الكلام في سقوط الوتيرة في السفر - تحقيق رشيق في توثيقات العلامة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2310


ــ[49]ــ

والوتيرة على الاقوى((1))(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نسبته إلى قطع الأصحاب(2) .

   وتدل عليه جملة وافرة من النصوص التى منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن الصلاة تطوّعاً في السفر ، قال : لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً»(3) ونحوها غيرها مما يظهر منه أنّ السقوط على سبيل العزيمة كما يفصح عنه ما في ذيل رواية الحنّاط من قوله (عليه السلام) : «يابني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة»(4) .

   كما لا إشكال أيضاً في عدم سقوط نوافل ما لا تقصير فيه كالفجر والمغرب وكذا نافلة الليل ، ويدل عليه مضافاً إلى إطلاق أدلتها الشامل للحضر والسفر بعض النصوص الخاصة ، كما ورد في نافلة المغرب من قوله : «لا تدعهنّ في سفر ولا حضر»(5) .

   وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، منها الوتر وركعتا الفجر في السفر والحضر»(6) .

   وصحيحة محمد بن مسلم قال : «قال لي أبوجعفر (عليه السلام) : صلّ صلاة الليل والوتر وركعتين في المحمل»(7) ونحوها غيرها .

   وإنما الاشكال في سقوط الوتيرة ، أعني نافلة العشاء في السفر ، وستعرف الحال فيها .

   (1) على المشهور ، بل نسب إلى ظاهر العلماء ، بل عن ابن إدريس دعوى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه إشكال والأحوط الاتيان بها رجاء .

(2) المدارك 3 : 26 .

(3) الوسائل 4 : 81 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 1 .

(4) الوسائل 4 : 82 / أبواب اعداد الفرائض ب 21 ح 4 .

(5) الوسائل 4 : 83 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 7 .

(6) ، (7) الوسائل 4 : 91 / أبواب أعداد الفرائض ب 25 ح 6 ، 2 .

ــ[50]ــ

الاجماع عليه(1) استناداً إلى إطلاق جملة من النصوص الواردة في سقوط نوافل الرباعية التي منها صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلا المغرب ثلاث»(2) وقد سمعت ما في رواية الحناط : «لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة» .

   ولكن جماعة منهم الشيخ في النهاية(3) ذهبوا إلى عدم السقوط ، ومال إليه غير واحد من المتأخرين منهم المحقق الهمداني (قدس سره) لولا انعقاد الاجماع على خلافه(4) ويستدل له بوجوه:

   أحدها : ما رواه الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث «قال : وإنما صارت العتمة مقصورة وليس تترك ركعتاها (ركعتيها) لأن الركعتين ليستا من الخمسين ، وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ليتمّ بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع»(5) .

   دلت بوضوح على عدم السقوط ، لعدم احتساب الوتيرة من النوافل المرتّبة في أصل التشريع ، وإنما زيدت لمكان التكميل ، فلا ينافي ما دل على سقوط نوافل المقصورة .

   ومنه يظهر عدم سقوط الركعتين اللتين قلنا باستحبابهما بعد العشاء الآخرة مستقلا ، لعدم كونهما أيضاً من تلك النوافل كما تقدم .

   وبالجملة فلا إشكال في الدلالة ، وإنما الكلام في السند .

   فقد ناقش فيه صاحب المدارك باشتمال طريق الصدوق إلى الفضل بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر 1 : 194 .

(2) الوسائل 4 : 82 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 3 .

(3) النهاية : 57 .

(4) مصباح الفقيه (الصلاة) : 12 السطر 30 .

(5) الوسائل 4 : 95 / أبواب الفرائض ب 29 ح 3 ، علل الشرائع : 267 .

ــ[51]ــ

شاذان على عبد الواحد بن عبدوس ، وعلي بن محمد بن قتيبة ولم يرد فيهما توثيق(1) .

   وأجاب عنه غير واحد بأنه يكفي في وثاقة الأول كونه من مشايخ الصدوق ، ولا سيما وقد ترضّى عليه كثيراً(2) فانه لا يقصر عن التوثيق الصريح .

   وأضاف المحقق الهمداني بما لفظه : لا شبهة في أن قول بعض المزكّين بأنّ فلاناً ثقة أو غير ذلك من الألفاظ التي اكتفوا بها في تعديل الرواة لا يؤثّر في الوثوق أزيد مما يحصل من إخبارهم بكونه من مشايخ الاجازة(3) .

