التطوع في وقت الفريضة الأدائية 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1715


ــ[322]ــ

   [1206] مسألة 16  : يجوز الاتيان بالنافلة ولو المبتدأة في وقت الفريضة ما لم يتضيق (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعني طبيعي الصلاة والواجب الآخر المضيق ، وإنما التزاحم بين الفرد منه وبين ذلك الواجب ، والفرد بخصوصه لم يكن مورداً للأمر وإن كان الطبيعي منطبقاً عليه(1) قهراً ، فما هو الواجب لم يكن مزاحماً ، وما كان مزاحماً لم يكن واجباً ، فالصلاة في مفروض المسألة محكومة بالصحة من غير حاجة إلى الترتب ، إلا إذا قلنا بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص ، ولكنه خلاف التحقيق وتمام الكلام في الاُصول(2) .

   (1) اختلفت كلمات الأصحاب (قدس الله أسرارهم) في جواز التطوع بالصلاة في وقت الفريضة أو ممن عليه الفريضة ، بعد الاتفاق منهم ظاهراً على عدم الجواز في الصوم ، فلا يتطوع به من كان عليه صوم واجب أداءً أو قضاءً .

   فعن الشيخين(3) والعلامة(4) في جملة من كتبه وغير واحد من القدماء والمتأخرين عدم الجواز ، بل صرّح المحقق في المعتبر أنه مذهب علمائنا(5) كما صرح الشهيد الثاني في الروض بأنه المشهور بين المتأخرين(6) .

   وذهب جماعة آخرون ومنهم الشهيدان(7) إلى الجواز ، بل عن الدروس أنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معنى انطباقه عليه كونه أحد أفراده الواجبة بالتخيير العقلي ، ولا يعقل كونه أحد أفراده    كذلك مع مزاحمته للواجب المضيق ، ضرورة أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه  الاقتضاء ، فلا جرم يخرج عقلاً عن كونه طرف التخيير . إذن فلا مصحح له إلا الخطاب الترتبي ، وتمام الكلام في محله .

(2) محاضرات في اُصول الفقه 3 : 8 .

(3) المفيد في المقنعة : 212 ، الطوسي في المبسوط 1 : 128 .

(4) نهاية الاحكام 1 : 325 .

(5) المعتبر 2 : 60 .

(6) روض الجنان : 183 السطر 17 .

(7) الشهيد الأول في الدروس 1 : 142 ، الشهيد الثاني في روض الجنان : 184 .

ــ[323]ــ

الأشهر(1) ولعل مراده أنه أشهر بين المتأخرين ، لعدم انسجامه مع دعوى الاجماع على عدم الجواز الصادرة من المحقق حسبما سمعت ، لو أراد به ما يشمل المتقدمين . وكيف ما كان فلا ينبغي التأمل في أنّ القائل من كل من الطرفين جماعة كثيرون ممن يعتدّ بهم شخصاً وعدداً .

   ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام وكيفية الاستفادة منها .

   وينبغي التكلم تارة : في حكم التطوع بعد دخول الوقت ، واشتغال الذمة بالوظيفة الأدائية ، واُخرى : في حكمه ممن ذمته مشغولة بالفريضة القضائية ، فهنا مقامان :

   أما المقام الأوّل : فالكلام فيه يقع تارة من ناحية المقتضي لعدم الجواز واُخرى من ناحية المانع عنه بعد تمامية المقتضي .

   أما الجهة الاُولى :فيستدل لعدم الجواز بجملة من الروايات :

   منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر ؟ فقال : قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ، ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل ، أتريد أن تقايس ، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوّع ، إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة»(2) .

   فان الأمر بالبدأة بالفريضة بعد دخول وقتها كالصريح في النهي عن التطوع في وقت الفريضة .

