مقتضى الأصل العملي في المقام - تحقيق في جريان البراءة في المستحبات 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1822


   فيقع الكلام حينئذ فيما يقتضيه الأصل العملي في المقام فنقول:

   ذكر صاحب الحدائق أن مقتضى الأصل حينئذ هو الاشتغال ، لأنّ العبادة توقيفية ، فتحتاج كيفية المشروعية كأصلها إلى الإذن ، والمتيقن منه هما الركعتان ، ولم يثبت إذن بالأقل أو الأكثر إلا في مورد معيّن ، فلا يسوغ التعدي بعد عدم شمول الإذن لغيره ، بل مقتضى القاعدة الاحتياط ، للشك في مشروعية غير الكيفية المعهودة ما لم يتحقق الإذن(1) .

   واعترض عليه المحقق الهمداني (قدس سره) بأن المقام مجرى للبراءة دون الاشتغال ، إذ الشك في اعتبار التسليم في الركعة الثانية أو قدحه في الركعة الاُولى راجع إلى الشك في الشرطية أو المانعية في الأقل والأكثر الارتباطي ، ومثله مورد للبراءة كما حقّق في الاُصول .

   نعم ، هذا فيما إذا شك في الكيفية بعد الفراغ عن أصل المشروعية كما في الرواتب اليومية .

   وأما إذا شك في مشروعية نافلة من رأسها كصلاة أربع ركعات بتسليمة واحدة في يوم الغدير الواردة في خبر ضعيف ونحو ذلك ، بحيث كان الشك في أصل الاستحباب النفسي لا في الجزئية أو الشرطية أو المانعية للمركب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 6 : 76 .

ــ[63]ــ

الارتباطي ، كان المرجع حينئذ هو الاشتغال ، لتوقيفية العبادة وعدم ثبوت الترخيص كما ذكر(1) .

   واُورد عليه بعدم جريان البراءة في باب المستحبات ، أما العقلية فواضح لعدم احتمال العقاب ، وأما الشرعية فلاختصاص حديث الرفع بمورد الامتنان ولا منّة في رفع المستحب ، إذ لا كلفة في وضعه كي ترفع . مضافاً إلى أنها لا تثبت مشروعية الركعة أو الزائد على الركعتين إلا بالملازمة العقلية .

   ومنه يظهر عدم جريان الاستصحاب أيضاً ، أعني أصالة عدم شرطية التسليم في الثانية ، أو عدم مانعيته في الركعة الاُولى ، لكونه من الأصل المثبت كما عرفت .

   أقول : أما الاستصحاب فلا مجرى له في المقام ، لا من جهة الاثبات ، بل للابتلاء بالمعارض ، إذ أصالة عدم اعتبار تقيد الركعة الاُولى بكونها موصولة بالثانية المنتج لجواز إتيانها ركعة ركعة ، معارض بأصالة عدم تشريع الركعة على سبيل الاطلاق من حيث الوصل والفصل ، فان الاطلاق والتقييد متقابلان بتقابل التضاد في عالم الثبوت ، ولا ثالث لهما لاستحالة الاهمال في الواقعيات ، فلابد للشارع الحكيم من ملاحظة أحد العنوانين في مقام الجعل والتشريع ، فاستصحاب عدم رعاية أحدهما معارض باستصحاب عدم الآخر .

   وبعبارة اُخرى : الاطلاق والتقييد وصفان وجوديان وكلاهما حادثان مسبوقان بالعدم ، فقبل صدور التشريع لا وجود لشيء منهما ، وبعده يشك في حدوث كل منهما بعد العلم بثبوت أحدهما إجمالاً كما عرفت . وعليه فاستصحاب عدم التقييد معارض باستصحاب عدم الاطلاق لا محالة .

   وهذه المعارضة غير المعارضة الثابتة في كافة الاستصحابات الحكمية التي من أجلها نمنع عن حجية الاستصحاب فيها ، إذ تلك معارضة بين مقامي الجعل والمجعول ، وهذه معارضة في مقام الجعل نفسه كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 13 السطر 30 .

ــ[64]ــ

   وأما البراءة ، فقد ذكرنا في بحث الاُصول(1) أنّ في جريانها في باب المستحبات تفصيلاً ، وملخّصه : الفرق بين المستحبات النفسية وبين خصوصياتها من الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، فتجري البراءة في الثاني دون الأول ، فان الشك إن كان في استحباب عمل في حدّ نفسه كصلاة يوم الغدير مثلاً لا معنى لرفعه بحديث الرفع ، إذ المرفوع بهذا الحديث ليس هو الحكم الواقعي ، ضرورة اشتراكه بين العالمين والجاهلين ، بل الرفع ظاهري ليس إلاّ ، ومرجعه في الحقيقة إلى رفع إيجاب الاحتياط ، بمعنى أن الشارع إرفاقاً على الاُمة ومنّة عليهم لم يوجب التحفظ على الواقع في مرحلة الظاهر ، فَجَعَلهم في سعة مما لا يعلمون ، هذا في الواجبات ، وعلى ضوء ذلك يكون المرفوع في المستحبات بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو استحباب الاحتياط دون وجوبه ، إذ المفروض أن أصل الحكم استحبابي ، فكيف يكون الاحتياط فيه وجوبياً ، ولا شك في ثبوت الاستحباب وعدم ارتفاعه ، وأن الاحتياط حسن عقلاً وشرعاً على كل حال ، فلا يمكن شمول حديث الرفع للمستحبات المستلزم لرفع حسن الاحتياط ونفى استحبابه .

