ما يُعرف به طلوع الفجر 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2805


ــ[196]ــ

   ويعرف طلوع الفجر باعتراض البياض الحادث في الاُفق المتصاعد في السماء الذي يشابه ذنب السرحان ويسمّى بالفجر الكاذب وانتشاره على الاُفق وصيرورته كالقبطية البيضاء وكنهر سوراء بحيث كلّما زدته نظراً أصدقك بزيادة حسنه . وبعبارة اُخرى انتشار البياض على الاُفق بعد كونه متصاعداً في السماء (1) .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   نعم ، ورد في الأخيرة بعد ذلك قوله : «ووسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر» حيث دل على أن صلاة الغداة من النهار ، فيكون مبدؤه طلوع الفجر . مع أن مقتضى ما عرفت أن مبدأه طلوع الشمس ، فيتراءى من ذلك نوع تهافت بين الصدر والذيل .

   ويمكن دفعه بابتناء الاطلاق المزبور على ضرب من التوسع والتجوز(1) بعلاقة المجاورة والمشارفة ، نظراً إلى امتداد الوقت إلى طلوع الشمس وجواز الاتيان بها قبيل ذلك ، بل لعله هو الغالب لعامة الناس ، فمن ثم صح إطلاق صلاة النهار عليها وإن لم تكن منها حقيقة .

   ويؤيد المطلوب ما اصطلح عليه أهل الهيئة والنجوم من تقسيم الدائرة الوهمية المحيطة بالكرة الأرضية إلى قوسي الليل والنهار ، يعنون بالأول ما بين غروب الشمس إلى طلوعها ، وبالثاني ما بين طلوعها إلى غروبها ، ومن ثم يطلقون اليوم ويريدون به ما بين طلوع الشمس إلى الغروب . إذن فلا مناص من الالتزام بأنّ المراد من منتصف الليل هو ما بين غروب الشمس وطلوعها حسبما عرفت .

   (1) بلا خلاف فيه بين الامامية ، بل عليه أكثر العامة ، بل هو مختار المذاهب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا ليس بأولى من ابتناء التعبير بوسط النهار أو نصفه على التوسع والتجوز ، بل إن    الأخير هو المتعيّن ، لكثرة المسامحة في استعمالات لفظ الوسط والاكتفاء بالوسطية التقريبية    وكذلك النصف العرفي ، وهذا بخلاف لفظ النهار ، إذ كيف يصح إطلاق النهار على جزء من    الليل باعتبار قربه من النهار وإلا كانت صلاة المغرب أيضاً في النهار وهو كما ترى .

ــ[197]ــ

الأربعة على ما في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة(1) ، والمخالف شاذ لا يعبأ به . فالمسألة كأنها مورد لاتفاق الفريقين ، وأن طلوع الفجر الصادق الذي هو مبدأ لوجوب الصلاة والصيام هو البياض المعترض في الاُفق الحادث بعد الفجر الكاذب ، وهو البياض المستطيل المتصاعد في السماء الذي شبّه في الأخبار بذنب السرحان(2) والسرطان(3) وبعد زوال هذا البياض ببضع دقائق يحدث البياض المعترض في الاُفق الذي شبّه في الروايات بالقبطية البيضاء ، أو ببياض نهر سوراء أو نباضه بتقديم النون ثم الباء الموحدة كما في الوافي وحبل المتين(4) ، من نبض الماء إذا سال ، وإنما سمي الأول بالكاذب لتعقبه بالظلمة فلم يكن كاشفاً عن الصبح . فالعبرة بالبياض المعترض الحادث بعد ذلك الذي ينبسط في عرض الاُفق ، ويستدل لذلك بجملة من الأخبار .

   منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي ركعتي الصبح ـ وهي الفجر ـ إذا اعترض الفجر وأضاء حسناً»(5) .

   وفيه : أن الفعل المحكي عن المعصوم وإن كان مبنياً على الاستمرار كما قد يستفاد من كلمة «كان» مجمل لا لسان له ليدل على التحديد ، ولعل المواظبة مستندة إلى الأفضلية وإن ساغ التقديم ، فالدلالة قاصرة وإن صح السند .

   ومنها : مرسلة الصدوق قال : «وروي أن وقت الغداة إذا اعترض الفجر فأضاء حسناً ، وأما الفجر الذي يشبه ذنب السرحان فذلك الفجر الكاذب ، والفجر الصادق هو المعترض كالقباطي»(6) . والقباطي واحِدها قبطي ثياب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقه على المذاهب الأربعة 1  : 185 .

(2) بكسر السين وسكون الراء وهو الذئب [تهذيب اللغة 4  : 301] .

(3) حيوان عشاري ذو ذنب طويل [مجمع البحرين 4 : 252] .

(4) الوافي 7  : 302  ، الحبل المتين : 144 .

