شهرة استحباب القنوت في النوافل والخلاف في الشفع 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2988


ــ[68]ــ

   ويستحب في جميعها القنوت (1) حتى الشفع على الأقوى في الركعة الثانية ، وكذا يستحب في مفردة الوتر .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) وهو المعروف المشهور بين الأصحاب ، وخالفهم شيخنا البهائي(1) وصاحب المدارك(2) والذخيرة(3) فمنعوا عن استحبابه في الشفع استناداً إلى صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : القنوت في المغرب في الركعة الثانية ، وفي العشاء والغداة مثل ذلك ، وفي الوتر في الركعة الثالثة»(4) .

   حيث إنها ظاهرة في حصر التشريع في مواضع لم يكن الشفع منها ، وبها تقيّد المطلقات الدالة على استحباب القنوت في الركعة الثانية من كل صلاة .

   والصحيح ما عليه المشهور ، فان النصوص الواردة في القنوت مختلفة ، ففي بعضها أنه في العشاءين والفجر والوتر كالصحيحة المزبورة ، وفي بعضها زيادة الجمعة(5) ، وفي بعضها أنه في الصلوات الجهرية(6) ، وفي بعضها غير ذلك ، إلا أن موثقة أبي بصير صريحة في ثبوت الاستحباب في تمام الفرائض الخمس ، قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن القنوت ، فقال : فيما يجهر فيه بالقراءة ، قال فقلت له : إني سألت أباك عن ذلك ، فقال : في الخمس كلها ، فقال رحم الله أبي إن أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق ، ثم أتوني شكاكاً فأفتيتهم بالتقية»(7) وهي خير شاهد على أن التخصيص ببعض الصلوات في سائر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه عنه في الحدائق 6 : 39 ، وراجع مفتاح الفلاح : 681 .

(2) المدارك 3 : 18 ، 19 .

(3) الذخيرة : 184 السطر 36 .

(4) الوسائل 6 : 267 / أبواب القنوت ب 3 ح 2 .

(5) ، (6) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 2 ، 1 .

(7) الوسائل 6 : 263 / أبواب القنوت ب 1 ح 10 .

ــ[69]ــ

الروايات التي منها صحيحة ابن سنان المزبورة محمول على التقية ، حيث إن العامة لا يرون مشروعيته إلا في بعضها .

   أضف إلى ذلك : ورود روايات نطقت بثبوت القنوت في كافة الصلوات:

   ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه «قال : القنوت في كل الصلوات»(1) .

   وفي صحيح ابن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن القنوت ، فقال : في كل صلاة فريضة ونافلة»(2) .

   وفيما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه «قال : القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة»(3) .

   وما رواه في الخصال باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) في حديث شرايع الدين ، «قال : والقنوت في جميع الصلوات سنّة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة»(4) ونحوها غيرها .

   ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدم إما الحمل على اختلاف مراتب الفضل أو على التقية حسبما عرفت .

   ثم إن استفادة الحصر المزبور من صحيحة ابن سنان موقوفة على أن يكون قوله (عليه السلام) «في المغرب» وكذا ما بعده قيداً للقنوت الذي هو المبتدأ ليكون الخبر قوله (عليه السلام) «في الركعة الثانية» حتى يقال إن مقتضى حصر المبتدأ في الخبر المستفاد من تعريفه باللام هو اختصاص القنوت في الوتر بالركعة الثالثة .

   ولكنه غير واضح ، كيف ولو اُريد ذلك ، بأن كان (عليه السلام) بصدد بيان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 1 ، 8 .

(3) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 2 ، الفقيه 1 : 207 / 934 .

(4) الوسائل 6 : 262 / أبواب القنوت ب 1 ح 6 ، الخصال : 604 / 9 .

ــ[70]ــ

حصر موضع القنوت من الركعات لأمكن بيانه بتعبير أنسب وألخص ، كأن يقول : القنوت في الصلوات في الركعة الثانية ، وفي الوتر في الثالثة ، بل الظاهر أنه (عليه السلام) بصدد بيان موضع استحبابه من الصلوات وأنه منحصر في الجهرية ـ الذي عرفت أنه مبني على التقية ـ مع بيان موضع القنوت(1) فيها ، فقوله (عليه السلام) «في المغرب» خبر للمبتدأ ، لا أنه قيد فيه ليدل على نفيه عن ثانية الشفع فلاحظ . إذن فالعمومات أو الاطلاقات الدالة على استحبابه في كل ركعتين سليمة عما يصلح للتقييد .

   ثم إن صاحب الحدائق استدل على عدم مشروعية القنوت في الشفع بما ورد في غير واحد من الأخبار من الأدعية المأثورة في قنوت الوتر ، بتقريب أنّ منصرف هذا اللفظ في لسان الروايات إنما هو الركعات الثلاث ، إذ لم يطلق فيها على الركعة الواحدة المفصولة إلا في رواية ضعيفة وهي رواية رجاء بن أبي الضحاك غير الناهضة للمعارضة مع تلك الأخبار المتكاثرة ، فلو كان فيهما قنوتان أحدهما للشفع وثانيهما للركعة الثالثة للزم تقييد تلك الأدعية بالقنوت الثاني ، ولم يحسن معه هذا الاطلاق ، وهذا خير شاهد على أن الركعات الثلاث لا تتضمن إلا قنوتاً واحداً(2) .