   وأما إذا كان الشك في جزئية شيء للمستحب أو شرطيته أو مانعيته بعد الفراغ عن أصل الاستحباب ، فلا مانع حينئذ من الرجوع إلى أصالة البراءة لنفي المشكوك فيه ، إذ لا ريب أن القيود المعتبرة في المركب من الجزئية أو الشرطية أو المانعية واجبة بالوجوب الشرطي ، ولا بد من مراعاتها وإن كان أصل العمل مستحباً ، ولا منافاة بين الأمرين كما لا يخفى ، فصلاة الليل مثلاً وإن كانت مستحبة في نفسها ويجوز تركها من رأسها لكنه على تقدير الاتيان بها يجب إيقاعها مع الطهارة وإلى القبلة ومع الركوع والسجود وغير ذلك من سائر ما يعتبر في الصلاة ، ولا يجوز إتيانها على خلاف ذلك فانه تشريع محرّم ، ولازم ذلك وجوب الاحتياط في كل ما يحتمل دخله في المركب وعدم جواز الاتيان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 270 .

ــ[65]ــ

بالفاقد للشرط بداعي الأمر ، وعليه فيرتفع هذا الوجوب بحديث الرفع كما يرتفع في الواجبات ، ولا فرق بينها وبين المستحبات من هذه الجهة أصلاً .

   ومما ذكرنا يظهر أن إجراء البراءة لنفي ما يحتمل دخله في المستحب موافق للامتنان ، لتضمنه التوسعة والتسهيل لو أراد الاتيان به ، فان الانسان ربما لا يقدم على إتيان المستحب لو كان مشروطاً بشرط ، كالغسل بالنسبة للزيارة مثلاً لتكلفه عليه ولزوم المشقة ، ويقدم لو لم يكن مشروطاً به ، وعليه فرفع التقييد في ظرف الشك منّة على العباد ، لتضمّنه التسهيل بالاضافة إلى من يرغب في الامتثال ، وإن كان الحكم في نفسه مبنياً على السعة لجواز ترك المستحب من أصله ، ولا منافاة بين الأمرين كما لعله ظاهر جداً .

   فتحصل : أن الرجوع إلى أصالة البراءة في المستحبات لنفي التقييد لا مانع منه ، ولا يعارض به البراءة عن الاطلاق لعدم جريانها فيه ، إذ جعل الحكم على سبيل الاطلاق بنفسه توسعة وإرفاق وتسهيل وامتنان ، فرفعه بحديث الرفع على خلاف الامتنان ، فاشكال التعارض الذي أوردناه آنفاً على الرجوع إلى الاستصحاب غير جار في المقام ، لوضوح الفرق بين البراءة والاستصحاب في ابتناء الأول على الامتنان دون الثاني .

   نعم ، يبقى الاشكال المتقدم من أن البراءة عن تقيد الركعة بكونها موصولة بالاُخرى مثلاً لا يثبت الاطلاق وتعلق الأمر بالركعة المفصولة كي ينتج مشروعية الاتيان بها وحدها إلا من باب الأصل المثبت .

   والجواب : أنّ أصل مشروعية الركعة الواحدة في حدّ ذاتها مقطوعة بالوجدان ، للعلم الاجمالي بتعلق الأمر بها إما مطلقاً أو بشرط الاتصال ، فاذا نفينا الشرط بالبراءة عن التقييد ، ينتج أن الركعة الواحدة مشروعة من غير تقييد بشيء بعد ضم الوجدان إلى الأصل وهو معنى الاطلاق ، إذ لا نعني به في المقام أكثر من ذلك ، فالمستند في إثبات مشروعية الركعة الواحدة مطلقة ليس هو البراءة عن التقييد كي تكون مثبتاً بالنسبة إليه ، بل هو القطع الوجداني بضميمة الأصل المنقّحين لجزأي الموضوع كما عرفت .

ــ[66]ــ

إلا الوتر فإنها ركعة (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولولا ما ذكرناه لانسدّ باب الرجوع إلى البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين بمصراعيه حتى في باب الواجبات ، لعدم الفرق بينها وبين المستحبات من هذه الجهة ، فلو شك في وجوب السورة مثلاً واُجري البراءة عنها كيف تثبت بعد ذلك مشروعية الباقي وتعلق الأمر به ، فما هو الجواب هناك هو الجواب في المقام ، وليس هو إلا ما عرفت الذي يجاب به في المقامين بملاك واحد . فهذا الاشكال أيضاً لا يرجع إلى محصل .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net