(5) الوسائل 4  : 211 / أبواب المواقيت ب 27 ح 5 .

(6) الوسائل 4  : 210 / أبواب المواقيت ب 27 ح 3 ، الفقيه 1  : 317 / 1441 .

ــ[198]ــ

بيض رقيقة تجلب من مصر ، وهي وإن كانت واضحة الدلالة لكنها لمكان الارسال غير صالحة للاستدلال .

   ومنها : ما رواه الكليني باسناده عن علي بن مهزيار قال : «كتب أبو الحسن بن الحصين إلى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) معي : جعلت فداك قد اختلف موالوك (مواليك) في صلاة الفجر ، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء ، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الاُفق واستبان ولست أعرف أفضل الوقتين فاُصلي فيه ، فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين وتحدّه لي وكيف أصنع مع القمر والفجر لا يتبين (تبين) معه حتى يحمر ويصبح ، وكيف أصنع مع الغيم ، وما حدّ ذلك في السفر والحضر ، فعلت إن شاء الله ، فكتب (عليه السلام) بخطه وقرأته :
الفجر يرحمك الله هو الخيط الأبيض المعترض ، وليس هو الأبيض صعداً فلا تصلّ في سفر ولا حضر حتى تتبينه . . .»الخ(1) . ورواها الشيخ أيضاً باسناده عن الحصين (ابن أبي الحصين) قال : كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) وذكر مثله(2) .

   وفيه : أنها ضعيفة السند بطريقيها ، أما الأول فبسهل بن زياد .وأما الثاني فبالحصين(3) لعدم توثيقهما فلا يعوّل عليها .

   ومنها : رواية هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال : «سألته عن وقت صلاة الفجر ، فقال : حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوراء»(4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4  : 210 / أبواب المواقيت ب 27 ح 4 . الكافي 3  : 282 / 1 .

(2) التهذيب 2  : 36 / 115 .

(3) بل قد وثقه الشيخ [رجال الطوسي : 379 / 5623] ولعله محرّف ابو الحصين بن    الحصين ، لاحظ المعجم 22  : 139 / 14203 فالرواية إذن معتبرة .

(4) الوسائل 4  : 212 / أبواب المواقيت ب 27 ح 6 .

ــ[199]ــ

   وفيه : أنها أيضاً ضعيفة السند بهشام بن الهذيل .

   فالنصوص المذكورة لحد الآن غير صالحة للاستدلال لقصورها سنداً أو دلالة ، نعم هناك روايتان تدلان على المطلوب لتماميتهما من حيث السند والدلالة :

   إحداهما : صحيحة أبي بصير ليث المرادي قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) فقلت : متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر ؟ فقال : إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم ، وتحل الصلاة صلاة الفجر ، قلت : أفلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس ؟ قال : هيهات أين يذهب بك ، تلك صلاة الصبيان»(1) .

   وهي كما ترى صححية السند صريحة الدلالة ، بيد أنه حكى في الحدائق(2) عن صاحب المنتقى أنه ناقش في سندها بتردد الراوي بين أبي بصير المكفوف كما في رواية الشيخ(3) ، وبين ليث المرادي كما في رواية الصدوق(4) ، وأما الكليني فقد روى وأطلق ولم يقيده بأحدهما(5) ، فحيث إن الراوي مردد بين المرادي الثقة وبين المكفوف الضعيف لأجل اختلاف المشايخ الثلاثة في تعابيرهم فلا وثوق إذن بصحة الرواية .

   نعم ، رجح الأول في الحدائق بقرينة الراوي عنه وهو عاصم بن حميد حيث إنه لا يروي إلا عن المرادي .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4  : 209 / أبواب المواقيت ب 27 ح 1 .

(2) الحدائق 6 : 209.

(3) التهذيب 4  : 185 / 514 .[ رواية الشيخ في التهذيب أيضاً خالية عن التقييد    بالمكفوف ، وإنّما المقيّد به رواية اُخرى متحدة المضمون معها رواها في التهذيب2: 39 ح    122 ، والاستبصار1: 276 ح 1002 ، ورواها في الوسائل4: 213/ أبواب المواقيت ب    28 ح2] .

(4) الفقيه 2  : 81 / 361 .

(5) الكافي 4  : 99 / 5 .

ــ[200]ــ

   أقول : القرينة وإن صحت لكنا في غنى عن ذلك ، لما ذكرناه في محله(1) من وثاقة المكفوف أيضاً ، فالرجل موثق والرواية معتبرة على التقديرين ، ومن ثم لم نناقش لحدّ الآن في الروايات الواردة عن أبي بصير بصورة الاطلاق ولم نتصد لتعيين المراد .

   على أنها مروية بسند آخر ، وهو ما رواه الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم كما أشار إليه صاحب الوسائل في ذيل الصحيحة الآتية ، فلا ينبغي النقاش فيها بوجه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net