الجمع بين روايات مبدأ وقت الظهرين 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2116


   فنقول : أما الجمع بين هذه الأخبار بأسرها وبين الطائفة الاُولى فبحمل تلك الطائفة على وقت الفريضة في حدّ ذاتها وبحسب الجعل الأوّلي ، وحمل هذه الروايات على الوقت المجعول لها ثانيا وبالعرض رعاية للنوافل التي تترتب الفريضة عليها ، فكأن الشارع بحسب الجعل الثانوي اقتطع قطعة من وقت

ــ[84]ــ

الفريضة وخصّها بالنافلة كى لا يكون هناك تطوّع في وقت الفريضة مراعاة لمن رغب في الاتيان بها مع صلاحية الوقت في حدّ ذاته لايقاع الفريضة بحيث لو لم يرد التنفل أو لم يكن مشروعاً في حقّه كالمسافر وكما في يوم الجمعة فصلى أوّل الزوال فقد أتى بها في وقتها ، فالتحديد بالقدم أو القدمين أو الذراع والذراعين أو القامة ونحوها كل ذلك لا موضوعية لها بالاضافة إلى وقت الفريضة في حدّ نفسها بحيث لو لم يرد التنفل أو فرغ منه قبل بلوغ الفيء إلى القدم مثلاً لزمه الانتظار لأن يبلغه . كيف وقد ورد الحثّ على المسارعة إلى الصلوات والتعجيل إلى الخير والاستباق إليه في الكتاب والسنة ، وإنما هي تحديدات تقريبية رعاية للنوافل اليومية التي هي في شدّة الاهتمام والمحافظة عليها بمثابة لا تقل عن الفرائض ، ولذلك لوحظ أوقاتها في بيان أوقات الفرائض في هذه الأخبار .

   والذي يكشف عمّا ذكرناه : روايات كثيرة قد نطقت بأنّ التحديد المزبور إنما هو لمكان النافلة ، وأن العبرة بالفراغ منها قصرت أم طالت ولا خصوصية للقدم ولا لغيره ، التي منها رواية عمر بن حنظلة قال : «كنت أقيس الشمس عند أبي عبدالله (عليه السلام) فقال : ياعمر ألا اُنبئك بأبين من هذا ؟ قال قلت : بلى جعلت فداك ، قال : إذا زالت الشمس فقد وقع وقت الظهر إلا أنّ بين يديها سبحة، وذلك إليك ، فان أنت خففت فحين تفرغ من سبحتك ، وإن طوّلت فحين تفرغ من سبحتك»(1).

   وأصرح رواية منها تدل على ذلك هي : موثقة محمد بن أحمد بن يحي الأشعري قال : «كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن (عليه السلام) روي عن آبائك القدم والقدمين والأربع والقامة والقامتين ، وظلّ مثلك والذراع والذراعين ، فكتب (عليه السلام) : لا القدم ولا القدمين ، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين ، وبين يديها سبحة وهي ثماني ركعات ، فان شئت طوّلت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 133 / أبواب المواقيت ب 5 ح 9 .

ــ[85]ــ

وإن شئت قصّرت ثم صل الظهر فاذا فرغت كان بين الظهر والعصر سبحة وهي ثماني ركعات إن شئت طوّلت وإن شئت قصّرت ثم صل العصر»(1) .

   وتؤيده : موثقة ذريح المحاربي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سأل أبا عبدالله (عليه السلام) اُناس وأنا حاضر ـ إلى أن قال ـ فقال بعض القوم : إنا نصلي الاُولى إذا كانت على قدمين والعصر على أربعة أقدام ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) النصف من ذلك أحبّ إليّ»(2) دلت على أولوية التقصير في النافلة والتخفيف فيها كي يفرغ منها على النصف وهو القدم حتى لا تتأخر الفريضة عن وقتها بأكثر مما يجزي من التنفل .

   ويؤيده أيضاً : التصريح في روايتي إسماعيل بن عبد الخالق وسعيد الأعرج المتقدّمتين بأن الوقت هو الزوال في يوم الجمعة وعند السفر ، حيث يظهر منهما أن المانع من المبادرة لدى الزوال إنما هي النافلة الساقطة في هذين الموردين ، ولذا يكون الوقت فيهما هو الزوال الذي هو وقت الفريضة بحسب طبعها لارتفاع المانع حينئذ .