   وأما الثاني فقد اعتمد عليه أبو عمرو الكشي في رجاله على ما حكاه النجاشي(4) ، فهو من مشايخه واعتماده عليه لا يقل عن توثيقه له .

   أضف إلى ذلك : أن العلامة قد صحح الطريق المشتمل على الرجلين ، حيث إنه روى حديث الإفطار على المحرّم ولم يتأمل في صحته إلا من ناحية ابن عبدوس(5) ، وأخيراً حكم بوثاقته وصحح الحديث(6) . وهذا يدل طبعاً على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة أيضاً .

   أقول : قد ذكرنا في محلّه(7) أن مجرد الشيخوخة لا يكفي في الوثاقة ، ولا سيما في مثل الصدوق الذي يروي عن كل من سمع منه الحديث ، حتى أنّ في مشايخه من هو في أعلى مراتب النصب كالضبي حيث قال في حقه : إنّي لم أر أنصب منه فقد كان يقول : اللهم صل على محمد منفرداً(8) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدارك 3 : 27 .

(2) التوحيد : 242 / 4 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 121 / 1 .

(3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 12 السطر 14 .

(4) رجال النجاشي : 259 / 678 .

(5) المختلف 3 : 314 .

(6) خلاصة الأقوال : 296 / 1103 .

(7) معجم رجال الحديث 1 : 73 .

(8) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 279 .

ــ[52]ــ

   نعم ، من كان ملتزماً بأن لا يروي بلا واسطة إلا عن الثقة كما يظهر ذلك من النجاشي فلا ريب أن روايته عنه توثيق له ، لكن من الواضح أنّ الصدوق وكذلك الكشي لم يكونا كذلك .

   كما أن الترضّي أو الترحم لا يكشفان عن التوثيق ، بل غايته صدور عمل حسن استوجب ذلك ، ولا ريب أنّ التشيع نفسه خير عمل يستوجبهما ، وقد جرت عادة الصدوق على الترضّي على كل إمامي من مشايخه ، كما أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يترحمون على شيعتهم كافة وعلى زوار الحسين (عليهم السلام) خاصة وفيهم البرّ والفاجر ، فترضّيه على أحد لا يكشف إلا عن تشيعه ، وترحمه لا يزيد على ترحمهم (عليهم السلام) ولا يكاد يكشف عن التوثيق بوجه .

   وأما اعتماد الكشي على ابن قتيبة فلم يتضح وإن حكاه النجاشي ، فانا لم نجد بعد التتبع التام ما عدا روايته عنه في مواضع عديدة دون ما يشهد على اعتماده عليه(1) وقد عرفت أنّ مجرد الشيخوخة لا يكشف عن الوثاقة .

   وأما تصحيح العلامة للحديث أو توثيقه للراوي فالظاهر أنه لا يعوّل على شيء منهما .

   أما الأوّل : فلبنائه على تصحيح رواية كل إمامي لم يرد فيه قدح ، وتضعيفها من غير الامامي وإن ورد فيه توثيق فضلاً عن المدح ، إلا من قام الاجماع على قبول روايته ، ويتضح ذلك بملاحظة عدّة مواضع من كتابه .

   فمن الأوّل : ما ذكره في ترجمة إبراهيم بن هاشم حيث قال : لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه ، ولا على تعديل بالتنصيص ، والروايات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غير خفي أن الواصل إلينا من رجال الكشي هو خصوص ما اختاره الشيخ الطوسي وقد كان    تمامه موجوداً عند النجاشي ومعه كيف يسعنا انكار ما يحكيه من الاعتماد ، والعمدة في الجواب    ما صرّح به سيدُنا الاُستاذ (قدس سره) ، في المعجم 13 : 171 من أنه يروي عن الضعفاء    كثيرا ، كما صرّح به النجاشي في ترجمته فلا يكشف اعتماده عن التوثيق .

ــ[53]ــ

عنه كثيرة ، والأرجح قبول قوله(1) .

   وما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة حيث قال ما لفظه : لم ينص علماؤنا عليه بتعديل ، ولم يرد فيه جرح ، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض(2) .

   ونحوهما غيرهما مما يجده المتتبع . راجع القسم الأول من الخلاصة في ترجمة من يعتمد على روايته .