   وفيه : أنها وإن كانت ظاهرة في المنع إلا أن موردها خصوص نافلة الفجر لا مطلق التطوع ، وحيث قد دلت نصوص اُخر على جواز الاتيان بها بعد طلوع الفجر حسبما تقدم في محله فلا جرم يحمل النهي فيها على الكراهة ومجرد المرجوحية ، جمعاً بين النصوص . إذن فلا يمكن الاستدلال بها على المنع حتى في موردها فضلاً عن التعدي إلى سائر الموارد ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 1 : 142 .

(2) الوسائل 4 : 264 / أبواب المواقيت ب 50 ح 3 .

ــ[324]ــ

   ولا يبعد أن يكون قوله (عليه السلام) : «أتريد أن تقايس . .» الخ مسوقاً لتعليم زرارة كيفية الجدل والمناظرة مع خصومه من أبناء العامة الذين يرون جواز الاتيان بالنافلة بعد طلوع الفجر ، مع التزامهم بحجية القياس وبما هو الصواب من عدم جواز التطوع بالصوم ممن عليه فريضته ، بالنقض عليهم بالصوم جرياً على مسلكهم ، لا أنه بصدد الاستدلال بالقياس المعلوم عدم كونه من مذهبنا ، فانه لا سبيل للاستدلال بما هو واضح البطلان في الشريعة المقدسة .

   ومنها : صحيحة اُخرى لزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها ، قال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها ـ إلى أن قال  : ـ ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها»(1) .

   فان موردها وإن كان هو القضاء إلا أنها تدل على النهي عن التطوع ممن عليه فريضة أدائية بطريق أولى .

   ويندفع أوّلاً : بأن النهي في قوله (عليه السلام) : « ولا يتطوع . . .»الخ لم يكن حكماً جديداً ابتدائياً ، وإنما هو متفرع على الأمر بالقضاء المذكور في صدر الحديث ، فان متن الرواية هكذا : «فقال : يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فاذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت ، وهذه أحق بوقتها فليصلها ، فاذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى ولا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها»(2) .

   فانه (عليه السلام) لما أمر أوّلاً بالقضاء بقوله : «يقضيها إذا ذكرها . .»الخ فرّع عليه قوله : «فاذا دخل وقت الصلاة . . .» الخ ثم عطف على هذا التفريع قوله : «ولا يتطوع . . .»الخ ، إذن فالنهي المزبور تفريع على الأمر بالقضاء ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 284 / أبواب المواقيت ب 61 ح 3 .

(2) الوسائل 8 : 256 / أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3 .

ــ[325]ــ

ومقتضى التفريع أن النهي عن التطوع تابع لكيفية الأمر بالقضاء في كونه على سبيل الالزام وعدمه ، فان بنينا على كونه حكماً إلزامياً ، للبناء على المضايقة في قضاء الفوائت ، كان النهي إلزامياً أيضاً ، وإن بنينا على عدمه لأجل الالتزام بالمواسعة في قضائها كان النهي طبعاً تنزيهياً ، وحيث إن الصواب هو الثاني كما هو موضح في محله ، فلا جرم لا يستفاد الالزام من النهي المزبور بوجه .

   وثانياً : أن مورد الصحيحة هو الفريضة القضائية ، ومحل كلامنا فعلاً هو التطوع ممن عليه الفريضة الأدائية ، ولا ملازمة بينهما لعدم الدليل عليها ، والأولوية المدعاة ممنوعة ولا سيما على القول بالمضايقة ، حيث إن القضاء حينئذ فوري ، فلا مجال معه للتطوع ، وهذا بخلاف الحاضرة فالتعدي إليها في غير محله .

   ومنها : ما رواه الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح ـ حسبما عبّر به في الوسائل ـ عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة . . .» الحديث(1) .

   وهي كما ترى واضحة بل صريحة الدلالة ، غير أن السند ضعيف ، حيث لم توجد في كتب الحديث ولم يصل إلينا سندها لننظر فيه ، وإن وصفه الشهيد بالصحة ، إذ لا ملازمة بين الصحة عنده وبينها عندنا ، لاحتمال استنادها إلى اجتهاده وحدسه بحيث لو وصلنا لناقشنا فيه ، فهي بالاضافة إلينا في حكم المرسل .

