أدلة النافين لمشروعية صلاة الجمعة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2817


   فنقول : استدل المنكرون وهم القليل من الأصحاب كابن ادريس(1) وسلاّر(2) ومن تبعهما بأنّ إقامة الجمعة من المناصب المختصة بالامام (عليه السلام) ومن شؤونه ومزاياه فلا يجوز عقدها بدونه ، أو المنصوب من قبله بالخصوص ، وحيث لا يتيسّر الوصول إليه (عليه السلام) في عصر الغيبة ولا الاستئذان الخاص ، فلا محالة يسقط الوجوب من أصله ، لانتفاء المشروط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر 1 : 303.

(2) المراسم : 77 .

ــ[32]ــ

بانتفاء شرطه ، فتختص المشروعية بزمن الحضور فحسب .

   والجواب : أنه إن اُريد بذلك نفي الوجوب التعييني فهو وإن كان صواباً كما عرفت ، لكنّا في غنىً عن إقامة الدليل عليه ، إذ يكفي في نفيه عدم قيام الدليل على الوجوب ، وقد علم مما مرّ عند إبطال أدلة القائلين بالتعيين ، فلا حاجة إلى إقامة الدليل على العدم بعد أن كان هو مقتضى الأصل .

   وإن اُريد به نفي المشروعية وإنكار الوجوب من أصله ، الجامع بين التعييني والتخييري ، لمكان الاشتراط المزبور ، فتدفعه إطلاقات الأدلة من الكتاب والسنّة ، إذ ليس في شيء منها إيعاز بهذا الشرط كي تتقيد به المطلقات . فلا بد في التقييد من إقامة الدليل عليه . وقد استدلّ له باُمور:

   الأول : الاجماع على عدم المشروعية ما لم يقمها إمام الأصل أو المنصوب من قِبَله بالخصوص .

   وفيه : أن الاجماع إنما قام على عدم الوجوب التعييني كما قدّمناه في صدر المبحث ، وأما نفي المشروعية رأساً فليس معقداً للاجماع ، بل ولا مورداً للشهرة ، فان الأشهر بل المشهور إنما هو الوجوب التخييري ، والمنكرون للمشروعية جماعة قليلون كما نبّهنا عليه فيما تقدم . فدعوى الاجماع في المقام لا تخلو عن المجازفة .

   الثاني : دعوى استقرار سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين من بعده على نصب أشخاص معيّنين لاقامة الجمعات ، فكان لا يقيمها إلا من هو منصوب من قبلهم (عليهم السلام) بالخصوص ، فيكشف ذلك عن اشتراط العقد بالاذن الخاص ، فلا تشرع بدونه .

   وهذه الدعوى كما ترى ، بل هي من الغرابة بمكان ، أما عصر النبي (صلى الله عليه وآله) فلا سبيل لنا إلى العلم باقامة الجمعة في غير بلده (صلى الله عليه وآله) من سائر القرى والبلدان ، إذ لم ينقله التاريخ ولم يرد به النص ، وعلى

ــ[33]ــ

تقدير الاقامة فلم يعلم اشتراطها بالاذن ونصب شخص لها بالخصوص ، فلا طريق لنا إلى استكشاف الحال واستعلام الوضع في ذلك العصر .

   وأما زمن مولانا أميرالمؤمنين (عليه السلام) فهو وإن كان ينصب الولاة والقضاة في أقطار البلاد ، وبطبيعة الحال كانوا هم المقيمين للجمعات إلا أنهم كانوا منصوبين لعامة الاُمور وكافة الشؤون ، وكان تصدّيهم للجمعة من مقتضيات مقامهم حسب ما يقتضيه التعارف الخارجي ، لا أنهم كانوا منصوبين بالخصوص لهذا الشأن ، وبين الأمرين بون بعيد .

   وأما في عصر سائر المعصومين (عليهم السلام) فلم يثبت منهم النصب رأساً ولا في مورد واحد ، بل قد ثبت منهم الإذن على سبيل الاطلاق من دون تعيين شخص خاص كما تفصح عنه الأخبار المرخّصة لاقامتها في القرى إذا كان فيهم من يخطب لهم وغيرها(1) فدعوى استقرار السيرة مع عدم ثبوت النصب حتى في مورد واحد من غرائب الكلام .

