صور تقديم اللاحقة على السابقة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2210


ــ[204]ــ

   [1182] مسألة 3  : يجب تأخير العصر عن الظهر والعشاء عن المغرب ، فلو قدّم إحداهما على سابقتها عمداً بطلت (1) سواء كان في الوقت المختص أو المشترك ، ولو قدّم سهوا فالمشهور على أنه إن كان في الوقت المختص بطلت ، وإن كان في الوقت المشترك ، فان كان التذكر بعد الفراغ صحّت ، وإن كان في الأثناء عدل بنيته إلى السابقة إذا بقي محل العدول ، وإلا كما إذا دخل في ركوع الركعة الرابعة من العشاء بطلت ، وإن كان الأحوط الاتمام والاعادة بعد الاتيان بالمغرب ، وعندي فيما ذكروه إشكال ، بل الأظهر في العصر المقدّم على الظهر سهواً صحتها واحتسابها ظهراً إن كان التذكر بعد الفراغ ، لقوله (ع) : «إنما هي أربع مكان أربع» في النص الصحيح ، لكن الأحوط الاتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة من دون تعيين أنها ظهر أو عصر ، وإن كان في الأثناء عدل ، من غير فرق في الصورتين بين كونه في الوقت المشترك أو المختص ، وكذا في العشاء إن كان بعد الفراغ صحّت ، وإن كان في الأثناء عدل مع بقاء محل العدول ـ على ما ذكروه ـ لكن من غير فرق بين الوقت المختص والمشترك أيضاً (2) .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لأنّ ذلك هو مقتضى الترتيب المعتبر بينهما المستفاد من قوله : «إلا أنّ هذه قبل هذه»(1) كما تقدم البحث عنه مستوفى(2) .

   (2) تفصيل الكلام في المقام أنّ تقديم اللاحقة سهواً قد يكون في الوقت المشترك ، واُخرى في الوقت المختص ، وعلى التقديرين فقد يكون التذكر بعد الفراغ من الصلاة ، وقد يكون في الأثناء ، وعلى الثاني فقد يكون محل التدارك باقياً ، وقد لا يكون ، فصور المسألة ستة :

   الاُولى : ما إذا كان في الوقت المشترك وكان التذكر بعد الفراغ ، ولا إشكال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 126 / ابواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21 .

(2) في ص 104 ـ 110 .

ــ[205]ــ

حينئذ في صحة اللاحقة ، فيأتي بعدها بالسابقة ، إذ لا خلل حينئذ إلا من ناحية الترتيب الذي هو شرط ذكري بمقتضى الأخبار الخاصة . مضافاً إلى حديث لا تعاد ، فلو تذكر بعد العشاء عدم الاتيان بصلاة المغرب أتى بها ولا شيء عليه ، وكذا لو تذكر بعد العصر عدم الاتيان بالظهر فانّ ما أتى به يحسب عصراً كما نوى ويأتي بالظهر بعد ذلك على المشهور .

   نعم ، هناك قول آخر اختاره في المتن ، وهو أن يعدل بنيته إلى السابقة فيجعلها ظهراً ويأتي بالعصر بعد ذلك . وهذا القول وإن كان شاذاً إلا أنه تدل عليه صحيحتان :

   إحداهما : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) « . . . وقال : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاُولى ، ثم صل العصر ، فانما هي أربع مكان أربع»(1) .

   ثانيتهما : صحيحة الحلبي قال : «سألته عن رجل نسي أن يصلي الاُولى حتى صلى العصر ، قال : فليجعل صلاته التي صلى الاُولى ثم ليستأنف العصر»(2) .

   فانهما كما ترى صريحتان في هذا القول ، بيد أنّ المشهور أعرضوا عنهما حيث لم يعملوا بهما ، وهما بمرأى منهم ومسمع ، فان بنينا على سقوط الصحيح بالاعراض عن درجة الاعتبار فالمتجه حينئذ هو القول المشهور ، وإن أنكرنا ذلك كما هو الأصح ، لعدم كون الاعراض موهناً ولا العمل جابراً على ما حققناه في الاصول(3) لم يكن بُدّ من العمل بهما . ومنه تعرف أنّ ما اختاره في المتن هو الصحيح ، غير أنّ سبيل الاحتياط الذي هو طريق النجاة يقتضي الاتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمة من دون تعيين أنها ظهر أو عصر .

   الصورة الثانية : أن يكون ذلك في الوقت المشترك أيضاً ويكون التذكر في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1 .

(2) الوسائل 4 : 292 / أبواب المواقيت ب 63 ح 4 . [لكنه ناقش في السند في ص 111] .

(3) مصباح الاصول 2 : 201 ، 203 .