   ومن الثاني موارد : منها : ما ذكره في ترجمة إسماعيل بن أبي سمّـال وقيل سماك ـ بالكاف ـ حيث قال : قال النجاشي : إنه ثقة واقفي فلا أعتمد حينئذ على روايته(3) ، ونحوه ما ذكره في ترجمة أخيه إبراهيم(4) فرفض الأخذ بروايتهما لمجرد كونهما من الواقفة وإن وثقهما النجاشي .

   ومنها : ما ذكره في ترجمة إسحاق بن عمّار حيث قال : كان شيخاً من أصحابنا ثقة روى عن الصادق والكاظم (عليهما السلام) وكان فطحياً ، قال الشيخ إلا أنّه ثقة وأصله معتمد عليه ، وكذا قال النجاشي ، والأولى عندي التوقف فيما ينفرد به(5) .

   ومنها : ما ذكره في أبان بن عثمان في جواب ابنه فخر المحققين ـ على ما نقله المرزا والسيد التفريشي(6) ـ قال : سألت والدي عنه ، فقال : الأقرب عدم قبول روايته ، لقوله تعالى : (إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ . .)(7) الخ ، ولا فسق أعظم من عدم الايمان ، إلى غير ذلك مما يجده المتتبع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خلاصة الأقوال : 49 / 9 .

(2) خلاصة الأقوال : 66 / 86 .

(3) خلاصة الاقوال : 315 / 1236 .

(4) خلاصة الأقوال : 314 / 1230 .

(5) خلاصة الأقوال : 317 / 1244 .

(6) منهج المقال : 17 ، نقد الرجال 1 : 46 .

(7) الحجرات 49 : 6 .

ــ[54]ــ

   وعلى الجملة : فتصحيح العلامة مبني على أصالة العدالة ومن ثم يصحح رواية كل شيعي لم يظهر منه فسق ، ولا يعتمد على رواية غيره وإن كان ثقة ثقة .

   وبما أن الراوي في محل الكلام أعني علي بن محمد بن قتيبة وكذلك ابن عبدوس شيعيّان ولم يظهر منهما فسق فمن ثمّ صحّح حديثهما ، ومن البديهي أن مثل هذا التصحيح لا يجدي من لا يرى هذا المبنى ويعتبر وثاقة الراوي كما هو الأصح عندنا .

   وأما الثاني : أعني توثيقه لابن عبدوس فهو أيضاً لا يركن إليه ، إذ مع الغض عما عرفت من ابتناء توثيقاته على أصالة العدالة ، أنها مبنية على الاجتهاد والحدس ، لعدم احتمال استنادها إلى الحس مع بُعد العهد والفصل الطويل بين عصره وعصر الرواة ، واحتمال استناد التوثيق إلى السماع ممّن رآه وهو ممن سمعه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى عصر الراوي الذي يوثقه ، فيكون التوثيق مستنداً إلى السماع من ثقة عن ثقة بعيد غايته ، بل لا يكاد يحتمل عادة ولا سيما بعد ملاحظة ما ذكره الشهيد الثاني في الدراية من أن العلماء بعد عصر الشيخ إلى مدة مديدة كانوا يتّبعون آراءه وأقواله حتى سمّوا بالمقلّدة(1) . فلا جرم كانت توثيقاته بل وتوثيقات غيره من معاصريه فضلا عمّن تأخر عنه كالمجلسي وابن طاووس وابن داود وأضرابهم شهادات حدسيّة واجتهادات وقتية . ومن البيّن عدم حجية اجتهاد فقيه على مثله وعدم اعتبار الشهادة ما لم تستند إلى الحس ، والا فلا شبهة في أن توثيق هؤلاء الأعلام لا يقصر عن توثيق الرجاليين كالنجاشي وغيره .

   والمتحصل : أنّ توثيقات العلامة كتصحيحاته ، وكذا توثيقات المتأخرين لا سبيل للاعتماد على شيء منها . إذن فالرواية ضعيفة السند لجهالة الرجلين ومناقشة صاحب المدارك في محلها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدراية : 28 .

ــ[55]ــ

   ثانيها : صحيحة الحلبي قال : «سألت ابا عبدالله (عليه السلام) : هل قبل العشاء الآخرة وبعدها شيء ؟ قال : لا ، غير أنّي اُصلي بعدها ركعتين ولست أحسبهما من صلاة الليل»(1) .

