روايات اُخر استدل بها على الوجوب التعييني 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1620


   بقي في المقام روايات اُخر استدل بها على الوجوب التعييني ، وفي بعضها ما لا يقبل الحمل على الوجوب التخييري .

   منها : الروايات التى اُنيط الوجوب فيها على مجرد اجتماع سبعة من المسلمين من دون تعليق على شرط آخر ، وهي كثيرة وبعضها قوية السند ، كصحيحة زرارة قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) على من تجب الجمعة ؟ قال : تجب على سبعة نفر من المسلمين ، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام ، فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم»(1) ونحوها غيرها ، فان المستفاد من ذيلها أنه مهما اجتمعت السبعة وجبت الجمعة من دون فرق بين زمني الحضور والغيبة بمقتضى الاطلاق .

   والجواب : أن الرواية إن كانت ناظرة إلى بيان شرط الواجب وما يعتبر في صحة الجمعة وانعقادها ، فهي حينئذ أجنبية عن محل الكلام بالكلية كما لا يخفى .

   وإن كانت ناظرة إلى بيان شرط الوجوب وأنه معلّق على مجرد وجود السبعة كما عليه مبنى الاستدلال ، وهو الظاهر منها بقرينة السؤال الذي هو عن نفس الوجوب ، إذ الإعراض عنه والتعرض لبيان حكم آخر كما هو مبنى الاحتمال الأول خلاف الظاهر بعيد عن سياق الكلام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 304 / أبواب صلاة الجمعة ب 2 ح 4 .

ــ[28]ــ

   إلا أنه يتوجه عليها : أن تعليق الوجوب على الشرط بهذا المعنى ـ أعني إناطته بوجود السبع ـ مستدرك لحصوله دائماً فتلزم اللغوية ، إذ بعد ملاحظة اختصاص الحكم بالحاضرين لسقوط الوجوب التعييني عن المسافر جزماً كما نص على استثنائه في غير واحد من الأخبار ، فما من بلد بل ولا قرية إلا ويوجد فيها وما حولها إلى ما دون أربع فراسخ من كل جانب الذي هو حدّ السفر الشرعي آلاف من النفوس فضلاً عن سبع نفر من المسلمين ، ففرض مكان يسكن فيه مكلف غير مسافر ولم يبلغ السبعة من الجوانب الأربعة البالغ مساحةً ستة عشر فرسخاً نادر التحقق ، بل لا يكاد يتفق خارجاً إلا بالاضافة إلى القاطنين في المناطق الجبلية والمرتفعات الشاهقة من الرهبان ونحوهم ممن يعيش منعزلاً عن المجتمعات البشرية ، ولا يحتمل أن يكون التقييد في هذه الروايات احترازاً عن مثل هذه الأفراد كما لا يخفى .

   وعليه فيلزم من تعليق الحكم على مثل هذا الشرط الحاصل في كل زمان ومكان ما ذكرناه من اللغوية .

   فلا مناص من أن يكون المراد بالشرط اجتماع العدد المزبور بصفة الانضمام وعلى سبيل الهيئة الاتصالية المعتبرة في إقامة الجمعة ، احترازاً عما إذا كانوا متفرقين غير قاصدين لاقامتها فلا تجب حينئذ على أحد منهم ، ولازم ذلك عدم ثبوت الوجوب التعييني قبل الاقامة .

   نعم ، مقتضى الرواية أنه لو اتفق الاجتماع المزبور وجبت عليهم إقامتها حينئذ تعييناً لحصول الشرط ، لكن الوجوب محمول على التخييري بقرينة سائر الأخبار . وإن شئت قل : تتقيد الرواية بوجود مَن يخطب ، جمعاً بينها وبين الروايات المتقدمة التي اُنيط الوجوب فيها بوجود مَن يخطب فعلاً ، فيكون حاصل المعنى حينئذ : أنه إذا اجتمع سبعة من المسلمين أَمَّهم بعضهم وخطبهم إذا كان هناك من يقدم بالفعل لأداء الخطبة ، وإلا فلا تجب . وهذا بحسب النتيجة يؤول إلى الوجوب التخييري بل هو عينه كما لا يخفى .