   ومنها : ما رواه الشهيد الثاني في الروض عن زرارة في الصحيح قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : اُصلي نافلة وعليّ فريضة أو في وقت فريضة ، قال : لا ، إنه لا تصلى نافلة في وقت فريضة ، أرأيت لو كان عليك(2) من شهر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 285 / أبواب المواقيت ب 61 ح 6 ، الذكرى 2 : 422 . .

(2) [اُضيف في هامش الروض : صوم] .

ــ[326]ــ

رمضان أكان لك أن تتطوع حتى تقضيه ؟ قال : قلت لا ، قال : فكذلك الصلاة ، قال : فقايسني وما كان يقايسني»(1) .

   قال صاحب الحدائق عند نقل الرواية ما لفظه : نقلها شيخنا الشهيد الثاني في الروض والسيد السند في المدارك ، وشيخنا البهائي في كتاب حبل المتين ، ولم أقف عليها بعد التتبع في كتاب الوافي الذي جمع فيه الكتب الأربعة ، ولا كتاب الوسائل الذي زاد فيه على ما في الكتب الأربعة ، ولكن كفى بالناقلين المذكورين حجة ، والظاهر أنّ من تأخر عن الشهيد الثاني إنما أخذها عنه . انتهى(2) .

   أقول : الرواية موجودة في الوافي(3) في باب كراهة التطوع في وقت الفريضة نقلاً عن حبل المتين كما أوعز إليه معلّق الحدائق ، كما أنها مذكورة بعين ألفاظها في الذكرى(4) ما عدا اختلاف يسير لعله من النسّاخ ، فالأصل في الرواية هو الشهيد الأول وهي مأخوذة منه دون الشهيد الثاني .

   وكيف ما كان فلا حجية لها ، لعدم ثبوت سندها عندنا بعد عدم وصول طريقها إلينا ، فهي بالاضافة إلينا في حكم المرسل كما عرفته في الرواية السابقة ، فلا يمكن التعويل عليها بالرغم من صراحة مفادها .

   ومنها : ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب حريز بن عبدالله عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : لا تصلّ من النافلة شيئاً في وقت الفريضة ، فانه لا تقضى نافلة في وقت فريضة ، فاذا دخل وقت الفريضة فابدأ بالفريضة»(5) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روض الجنان : 184 السطر 11 .

(2) الحدائق 6 : 256 .

(3) الوافي 7 : 365 .

(4) في المسألة الثانية من الفصل الرابع من احكام المواقيت ، الذكرى 2 : 424 .

(5) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 8 ، السرائر (المستطرفات) 3 : 586 .

ــ[327]ــ

   ويندفع أوّلاً : بضعف السند ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز بعد وضوح أنه من أصحاب الصادق (عليه السلام) وبينه وبين ابن إدريس مئات السنين فكيف يمكن نقله عنه بلا واسطة ، وحيث إنها مجهولة فلا جرم تسقط الرواية بالنسبة إلينا عن درجة الاعتبار ، وإن أمكن اتصافها عنده بالصحة لقرائن حدسية عوّل عليها وهو أدرى بها .

   ودعوى : أنه لمّا لم يكن عاملاً بأخبار الآحاد فاعتماده عليها كاشف عن وصولها إليه بطريق متواتر أو بما هو كالمتواتر في كونه مورثاً للقطع بالصدور ، ومعه كان إخباره بمثابة الإخبار عن الحس ، فتكون رواياته عن حريز وأضرابه في حكم المسانيد لا المراسيل .

   مدفوعة : بأنّ أقصى ما يترتب على هذه الدعوى هو أن ابن إدريس كان معتقداً اعتقاداً باتاً بأنّ ما وصل إليه باسم كتاب حريز كان هو كتابه حقاً ، لكن من الواضح أنّ اعتقاده حجّة له بخصوصه ولا ينفع غيره ممن لا يحمل تلك العقيدة فهو المأمور بالعمل به لا غير ، ومن الضروري أنّ مجرد قطعه بذلك الناشئ عن القرائن الحدسية الاجتهادية لا يستوجب عدّ خبره من الإخبار عن الحس لتشمله أدلة حجية الخبر . إذن فلا مجال للاعتماد على شيء مما يرويه ابن إدريس عن الرواة الذين لا نعلم الوسائط بينه وبينهم .