   الثالث : الأخبار الدالة على سقوط الصلاة عمّن بَعُد عن محل إقامتها بأزيد من فرسخين التى تقدمت الاشارة إليها(2) فان المراد بها بيان حكم سكنة القرى والبلدان البعيدة عن البلد الذي تقام فيه الجمعة ، دون المسافرين وعابري السبيل ، للمقابلة بين العنوانين في تلك الأخبار وغيرها كما لا يخفى .

   ومن الواضح أنه لا وجه لسقوط الوجوب المساوق لعدم المشروعية إلا اشتراط كون المقيم لها هو إمام الأصل أو نائبه الخاص غير المتحقق في تلك المحالّ ، وإلا فلولا هذا الاشتراط وكانت مشروعة على الاطلاق كان عليهم الاجتماع وإقامتها في أماكنهم ، إذ الغالب حصول سائر الشرائط من العدد ووجود مَن يخطب لهم ، ولا أقل من أداء مسمى الخطبة وأقل الواجب منها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 306 / ابواب صلاة الجمعة ب 3 .

(2) في ص 25 .

ــ[34]ــ

المتيسر لكل أحد ، لا سيما من يتمكن من إقامة الجماعة ، فمن عدم إيجابها عليهم عندئذ رأساً يستكشف اشتراط الاذن وعدم المشروعية بدونه .

   والجواب : أنّ هذه الروايات المفصّلة بين من كان على رأس فرسخين ومن زاد عنهما ناظرة إلى وجوب الحضور وعدمه دون أصل الاقامة ، فيجب على الأوّلين السعي والحضور إلى المحلّ الذي تقام فيه الجمعة تعييناً أو تخييراً فيما إذا لم تجتمع شرائط العقد لدى مَن بَعُد عنها بثلاثة أميال كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار .

   وأما غيرهم فلا يجب عليهم ذلك ، لا أنها ساقطة عنهم رأساً وغير مشروعة منهم ، فلا نظر فيها إلى أصل وجوب الاقامة وعدمها كما نبّهنا عليه سابقاً ، بل مقتضى الاطلاق في بقية الأخبار شمول الوجوب لهم مع اجتماع الشرائط ، غايته تخييراً لا تعييناً كما تقدم .

   الرابع : أن إيجاب مثل هذا الحكم في زمن الغيبة مثار للفتنة وموجب للهرج والمرج فلا يظن بالشارع الحكيم تشريعه ، فان الالزام باقتداء الكل خلف شخص واحد وإيكال تعيينه إليهم ، مع تأبّي النفوس عن الائتمام خلف من يراه مثله أو دونه في الأهلية ، وميل الطباع لاشغال ذاك المنصب وحيازته ، معرض للافتتان ، بل موجب لاختلال النظام ، لتشاحّ النفوس في طلب الرئاسة والتصدي لمقام الامامة ، فربما يؤدي إلى التشاجر والنزاع بين المسلمين ، لانتصار أهل كل محلة لامامها ، وقد ينجرّ إلى القتل كما اتفق في عصرنا الحاضر في بعض البلاد ، فلابد وأن يكون التعيين بنظر الشارع وإذنه الخاص كي تنحسم به مادة النزاع .

   وفيه أوّلاً : أن هذا التقرير على تسليمه فانما يجدي لنفي التعيين لا أصل المشروعية ولو تخييراً ، فانّ الوجوب التخييري حيث لا إلزام فيه على سبيل الحتم والبتّ لوجود المندوحة ، فلا يتضمن الفتنة ، لامكان التخلص منها باختيار العدل الآخر وهو صلاة الظهر .

