ذكر قرائن تدل على عدم وجوب الجمعة تعييناً 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1786


ــ[22]ــ

   ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الامام ، فان ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض ، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق»(1) السند صحيح والدلالة ظاهرة كما مرّ .

   إلى غير ذلك من الروايات التي لا يسعنا التعرض لجميعها وهي لا تخفى على المراجع .

   ولا يخفى أن هذه الروايات الكثيرة العدد وإن كانت قوية السند واضحة الدلالة على الوجوب كما عرفت ، ولا مجال للتشكيك في شيء منها ، غير أنها برمّتها لا تدل على الوجوب التعييني بخصوصه إلا بالاطلاق ، وإلا فلا صراحة في شيء منها في ذلك ، وإنما الصراحة والظهور في أصل الوجوب الجامع بينه وبين التخييري ، والاطلاق وإن كان حجة يعوّل عليه في تعيين الأول كلّما دار الأمر بينهما ـ كما ذكر في محله(2) ـ إلا أنه مقيّد بعدم قيام القرينة على التقييد ، وفي المقام شواهد وقرائن تمنع من إرادة الوجوب التعييني ، فلا مناص من الحمل على التخييري .

   أما أوّلاً : القرينة العامة التي تمسكنا بها في كثير من المقامات وأسميناها بالدليل الخامس ، وهي أن الوجوب التعييني لو كان ثابتاً في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لظهر وبان وشاع وذاع ، وكان كالنار على المنار كسائر الفرائض الخمس اليومية ، ولم يختلف فيه اثنان كما لم يختلف فيها ، مع أنك عرفت(3) التسالم وقيام الاجماع على نفي الوجوب التعييني من قدماء الأصحاب ، بل أنكر بعضهم المشروعية رأساً كابن إدريس وسلار ، وإنما حدث الخلاف من زمن الشهيد الثاني ومن تأخر عنه ، فلو كان الوجوب ثابتاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 297 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 8.

(2) مصباح الاُصول 2 : 449 وما بعدها .

(3) في ص 14 .

ــ[23]ــ

تعييناً فكيف أنكره الأصحاب ، وهذه الأخبار بمرأى منهم ومسمع ، وكتبهم الحديثية وغيرها مشحونة بهاتيك الأحاديث بحيث لا يحتمل غفلتهم عنها وعدم ظفرهم بها على كثرتها ، وهل يحتمل في حقهم ـ مع جلالتهم وعظمتهم ، وهم أساطين المذهب وحفّاظ الشريعة ، وحملة الدين المبين واُمناء الله في أرضه ـ ترك فريضة من فرائض الله وإنكار وجوبها ، حاش لله إن هذا إلا بهتان مبين .

   وثانياً : استقرار سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) لا سيما الصادق (عليه السلام) على كثرتهم ، على عدم إقامة هذه الصلاة ، مع أنهم هم الرواة لهذه الأحاديث ونقلة تلك الأخبار ، فلو كان واجباً تعييناً كيف أهملوها ولم يعتنوا بشأنها ، مع علوّ مرتبتهم وارتفاع منزلتهم ، وهم من أركان الدين وأعمدة المذهب وحملة الفقه الجعفري ، لا سيما زرارة الذي هو الراوي لأكثر تلك الأخبار ، وهو على ما هو عليه من عظم الشأن وعلوّ المقام ، فلو كان واجباً حتمياً لكانوا هم أحق بفهمه منها فكيف أهملوها ولم يهتمّوا بها ، وهل هناك فسق أعظم من التجاهر بترك فريضة مثل الصلاة التي هي عماد الدين ومن أهمّ الفرائض التي يمتاز بها المسلم عن الكافرين .

   ويكشف عما ذكرناه من تركهم لهذه الصلاة ـ مضافاً إلى أنهم لو أقاموها لظهر وبان ، ونُقل إلينا بطبيعة الحال ، ولَمّا ينقل عن أحدهم قط ـ أنه يستفاد ذلك من بعض الأخبار:

   منها : صحيحة زرارة قال : «حثّنا أبوعبدالله (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه ، فقلت : نغدوا عليك ، فقال : لا إنما عنيت عندكم»(1) فانّ الحثّ والترغيب على إقامة الجمعة من الصادق (عليه السلام) لمثل زرارة الذي هو الراوي لأغلب تلك الأخبار كما عرفت يكشف عن عدم التزامه بها ، بل إهماله لها ، بل هو يدل على الاستحباب ، بمعنى كونها أفضل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 309 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 1 .

ــ[24]ــ

عِدلي الواجب التخييري ، وإلا فلا معنى للحث بالاضافة إلى الواجبات التعيينية كما لا يخفى .

   ومنها : موثقة عبد الملك ـ أخي زرارة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «قال : مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله ، قال قلت : كيف أصنع ؟ قال : صلوا جماعة ، يعني صلاة الجمعة»(1) . وهذه أظهر من سابقتها ، لظهورها في عدم مباشرة عبد الملك مع جلالته لهذه الصلاة طيلة حياته قط ، حتى أن الامام (عليه السلام) يوبّخه بأنّ مثله كيف يموت ولم يأت بهذه الصلاة في عمره ولا مرّة ، ومن هنا فزع فقال : «كيف أصنع» .

   وبالجملة : هؤلاء الأساطين كانوا لا يزالون مستمرين في الترك ومواظبين عليه كما تفصح عنه هاتان الصحيحتان .

   ودعوى : أن من الجائز أنهم كانوا يقيمونها مع المخالفين تقية فيكون الحث في تلك الرواية والتوبيخ في هذه على الاتيان بالوظيفة الواقعية عارية عن التقية .

   مندفعة : بعدم تأتّي التقية في مثل هذه الصلاة لبطلان الصلاة معهم ، فلا تنعقد الجماعة التي هي من مقوّماتها . نعم في سائر الصلوات يشاركهم في صورة الجماعة تقية ، فيأتي بها فرادى ويقرأ في نفسه متابعاً لهم في الصلاة إراءة للاقتداء بهم . وأما في المقام فبعد فرض بطلان جمعتهم ، لا بد من قصد الظهر المخالف لصلاة الجمعة في عدد الركعات ، ولابدّ من ضم ركعتين اُخريين ولو بنحو يتخيل لهم أنها النافلة إذ لا موجب لتركهما . فلم يكن المأتي به صلاة جمعة تقية وإنما هي صلاة الظهر منفرداً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 310 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net