ــ[206]ــ

الأثناء مع بقاء محل العدول ، كما لو تذكر قبل التسليم من صلاة العصر عدم الاتيان بالظهر ، أو قبل الدخول في ركوع الركعة الرابعة من صلاة العشاء عدم الاتيان بالمغرب ، وحكمه لزوم العدول إلى السابقة فيتم ما بيده ظهراً أو مغرباً ثم يأتي باللاحقة من عصر أو عشاء .

   وتشهد له صحيحة زرارة المتقدمة حيث جاء فيها : « . . . وقال : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاُولى ثم صل العصر . . . ـ إلى أن قال ـ : وإن ذكرت أنك لم تصل الاُولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين فانوها الاُولى ثم صل الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر ـ إلى أن قال ـ : وإن كنت ذكرتها ـ أي المغرب ـ وقد صليت من العشاء الآخرة ركعتين ، أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلّم ثم قم فصلّ العشاء الآخرة . . .» الخ(1) وهي كما ترى صريحة في عدم الفرق في ذلك بين الظهرين والعشاءين .

   ولكنه يظهر من رواية الصيقل التفصيل بينهما قال : «سألت أباعبدالله (عليه السلام) عن رجل نسي الاُولى حتى صلى ركعتين من العصر ، قال : فليجعلها الاُولى وليستأنف العصر ، قلت : فانه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر ، قال : فليتم صلاته ، ثم ليقض بعد المغرب ، قال : قلت له جعلت فداك قلتَ حين نسي الظهرثم ذكر وهو في العصر يجعلها الاُولى ثم يستأنف ، وقلتَ لهذا يتمّ صلاته بعد المغرب فقال : ليس هذا مثل هذا ، إن العصر ليس بعدها صلاة والعشاء بعدها صلاة»(2) .

   حيث دلت على اختصاص العدول بالظهرين ، نظراً إلى أنه لو لم يعدل لزمه الاتيان بالظهر بعد العصر ، والمفروض أنه لا صلاة بعدها ، بخلاف العشاء فان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 290 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1 .

(2) الوسائل 4 : 293 / أبواب المواقيت ب 63 ح 5 .

ــ[207]ــ

بعدها صلاة وهى الوتيرة وصلاة الليل ، فلا مانع من أن لا يعدل ويأتي بالمغرب بعدها ، هذا .

   ولكن الرواية لأجل ضعف سندها بالصيقل غير ناهضة للمقاومة مع صحيحة زرارة وغيرها مما دل على لزوم العدول إلى السابقة مطلقاً .

   وأما ما صنعه في الوسائل من الحمل على وقت الاختصاص للعشاء دون العصر فهو وإن أمكن الاستشهاد له بالتعبير بالقضاء في قوله : «ثم ليقض بعد المغرب» بناءً على إرادة المعنى الاصطلاحي من خروج وقت المغرب وصيرورته قضاءً ، الملازم لكون العشاء مأتياً بها في وقتها الاختصاصي ، إلا أنه مع ذلك بعيد جداً ، إذ لو اُريد ذلك لكان الأحرى تعليل التفكيك بافتراض الضيق في إحداهما دون الاُخرى ، وأن العصر أيضاً لو كانت مضيقة لكانت كذلك ، لا بما ذكره من التعليل الذي فيه ما فيه . والعمدة ما عرفت من ضعف السند .

   الصورة الثالثة : عين السابقة مع التجاوز عن محل العدول ، كما لو كان التذكر بعد الدخول في ركوع الركعة الرابعة من صلاة العشاء فهل يتمها عشاءً ثم يأتي بالمغرب ، أو أنها محكومة بالفساد ولابد من إعادتها بعد الاتيان بصلاة المغرب ؟ .

   المشهور هو الثاني ، ونسب الأول إلى كاشف اللثام(1) واختاره شيخنا الاُستاذ وتبعه بعض من تأخر عنه استناداً إلى حديث لا تعاد ، بدعوى أنه كما يجري بعد العمل يجري أثناءه أيضاً ، وحيث لا خلل في المقام إلا من ناحية الترتيب الذي هو من غير الخمسة المستثناة فهو مشمول للحديث .

   ولكن الصحيح ما عليه المشهور ، فان الحديث وإن لم يكن قاصر الشمول للأثناء ، ومن ثم لو تذكّر فقد ما يعتبر فيما تقدم من الأجزاء كستر العورة مع كونه متستراً حال الذكر شمله الحديث ، لوضوح صدق الاعادة مع رفع اليد عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كشف اللثام 3 : 86 .