ــ[35]ــ

   وثانياً : أن الفتنة ممنوعة من أصلها حتى على القول بالوجوب التعييني ، فانّ من قدّم للامامة إما أن يرى غيره أهليته لها لاستجماعه الشرائط أو لا ، فعلى الأول يجب عليه الائتمام ولا حزازة فيه ، وإن كان دونه في المقام فقد حثّ الشارع على التواضع ومجاهدة النفس ، وحذّر عن الأنانية والكِبَر ، وقد شاهدنا بعض زهّاد العصر يأتم خلفه جمّ غفير من الجهابذة والأساطين وهم أفقه منه وأعظم شأناً بمراتب غير قليلة .

   وعلى الثاني : فالجماعة باطلة بنظره ، فلم تنعقد جمعة صحيحة كي يجب السعي إليها والحضور فيها . هذا بناء على المختار احتياطاً من عدم الوجوب إلا بعد الانعقاد ، وكذا على القول بوجوب العقد ، فانه يسقط عندئذ بناء على ما هو الأظهر من عدم جواز عقد جمعتين في بلد واحد حتى مع العلم ببطلان إحداهما ، فلم يكن هناك موجب للافتتان وباعث على الجدال والنزاع من ناحية إيجاب الجمعة في حدّ نفسه ، وأما البواعث الاُخر فهي أجنبية عن هذا التشريع كما لا يخفى ، فتدبر جيداً .

   الوجه الخامس : ما رواه الصدوق في العيون(1) والعلل(2) بسنده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في وجه صيرورة صلاة الجمعة ركعتين دون أربع ، وقد اشتمل الحديث على بيان علل شتى قد استشهد للمطلوب بفقرتين منها:

   إحداهما : قوله (عليه السلام) : «لأن الصلاة مع الامام أتم وأكمل ، لعلمه وفقهه وفضله وعدله»(3) حيث يظهر منها أن الامام المقيم للجمعة يمتاز عنه في بقية الجماعات ، لاعتبار كونه عالماً فقيهاً فاضلاً عادلاً ، ولا شك في عدم اعتبار شيء من هذه الصفات في أئمة الجماعات ماعدا الأخير ، فيعلم من ذلك عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 111 / 1 .

(2) علل الشرائع : 264 / 9 .

(3) الوسائل 7 : 312 / أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 3 .

ــ[36]ــ

صلاحية كل أحد لاقامة الجمعة إلا من كان حاوياً لهذه الخصال ولا يكون إلا الامام أو المنصوب الخاص .

   ثانيتهما : قوله (عليه السلام) : «إنما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنّ الجمعة مشهد عام ، فأراد أن يكون للأمير كما عن العلل(1) للامام كما عن العيون ، سبب إلى موعظتهم ، وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم عن المعصية ، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم ، ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق ومن الأهوال التى لهم فيها المضرة والمنفعة ، ولا يكون الصابر في الصلاة منفصلاً وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة . .»الخ(2) والجملة الأخيرة أعني قوله : «وليس بفاعل . . .» الخ غير مذكورة في العيون كما نبّه عليه في الوسائل .

   وكيف كان ، فالمستفاد من هذه الفقرة من الحديث أيضاً امتياز إمام الجمعة عن غيرها وعدم أهلية كل شخص لها ، بل يعتبر أن يكون المقيم من له خبرة بالاُمور واطلاع بأحوال البلاد ، وما يجري فيها من الحوادث ، كي يعلن للناس ما يرد عليه من الآفاق ، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وفسادهم ، ويوقفهم على ما يمسّهم من المضارّ والمنافع ، ويعظهم ويمنّيهم ويرغّبهم ويرهبهم ، ومَن هذا شأنه لا بد وأن تكون له السيطرة على الاُمور والتسلط على كافة الشؤون ، وليس هو إلا الامام (عليه الامام) أو المنصوب الخاص ، فليس لغيره التصدّي لهذا المقام .

   والجواب : أن الامتياز المزبور مما لا مساغ لانكاره ، غير أنه ليس لأجل اعتبار هذه الاُمور في إمام الجمعة شرعاً بحيث لا تنعقد مع الفاقد لها ، بل لأن طبع الحال يقتضي ذلك ، إذ بعد كون الجمعة مشهداً عظيماً يشترك فيه جميع المسلمين ، لانحصار عقدها في البلد ونواحيها إلى ما دون الفرسخين من كل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [بل الموجود في العلل للامام] .