   فان المحقق الهمداني (قدس سره) بعد أن استدل برواية الفضل المتقدمة ـ بناء منه على اعتبارها ـ أيّد المطلوب بهذه الصحيحة ، بتقريب أن المستفاد منها أن الركعتين بعد العشاء مستحبتان في نفسهما وليستا نافلة لها لتشملها النصوص المتقدّمة الناطقة بسقوط نوافل الرباعية في السفر(2) .

   ويندفع : بتوقفه على أن يكون المراد من الركعتين هو الوتيرة ، ومن الجائز أن يراد بهما الركعتان اللتان يأتي بهما عن قيام ويقرأ فيهما مائة آية ، وعرفت أنهما صلاة اُخرى غير الوتيرة يستحب الاتيان بهما مستقلا بعد العشاء الآخرة زائدة على النوافل المرتبة .

   بل إن هذا هو الظاهر منها بقرينة قوله : «ولست أحسبهما من صلاة الليل» فان ما يتوهم احتسابه منها هي هذه الصلاة ، دون الوتيرة التي تصلى جالساً وتعدّ بركعة ، فانه لا مجال لتوهم كونها من صلاة الليل بوجه ، كيف والراوي هو الحلبي الذي هو من أعاظم الرواة ، وجلالته تأبى عن أن تخفى عليه الوتيرة ويكون جاهلاً بها ليسأل عنها . نعم لما كانت الركعتان المزبورتان غير معروفتين كان السؤال عنهما في محله .

   ثالثها : ما استدل به هو (قدس سره) أيضاً من أن الأخبار المتقدمة الدالة على السقوط معارضة في الوتيرة بنصوص وردت فيها بالخصوص تضمنت أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر ، المراد بها الوتيرة ، كما في ذيل رواية أبي بصير «قلت : تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة ؟ قال : نعم إنّهما بركعة»(3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 93 / أبواب أعداد الفرائض ب 27 ح 1 .

(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 12 السطر 19 .

(3) الوسائل 4 : 96 / أبواب أعداد الفرائض ب 29 ح 8 .

ــ[56]ــ

   والنسبة بينهما عموم من وجه ، لاختصاص تلك الأخبار بالسفر وإطلاقها لنافلة العشاء على العكس من هذه ، وليس الاطلاق في تلك أقوى منه في هذه لو لم يكن الأمر بالعكس لتضمن لسانها نوعا من التأكيد في الاطلاق ، حيث دلت على أن الاتيان بها ينبعث عن الايمان بالمبدأ والمعاد غير المختص بوقت دون وقت .

   بل يمكن القول بأنّ لها نوع حكومة على تلك الأخبار ، حيث يفهم منها أن الوتيرة مربوطة بصلاة الليل ، وأن الاتيان بها بعد العشاء لأجل وقوعها قبل المبيت لا لارتباطها بالعشاء . وكيف ما كان فبعد التساقط في مادة الاجتماع يرجع إلى إطلاق دليل المشروعية في الوتيرة الذي مقتضاه عدم السقوط في السفر(1) .

   ويردّه أوّلاً : أن الوتر غير الوتيرة ، والموضوع في النصوص المزبورة هو الأوّل ، كما أن معنى البيتوتة إنهاء الليل إلى طلوع الفجر ، ويكون محصّل النصوص أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يطلع عليه الفجر إلا بوتر ، والأخبار الواردة في الاهتمام بصلاة الليل بما فيها من الوتر كثيرة جداً ليكن هذا منها .

   وأما نافلة العشاء فلم يطلق عليها لا الوتر ولا الوتيرة في شيء من الأخبار ، وإن تداول على ألسنة الفقهاء التعبير عنها بالوتيرة . إذن فلا سبيل للاستدلال بهذه الروايات على استحبابها فضلا عن عدم سقوطها في السفر . نعم فسّرت الوتر بها رواية أبي بصير المتقدمة كما سمعت .

   ومن هنا جعلها في الحدائق شارحة لاجمال تلك الأخبار(2) ، ولكنها ضعيفة السند ، لأنّ أكثر رواتها بين مهمل أو مجهول فلا يعوّل عليها . إذن فالروايات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 12 السطر 22 .

(2) الحدائق 6 : 47 .