ــ[208]ــ

العمل واستئنافه ، ولا يختص ذلك بما بعد الفراغ منه ، وقد ورد في الأخبار أن من تكلم في صلاته متعمداً فعليه الاعادة(1) ، فالحديث متكفل لتصحيح كل نقص في العمل المتقدم مما عدا الخمس سواء أكان في تمام العمل أم في بعضه ، إلا أن في المقام خصوصية من أجلها يمنع من الجريان ، وهي أن المستفاد من أدلة الترتيب لزوم رعايته في تمام أجزاء اللاحقة ، فالعشاء بتمام أجزائها مترتبة على المغرب ، وكذلك العصر على الظهر ، كما هو ظاهر قوله (عليه السلام) : «إلا أن هذه قبل هذه»(2) لا أنه مقصور على الشروع وملحوظ في المجموع(3) فحسب .

   وعليه ، فكما أن الأجزاء الصادرة قبل التذكر يعتبر فيها الترتيب فكذلك الأجزاء اللاحقة ، ومن البيّن أن الحديث إنما يتكفل لتصحيح الأجزاء السابقة فانها التي خلت عن الترتيب سهواً دون اللاحقة للاخلال به فيها عامداً فكيف يشملها الحديث ، فان شأنه تصحيح ما أتى به من العمل الناقص لا تجويز الاتيان بالعمل الناقص وكم بينهما من فرق .

   ونظير المقام : ما لو التفت في الأثناء إلى عدم كونه متستراً للعورة في الأجزاء السابقة مع عدم كونه متستراً لها بالفعل أيضاً ، فان الأجزاء المتقدمة هب إنا صححناها بالحديث ، أما اللاحقة التي يخل به فيها عامداً فلا مبرر لها ، إذن فلا مناص من رفع اليد واستئناف الصلاة .

   الصورة الرابعة : ما إذا كان في الوقت المختص وكان التذكر بعد الفراغ ، كما لو صلى العصر في الآن الأول من الزوال غافلاً عن الظهر أو معتقداً أنه أتى بها أو شرع في العشاء قبل دخول وقت المغرب وبعد الاتيان بركعة منها دخل الوقت بحيث وقع ثلاث ركعات منها في الوقت المختص بالمغرب ، فعلى المسلك المشهور في تفسير وقت الاختصاص من عدم صلاحيته لغير صاحبة الوقت ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 .

(2) الوسائل 4 : 126 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 ، 20 ، 21 .

(3) [هذا عطف تفسيري لا يخلو عن مسامحة ، والصحيح هو التعبير الأوّل ، راجع تعليقنا في    الصفحة 400] .

ــ[209]ــ

لا مناص من الحكم بالبطلان ، لا لأجل الاخلال بالترتيب فانه كما عرفت شرط ذُكري ، بل للاخلال بالوقت الذي هو من الخمسة المستثناة في حديث لا تعاد .

   وأما على المختار من تفسيره بعدم مزاحمة الشريكة لصاحبة الوقت ـ رعاية للترتيب ـ المختص طبعاً بحال العمد والالتفات مع صلاحية كل جزء مما بين الحدين لكل واحدة من الصلاتين فلا مقتضي للبطلان ، بل حال الوقت المختص حينئذ حال الوقت المشترك في الحكم بالصحة ، إذ لا خلل إلا من ناحية الترتيب المنفي بحديث لا تعاد كما سبق .

   الصورة الخامسة : ما إذا كان في الوقت المختص أيضاً وكان التذكر في الأثناء مع بقاء محل العدول ، كما لو كان في العصر مطلقاً أو في العشاء ولم يركع الرابعة ، والمشهور هو البطلان أيضاً ، إذ بعد تفسيرهم لوقت الاختصاص بما عرفت فهذه الصلاة لكونها فاقدة للوقت فاسدة في نفسها ولا عدول إلا في الصلاة الصحيحة من غير ناحية الترتيب ، ومنه تعرف أنه على المختار في تفسيره لا مانع من التصحيح بالعدول .

   غير أن المحقق في الشرائع(1) مع موافقته مع المشهور في التفسير المزبور التزم بالصحة في محل الكلام ، حيث إنه خصّ التفصيل بين الوقت المختص والوقت المشترك ـ بالبطلان في الأول دون الثاني ـ بما إذا كان التذكر بعد الفراغ ، وأما لو كان في الأثناء فقد حكم بالصحة وأطلق ، الظاهر في عدم الفرق .

   وهذا هو الصحيح ، لأن ما دل على العدول غير قاصر الشمول للمقام ، إذ هو مطلق يعم ما إذا كان التذكر أثناء الصلاة الواقعة في الوقت المشترك أو المختص .

   ودعوى عدم صحة العدول إلا في الصلاة الصحيحة في نفسها ، مدفوعة باختصاص هذه الدعوى بالصلاة الفاسدة من غير ناحية الوقت ، كما لو كانت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرائع 1 : 76 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net