   وتؤيده أيضاً : موثقة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة ، وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة . وإنما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليتّسع الوقت على اُمته»(3) حيث يظهر من فعله (صلى الله عليه وآله) أن الزوال وقت يصلح فيه الظهران في حدّ ذاته اتساعاً على الاُمة وامتناناً عليهم ، وأن التأخير في هاتيك الأخبار إنما هو لجهة عارضية وهي رعاية النوافل كما عرفت .

   وأما ملاحظة الجمع بين نفس هذه الأخبار فقد عرفت أن الذراع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 134 / أبواب المواقيت ب 5 ح 13 .

(2) الوسائل 4 : 146 / أبواب المواقيت ب 8 ح 22 .

(3) الوسائل 4 : 138 / أبواب المواقيت ب 7 ح 6 .

ــ[86]ــ

والذراعين يرجع إلى التحديد بالقدمين والأربع ، ووجه الجمع بين هذه الأخبار وبين التحديد بالقدم هو الحمل على اختلاف مراتب الفضل ، فالأفضل المسارعة إلى التنفل عند الزوال كي يفرغ منه والفيء على القدم حتى يشرع في الفريضة في هذه الساعة ، وبعد الفراغ منها يشرع في نافلة العصر ثم يأتي بفريضة العصر والفيء على القدمين .

   ودون ذلك في الفضل تأخير نافلة الظهر إلى أن يفرغ منها والفيء على القدمين ثم يشرع في الظهر ، وقدمان بعد ذلك لنافلة العصر كي يشرع في فريضته والفيء على أربعة أقدام من مبدأ الزوال . فكأنه (عليه السلام) أراد التوسعة في بيان وقت الفضيلة مع اختلاف مراتب الفضل على النحو الذي عرفت .

   ويشهد لذلك قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة : «فاذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة ، وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة»(1) حيث يظهر منها أن بلوغ الذراع ـ أي القدمين ـ هو آخر وقت فضيلة الظهر ، إذ لا يشرع التنفل بعد ذلك ، بل لا بد من البدأة بالفريضة وقضاء النافلة ، وكذا الذراعان بالاضافة إلى العصر كما هو ظاهر .

   وأما التحديد بالقامة والقامتين وصيرورة ظل الانسان مثله أو مثليه ، فالأخبار الواردة فيه بعضها أجنبية عن محل البحث ، لكون النظر فيها إلى التحديد من ناحية المنتهى التي سيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى ، فانّ البحث فعلاً متمحض من ناحية المبدأ ، كرواية أحمد بن عمر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن وقت الظهر والعصر ، فقال : وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة ، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين»(2) ونحوها غيرها .

   والبعض الآخر ناظر إلى المبدأ وهي موثقة زرارة قال : «سألت أباعبدالله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) السائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3 ، 9 .

ــ[87]ــ

(عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني ، فلما أن كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال : إن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم اُخبره فخرجت ـ فحرجت كما هو الصحيح على ما نبّه عليه المعلّق ـ من ذلك فاقرأه منّي السلام وقل له : إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر ، وإذا كان ظلك مثيلك فصل العصر»(1) .

   ووجه الجمع بينها وبين روايات القدم والقدمين الالتزام بالتخصيص ، حيث إن السؤال عن وقت الظهر في القيظ ، ومن الجائز أن يكون الأفضل في شدّة الحرّ التأخير إلى حدّ القامة كي تنكسر سودة الحرّ ويعتدل الهواء ، حتى يصلي فارغ البال ومع حضور القلب واطمئنان النفس ، ولا يستعجل في صلاته فراراً عن شدّة الحرّ ، كما يؤيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه «قال : إذا اشتدّ الحرّ فابردوا بالصلاة ، فان الحرّ من فيح جهنم»(2) فيكون التأخير في خصوص القيظ هو الأرجح لمصلحة التبريد ، وأما في غيره فالأفضل القدم أو القدمان .

   نعم ، ينافي ذلك رواية محمد بن حكيم المصرّحة بعدم الفرق في هذا الحدّ بين الشتاء والصيف ، قال : «سمعت العبد الصالح (عليه السلام) وهو يقول : إنّ أوّل وقت الظهر زوال الشمس وآخر وقتها قامة من الزوال ، وأول وقت العصر قامة ، وآخر وقتها قامتان ، قلت : في الشتاء والصيف سواء ؟ قال : نعم»(3) حيث جعل فيها مبدأ العصر قامة مصرّحاً بتساوي الفصلين في ذلك .

   وعليه فلابد إما من طرحها وردّ علمها إلى أهله ، لضعف سندها بمحمد بن حكيم فانه لم يوثق ، مضافاً إلى عدم مقاومتها ـ حتى لو صحّ السند ـ مع تلكم الروايات الكثيرة المتقدّمة المستفيضة ، بل المتواترة التى دلّت بأجمعها على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 13 .