(2) الوسائل 7 : 344 / أبواب صلاة الجمعة ب 25 ح 6 .

ــ[37]ــ

جانب في جمعة واحدة ، فلا محالة يتقدم الأصلح منهم ، الأفقه الأفضل الأعدل ، الخبير بأحوال المسلمين والبصير بشؤونهم ، كي يتمكن من أداء خطبة ينتفع منها جميع الحاضرين ، دون غير الأصلح المقتصر على مسمى الخطبة أو ما لا تتضمن مصالحهم ، فاتصاف الامام بهذه الصفات في مثل هذه الصلاة التي تمتاز عن صلاة بقية الأيام بما ذكر ، مما تقتضيه طبيعة الحال والجري الخارجي المتعارف بين المسلمين ، فهو اعتبار عرفي لا شرط شرعي ، وبين الأمرين بون بعيد .

   هذا كله مع أن الرواية ضعيفة السند ، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان ، فان في الطريق علي بن محمد بن قتيبة ولم يوثّق ، وعبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطار الذي هو شيخ الصدوق ولم يوثق أيضاً . نعم قد ترضّى عليه الصدوق عند ذكره فقال : رضي الله عنه(1) ، لكنه غير كاف في التوثيق كما لا يخفى .

   السادس : موثقة سماعة قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة ، فقال : أما مع الامام فركعتان ، وأما لمن صلى وحده فهي أربع ركعات وإن صلوا جماعة»(2) هكذا رواها الشيخ(3) والصدوق(4) غير أنها في طريق الثاني خالية عن القيد الأخير أعني قوله «وإن صلوا جماعة» .

   وكيف كان ، فهي كالنص في تغاير إمام الجمعة مع أئمة بقية الجماعات ، للتصريح بأنه مع فقد الامام فهي أربع وإن صلّوا جماعة . فيظهر أن إمام الجماعة في بقية الصلوات غير مَن هو الامام في صلاة الجمعة ، وأن من يقيمها ليس هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 4 (المشيخة) : 54 .

(2) الوسائل 7 : 314 / أبواب صلاة الجمعة ب 6 ح 8 .

(3) [بل رواها مطابقة لمتن رواية الكليني الآتية ، لاحظ التهذيب 3 : 19 / 70] .

(4) الفقيه 1 : 269 / 1230 .

ــ[38]ــ

مطلق مَن يصلي بالناس جماعة ، وإنما هو شخص معيّن وليس إلا الامام (عليه السلام) أو المنصوب بالخصوص .

   والجواب عن ذلك يظهر من رواية الكليني(1) هذه بعين السند ، بحيث لا يحتمل تعدد الروايتين مع اختلاف يسير في المتن يكشف القناع عن هذا الاجمال ، قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة ، فقال : أما مع الامام فركعتان ، وأما مَن يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر ، يعني إذا كان إمام يخطب ، فان لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات وإن صلوا جماعة» . والظاهر أن التفسير من الراوي .

   وعليه فالمراد بالامام هو مَن يخطب ، أي يكون متهيئاً بالفعل لأداء الخطبة التي يتمكن من مسمّـاها وأقل الواجب منها كل أحد كما مرّ غير مرة ، فلا دلالة فيها على اعتبار إمام خاص .

   السابع : عدة روايات دلت على أن الجمعة من مناصب الامام (عليه السلام) كالخبر المروي عن دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) أنه «قال : لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا للامام أو من يقيمه الامام (عليه السلام)»(2) .

   والمروي عن كتاب الأشعثيات مرسلاً «أن الجمعة والحكومة لامام المسلمين»(3) .

   والمرسل الآخر عنهم (عليهم السلام) : «إن الجمعة لنا والجماعة لشيعتنا»(4) ونحوها غيرها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 310 / أبواب صلاة الجمعة ب 5 ح 3 ، الكافي 3 : 421 / 4 .

(2) دعائم الاسلام 1 : 182 وفيه : «لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الاّ بإمام» .