ــ[29]ــ

   ومنها : صحيحة منصور عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «قال : الجمعة واجبة على كل أحد ، لا يعذر الناس فيها إلا خمسة : المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي»(1) وهذه هي الرواية التي أشرنا إلى إبائها عن الحمل على الوجوب التخييري ، فان التعبير بعدم المعذورية إنما يصح بالاضافة إلى الواجبات التعيينية ، وإلا فمن اختار أحد عدلي الواجب التخييري فهو معذور في ترك الآخر ، فلا يصح في حقه مثل هذا التعبير الذي هو كالنص في الوجوب التعييني كما عرفت .

   والجواب : أن الاستدلال بها موقوف على أن يكون متعلق الوجوب في قوله «الجمعة واجبة . .» الخ هي الاقامة نفسها دون الحضور والسعي إليها بعد فرض الانعقاد وتحقق الاقامة خارجاً ، والظاهر من الصحيحة بل المتعين هو الثاني بقرينة استثناء المسافر ، إذ الساقط عنه إنما هو الحضور دون المشروعية وأصل الوجوب ، وإلا فهي مشروعة منه لو أحب الحضور ورغب فيه ، بل هي أفضل من اختيار الظهر ، وثوابها أعظم من الجمعة التي يقيمها المقيم كما اُشير إليه في بعض الأخبار(2) فلا يصح الاستثناء(3) لو كان النظر إلى أصل الاقامة دون الحضور لثبوتها في حقه كالحاضر ، كما لا يصح استثناء مَن كان على رأس فرسخين الوارد في غير واحد من الأخبار وقد تقدّم بعضها ، إذ هو إنما يتجه لو كان الواجب هو الحضور في البلد الذي تقام فيه الجمعة فيرفع الحكم عنهم إرفاقاً كي لا يتحملوا مشقة الحضور من مساكنهم ، وإلا فلو كانت الاقامة بنفسها واجبة تعييناً كان اللازم على البعيدين عقدها في أماكنهم مع اجتماع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 300 / أبواب صلاة الجمعة ب 1 ح 16 .

(2) الوسائل 7 : 339 / أبواب صلاة الجمعة ب 19 ح 2 .

(3) بل يصح على التقديرين ، فان وجوب الاقامة شيء والمشروعية شيء آخر ، ولا مانع من أن    تكون الصلاة مشروعة في حق المسافر ومع ذلك لم تجب عليه الاقامة ولا الحضور بعدها .

ــ[30]ــ

الشرائط ، إذ لا فرق في الوجوب التعييني بين القريب والبعيد فلم يكن مجال لاستثنائهم .

   وكذا الحال في الاستثناء حال نزول المطر كما ورد به النص الصحيح(1) فانه إنما يتجه لو كان الواجب هو الحضور بعد الانعقاد ، وإلا فوجوب العقد والاقامة تعييناً لا يكاد يسقط بمثل هذه الأحوال والعوارض كما في سائر الفرائض .

   ويؤيده : استثناء المرأة والمملوك في هذه الصحيحة وغيرها ، فان المشروعية(2) ثابتة في حقهما أيضاً لو رغبا في الحضور كالمسافر على ما نطقت به بعض الأخبار(3) وإن كان سندها لا يخلو عن خدش ، وإنما الساقط عنهما وجوب الحضور .

   وبالجملة : سياق الرواية بمقتضى القرائن الداخلية والخارجية يشهد بأنها في مقام بيان وجوب الحضور بعد العقد والنظر في عدم المعذورية إلى ذلك ، ولا خفاء في دلالتها على الوجوب التعييني في هذه المرحلة ، لا إلى الاقامة ابتداءً كي تدل على وجوب العقد تعييناً .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net