ــ[57]ــ

الدالة على السقوط سليمة عن المعارض .

   وثانياً : سلّمنا إرادة الوتيرة من الوتر إلا أنه لا يبعد القول بحكومة نصوص السقوط على الثبوت ، نظراً إلى أن الثانية مسوقة لبيان أصل المشروعية ، وأن الوتيرة من المستحبات الأكيدة ، أما الاُولى النافية للمشروعية والناطقة بأنه لا شيء قبل المقصورة ولا بعدها مؤيدة بما دل على أنه لو صلحت النافلة في السفر لتمت الفريضة ، فهي مسوقة لبيان حكمها في السفر فارغاً عن أصل المشروعية ، فهي ناظرة إليها وما يضاهيها من النوافل المرتّبة وشارحة للمراد منها ، وأنها خاصة بغير السفر ، فلسانها لسان الشرح والتفسير ، فلا جرم تتقدّم عليها تقدّم الحاكم على المحكوم من دون أيّ تعارض في البين .

   رابعها : رواية رجاء بن أبي الضحاك المتضمنة أن الرضا (عليه السلام) لم يترك الوتيرة في السفر .

   وفيه : أنه إن اُريد بها ما هو الموجود في العيون وقد نقلها صاحب الوسائل عنه عن الرضا (عليه السلام) أنه كان في السفر يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلا المغرب فانه كان يصليها ثلاثاً ، ولا يدع نافلتها ، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر ، وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئاً(1) . فهي مضافاً إلى ضعف سندها على خلاف المطلوب أدل ، لخلوها عن التعرض للوتيرة فلو كانت ثابتة لأشير إليها كما اُشير إلى صلاة الليل وغيرها من النوافل ، وإن اُريد بها غيرها فلم نعثر عليها ، بل الظاهر أنه لا وجود لها لا في العيون ولا في غيره كما اعترف به في الجواهر(2) .

   والمتحصل مما تقدم لحد الآن : أنّ ما استدل به لعدم السقوط منظور فيه ، ومع ذلك كله فيمكن الاستدلا ل له بوجهين:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 83 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 8 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 :    182 / 5 .

(2) الجواهر 7 : 50 .

ــ[58]ــ

   أحدهما : أنّ الوتيرة خارجة عن موضوع دليل السقوط ، إذ لم يثبت كونها نافلة للعشاء(1) ليشملها ما دل على سقوط نوافل المقصورة في السفر ، وإنما هي صلاة مستحبة شرّعت بدلاً عن الوتر مخافة فوتها في ظرفها ، كما تدل عليه صحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث « . . . منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر . .»الخ(2) ولعلّه لأجل ذلك عددت النوافل والفرائض في جملة من النصوص بخمسين ركعة . إذن فلا معارض لما دل على استحبابها المطلق الشامل للسفر والحضر .

   ثانيهما : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال : «سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر ، قال : لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً»(3) .

   فان السؤال عن مطلق التطوع في السفر ، فتخصيص النفي بالجواب بالنوافل النهارية يدل بمقتضى مفهوم الوصف على عدم تعلق الحكم بالطبيعي المطلق ، بل بحصّة خاصة منها ، وإلا لأصبح القيد لغواً على التفصيل الذي حققناه في الاُصول(4) ، وربما يعضده حصر مقصورة الليل في العشاء الآخرة ، ضرورة عدم التقصير في المغرب والفجر . إذن فالتقييد بالنهارية في الصحيحة كأنه ناظر إليها خاصة إيعازاً إلى أنها غير ساقطة .

   وعلى الجملة : فلا يبعد القول بعدم السقوط لهذين الوجهين ، ولكن المشهور حيث ذهبوا إلى السقوط كان الأحوط الاتيان بها بعنوان الرجاء حذراً عن مخالفتهم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا حاجة إلى إثبات ذلك بعد إطلاق دليل السقوط الشامل للنافلة وغيرها ، إذ لا شك أن    الوتيرة مستحبة بعد العشاء بهذا العنوان فيشملها قوله (ع) في صحيحة ابن سنان «ليس قبلهما    ولا بعدهما شيء» ودعوى الانصراف إلى النافلة كما ترى .

(2) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2 .

(3) الوسائل 4 : 81 / أبواب أعداد الفرائض ب 21 ح 1 .

(4) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 133 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net