(2) الوسائل 4 : 142 / أبواب المواقيت ب 8 ح 6 .

(3) الوسائل 4 : 148 / أبواب المواقيت ب 8 ح 29 .

ــ[88]ــ

دخول الوقت قبل القامة ، إما بمجرد الزوال أو عند القدم أو القدمين ، فهذه تنافي تلك الأخبار بأسرها فتطرح .

   أو حمل القامة فيها على الذراع كما صنعه صاحب الحدائق مستشهداً برواية علي بن حنظلة قال : «قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : القامة والقامتان الذراع والذراعان في كتاب علي (عليه السلام)»(1) وإن كان هذا الحمل بعيداً جداً ولا شهادة فيما ذكره ، فانّ كون القامة في كتاب علي (عليه السلام) بمعنى الذراع لا يقتضي كونها بمعناه في هذه الرواية التي هي عن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) .

   وكيف كان ، فالأمر هيّن بعد ما عرفت من ضعف سند الخبر .

   ثم إن المراد بالقدم والذراع الموضوعين للحكم في تلكم الأخبار ملاحظتهما بالقياس إلى الشاخص الذي يكون ارتفاعه بمقدار القامة دون الأكثر من ذلك أو الأقل ، وإلا لم ينضبط الحدّ لاختلاف ارتفاع الأجسام من حيث القصر والطول وكلما ازداد الجسم طولاً ازداد الظل بعداً لا محالة . وقد صرّح بذلك في موثقة إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان فيء الجدار ذراعاً صلى الظهر ، وإذا كان ذراعين صلى العصر قال قلت : إن الجدار يختلف ، بعضها قصير وبعضها طويل ، فقال : كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قامة»(2) .

   وعليه فاذا كان الجدار أطول من القامة أو أقصر لا بد في ملاحظة فيئه من رعاية النسبة بين القدم والقامة التى هي السبع ، كما أن نسبة الذراع إليها السبعان .

   وعلى هذا فالمدار في كل شاخص على بلوغ فيئه بمقدار السبع أو السبعين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 144 / أبواب المواقيت ب 8 ح 14 .

(2) الوسائل 4 : 143 / أبواب المواقيت ب 8 ح 10 .

ــ[89]ــ

من ذلك الشاخص المنطبق على القدم والذراع من القامة فينضبط الحد دائماً كما هو ظاهر .

   ثم ليعلم أن مبدأ احتساب القدم أو الذراع أو القامة ونحوها هو زمان أخذ الفيء في الازدياد بعد بلوغ الظل منتهى قصره ، سواء انعدم لدى الزوال أم لا ، إذ لا يعتبر انعدامه بالكلية لعدم اطراده في جميع البلدان والأزمان ، ضرورة اختلافها من حيث القرب إلى خط الاستواء وبعدها كاختلافها من حيث الفصول ، فما يكون قريبا من خط الاستواء كمكة وصنعاء ونحوهما ينعدم الظل من أصله في بعض أيام السنة التي تكون الشمس فيها مسامتة للشاخص عند بلوغها دائرة نصف النهار ، دون سائر الأيام من تلك البلدان ، ودون سائر البلدان البعيدة عن خط الاستواء بأكثر من 5. 23 درجة ، فان الظل موجود فيها دائماً ولا يكاد ينعدم ، وربما يكون لدى الزوال بمقدار الشاخص أو أكثر ، فالعبرة حينئذ بزمان أخذ الظل في الرجوع بعد منتهى قصره المعبّر عنه بالفيء ، من فاء إذا رجع .

   فان الشمس بعد شروقها تحدث ظلاً للشاخص في ناحية المغرب ، وكلما ارتفعت يقل الظلّ إلى أن ينعدم في منتصف النهار في البلاد المقارنة لخط الاستواء في يومين من أيام سنتها ، وبعد ميلها عن المشرق إلى المغرب تحدث ظلاً آخر في ناحية الشرق ، وأما البلدان البعيدة عنه فلا ينعدم الظل ، بل بعد بلوغه منتهى القصر يأخذ الفيء في الازدياد في ناحية الجنوب بالنسبة إلى البلدان الواقعة شمال خط الاستواء ، وفي ناحية الشمال بالنسبة إلى الواقعة جنوبه ، فهذا الأخذ في الازدياد هو مبدأ احتساب القدم والذراع ونحوهما حسبما عرفت .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net