(3) الموجود في النص هو «لا يصح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا بامام» المستدرك 6 : 13 /    أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 5 ح 2 ، الأشعثيّات : 43 .

(4) أورده في الجواهر 11 : 158 نقلا عن رسالة ابن عصفور.

ــ[39]ــ

   والجواب : مضافاً إلى ضعف أسانيد الجميع بالارسال ، أنّ غاية ما يستفاد منها كون الجمعة حقاً للامام (عليه السلام) ومِن مناصبه بحسب الجعل الأوّلي ، فلا ينافي ذلك إذنهم (عليهم السلام) للشيعة وترخيصهم في إقامتها على سبيل الاطلاق كما ثبت في الحكم ونحوه ، وقد ثبت الاذن العام عنهم (عليهم السلام) في المقام بمقتضى الأخبار المتقدّمة الدالة على الوجوب التخييري التي منها ما دلت على الوجوب إذا كان هناك إمام يخطب .

   ومن ذلك يظهر الجواب عما استدلوا به من قوله (عليه السلام) في الصحيفة السجادية في دعاء يوم الجمعة والأضحى : «اللهم إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وأنت المقدّر لذلك ـ إلى قوله (عليه السلام) ـ حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً . .»الخ(1) . فان غايته أن هذا المقام ـ أي إقامة الجمعة ـ حق مختص بهم (عليهم السلام) فلا ينافي تفويضه لشيعتهم وترخيصهم في إقامتها من دون تعيين شخص خاص كما عرفت .

   الثامن : الأخبار الواردة فيما إذا اجتمع عيد وجمعة المتضمنة لاذن الامام (عليه السلام) في خطبة العيد للنائين بالرجوع إلى أماكنهم إن شاؤوا وعدم حضور الجمعة الكاشفة عن كون الاقامة حقاً مختصاً به (عليه السلام) وإلا فكيف يسوغ له الترخيص في ترك فريضة عينية إلهية ، وهل ذاك إلا كترخيصه في ترك صلاة الغداة مثلاً .

   فمنها : صحيحة الحلبي «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الفطر والأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة ، فقال : اجتمعا في زمان علي (عليه السلام) ، فقال : من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت ، ومن قعد فلا يضرّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصحيفة السجادية : 351 / 150 .

ــ[40]ــ

وليصلّ الظهر ، وخطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة»(1) .

   وخبر سلمة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : اجتمع عيدان على عهد أميرالمؤمنين (عليه السلام) فخطب الناس فقال : هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل ، ومن لم يفعل فانّ له رخصة ، يعني من كان متنحياً»(2) .

   ورواية اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول : إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانه ينبغي للامام أن يقول للناس في خطبته الاُولى : إنه قد اجتمع لكم عيدان فانا اُصليهما جميعاً ، فمن كان مكانه قاصياً فأحبّ أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له»(3) .

   والجواب : أن شيئاً من هذه الروايات لا دلالة لها على المطلوب .

   أما الصحيحة ، فلأنها بيان للحكم المجعول في الشريعة المقدسة على سبيل القضية الحقيقية ، وأنه مهما اجتمع عيدان فالمكلفون مخيّرون بين حضور الجمعة وتركها بترخيص ثابت من قبل الشارع الأقدس كما في سائر الاحكام ، لا أنه حق مختص بالامام (عليه السلام) كي يكون الاذن المزبور مستنداً إليه كما لعلّه ظاهر .

   وأما خبر سلمة ، فمخدوش لضعف السند أوّلاً ، فانّ في الطريق معلى بن محمد ولم يوثّق ، وكذا الحسين بن محمد ، وإن كان الظاهر أن المراد به الحسين بن محمد بن عامر بن عمران الثقة بقرينة روايته عن معلى بن محمد . وكيف كان فيكفي الأول في قدح السند لولا وقوعه في إسناد كامل الزيارات(4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 7 : 447 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 1 ، 2 .

(3) الوسائل 7 : 448 / أبواب صلاة العيد ب 15 ح 3 .

(4) وقد عدل (قده) عن ذلك أخيراً .

 
 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net