في صحيحة زرارة الآتية .

   فالانصاف أنّ دلالة الصحيحة على إطلاق الوجوب وعدم الاشتراط بزمن الحضور قوية جداً ، والمناقشة المذكورة في غير محلها ، كما أنّ السند أيضاً صحيح لصحة طريق الصدوق إلى زرارة .

   ومنها : صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إن الله (عزوجل) فرض في كل سبعة أيام خمساً وثلاثين صلاة ،

  
 

ــ[21]ــ

منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة : المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي»(1) وهي كسابقتها تدل بالعموم الوضعي على شمول الوجوب لجميع الأفراد ، والسند أيضاً صحيح ، فان أحمد بن محمد الواقع في الطريق المراد به أحمد بن محمد بن عيسى وهو موثق على الأقوى كما مرَّ سابقاً .

   ومنها : صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين»(2) ودلالتها ظاهرة كسندها .

   ومنها : صحيحة زرارة قال : «قال أبوجعفر (عليه السلام) : الجمعة واجبة على مَن إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجعوا إلى رحالهم قبل الليل ، وذلك سنّة إلى يوم القيامة»(3) وهذه هي الرواية التي أشرنا إليها آنفاً ، ودلالتها كسندها ظاهرة .

   ومنها : صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم قالا : «سمعنا أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول : من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علة طبع الله على قلبه»(4) في الطريق محمد بن عيسى بن عبيد وهو وإن استثناه ابن الوليد لكن عرفت توثيقه سابقاً . ودلالتها على الوجوب ظاهرة ، فان الطبع على القلب من أوصاف المنافقين ، فهو كناية عن العصيان والنفاق كما اُشير إليه في القرآن(5) وتومئ إليه الرواية الآتية .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 299 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 14 .

(2) الوسائل 7 : 309 / أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 5 .

(3) الوسائل 7 : 307 / أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 1 .

(4) الوسائل 7 : 298 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 11 .

(5) التوبة 9 : 87  ، محمد 47 : 16 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net