   ولكنك خبير بأن هذه الدعوى من متضلع مثله في الحديث والأخبار من غرائب الكلام ، ضرورة أن إطلاق الوتر على خصوص الركعة المفصولة في لسان الروايات كثير ولا ينحصر في تلك الرواية الضعيفة ، وإليك بعضها:

   فمنها : ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) وفيها : « . . .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غير خفي أن الموضع المبين قيد للمحصور فيه ، فيدخل طبعاً في حيز الحصر وينتج انحصار    القنوت في ثالثة الوتر ، على أنه (عليه السلام) لو كان بصدد بيان الانحصار في الجهرية لاكتفى    بقوله : «القنوت في الصلوات الجهرية والوتر» ، الذي هو أنسب وألخص .

(2) الحدائق 6 : 42 .

ــ[71]ــ

والشفع والوتر ثلاث ركعات تسلّم بعد الركعتين . . .»الخ(1) .

   ومنها : ما رواه الصدوق في الخصال باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) وفيها : « . . . والشفع ركعتان والوتر ركعة . . .»الخ(2) .

   ومنها : رواية الفقه الرضوي وفيها : « . . . وتقرأ في ركعتي الشفع . . . وفي الوتر قل هو الله أحد»(3) .

   ومنها : ما رواه في تفسير القمي عند قوله تعالى : (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . .) الخ ، الشفع ركعتان والوتر ركعة(4) .

   أضف إلى ذلك : الروايات الواردة في الوتيرة الناطقة بأنها بدل الوتر التي منها صحيحة الفضيل بن يسار وفيها « . . . والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر»(5) ، فانّ البدلية المزبورة إنما تتجه لو اُريد من الوتر الركعة الواحدة ، إذ لو اُريد الثلاث لكانت الركعتان عن جلوس بدلاً عن ثلاث ركعات عن قيام وهو كما ترى .

   وأما في كلمات الفقهاء فهو منصرف إلى خصوص الركعة المفصولة ولا ريب أنه مقتبس من لسان الأخبار ، لوضوح أنه ليس لهم في ذلك اصطلاح جديد ، بل لا يبعد القول بأن إطلاقه في لسان الروايات على مجموع الركعات الثلاث إنما هو لأجل المماشاة مع العامة ، حيث إنهم لا يعتبرون الانفصال أو يرون الاتصال ، فيسمون الثلاث الموصولة باسم الوتر ، وإلا فالمراد به حيثما اُطلق هو الركعة الثالثة المفصولة ، وعليها نزّل إطلاق الأدعية المأثورة في قنوت الوتر ، فلا إطلاق فيها ليحتاج إلى التقييد كما اُفيد ، بل هو منصرف إليها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 54 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 23 .

(2) الوسائل 4 : 57 / ابواب اعداد الفرائض ب 13 ح 25 ،الخصال : 603 / 9 .

(3) فقه الرضا : 138 .

(4) تفسير القمي 2 : 419 .

(5) الوسائل 4 : 45 / أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 2 .

ــ[72]ــ

   ثم إنه حكي عن المحقق في المعتبر(1) وجملة من الأصحاب الذهاب إلى استحباب قنوت ثان في مفردة الوتر بعد الركوع ، استناداً إلى ما رواه الكليني عن علي بن محمد عن سهل عن أحمد بن عبد العزيز قال : «حدثني بعض أصحابنا قال : كان ابو الحسن الأول (عليه السلام) إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال : هذا مقام مَن حسناته نعمة منك وشكره ضعيف وذنبه عظيم . . .»الخ(2) .

   وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند بالارسال وبسهل وبابن عبد العزيز فانه مجهول .

   وأما علي بن محمد الذي هو من مشايخ الكليني ، فهو وإن كان مردداً بين ابن عبدالله القمي الذي لم يوثق وبين ابن بندار الموثق ، لاتحاده مع علي بن محمد بن أبي القاسم الثقة ، إلا أنه متى اُطلق يراد به الثاني كما صرح (قدس سره) بذلك كله في المعجم(3) . فلا نقاش من هذه الجهة .

   وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، بداهة أن الدعاء أعم من القنوت المصطلح بين المتشرعة الذي يختص به الشيعة(4) .

   وثالثاً : أنها معارضة(5) بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : ما أعرف قنوتاً إلا قبل الركوع»(6) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعتبر 2 : 241 .

(2) الكافي 3 : 325 / 16 .

(3) معجم رجال الحديث 13 : 135 / 8398 .

(4) على أن الظاهر من آخر الركعة هو ما بعد رفع الرأس من السجدة الثانية دون الركوع فانه    أثناؤها لا آخرها ، وتفسيرها به لا ينسجم مع كلمة «آخر» كما لا يخفى فتكون أجنبية عما نحن    فيه بالمرّة .

(5) ولكن النسبة بينهما عموم مطلق كما لا يخفى .

(6) الوسائل 6 : 268 / أبواب القنوت ب 3 ح 6 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net