   أجل ، خصوص ما يرويه عن كتاب محمد بن علي بن محبوب لم يكن بدّ من الالتزام باعتباره ، نظراً إلى تصريحه بوصول الكتاب إليه بخط الشيخ الطوسي (قدس سره)(1) ، وحيث إنّ العهد بينه وبين الشيخ قريب وهو من أكابر العلماء وأعاظم المشاهير ، بل هو شيخ الطائفة حقاً ، فلا جرم كان خطه الشريف معروفاً ومشهوراً بين الناس ، بحيث لا مساغ لانكاره أو التشكيك فيه .

   وبذلك يوثق بل يطمأن بأنّ الكتاب قد وصل إليه بخط الشيخ (قدس سره)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر (المستطرفات) 3 : 601 .

ــ[328]ــ

وحيث إنّ طريقه ـ أي طريق الشيخ ـ إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح أيضاً في الفهرست(1) ، فلأجله يحكم بصحة رواياته عنه بطبيعة الحال .

   وعلى أيّ حال فروايتنا هذه ضعيفة السند كما عرفت .

   وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، لابتنائها على أن يكون المراد من الوقت المذكور فيها هو مطلق الوقت ، وليس كذلك ، بل المراد خصوص وقت الفضيلة ، فهي أخص من المدعى ، وذلك لأجل أن المنصرف من النافلة الواردة فيها هي النوافل المرتّبة ، بل هي القدر المتيقن منها ، ولا شبهة في جواز الاتيان بها في مطلق وقت الفريضة الشامل لوقت الإجزاء ، ومن ثم ترى أن نوافل الظهرين يؤتى بها قبلهما ، كما أنّ نوافل المغرب يؤتى بها قبل العشاء مع دخول وقت الظهرين والعشاءين بمجرد الزوال والغروب ، وهذا يكشف عن أنّ المراد خصوص وقت الفضيلة .

   ويعضده ما في غير واحد من الروايات الواردة في مقام بيان وقت الفريضة والنافلة الناطقة بأنّ الذراع والذراعين إنما جعلت لمكان النافلة كما في صحيحة زرارة ، أو لمكان الفريضة كما في موثقته ، أو لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه كما في موثقة إسماعيل الجعفي(2) ونحوها غيرها مما يظهر منه أنّ وقت الفضيلة إنما قرّر وشرّع كي لا تقع النافلة في هذا الوقت ، بل في رواية العلل حتى لا يكون تطوع في وقت مكتوبة(3) فانها خير شاهد على أنّ المراد من الوقت في هذه الرواية هو وقت الفضيلة فهي ـ لو تم سندها ـ أخص من المدعى حسبما عرفت .

   ومنها : موثقة زياد بن أبي غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفهرست : 145 / 613 .

(2) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3 ، 20 ، 21 .

(3) الوسائل 4 : 229 / أبواب المواقيت ب 35 ح 11 ، علل الشرائع : 349 .

ــ[329]ــ

سمعته يقول : إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا تضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة»(1) .

   وفيه : أنه لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة على المنع عن التطوع في وقت الفريضة لو لم تكن ظاهرة في المشروعية ، فان مفادها أنّ ترك النافلة قبل الفريضة غير قادح في الصحة ، وأنّه لا يستوجب خللاً ولا ضرراً . وهذا اللسان كما ترى لسان المشروعية والجواز لا المنع ، فالاستدلال بها على الجواز أحرى من أن يستدل بها على المنع كما لا يخفى .

   وأما سند الرواية فالمذكور في الوسائل والحدائق(2) وعن بعض نسخ التهذيب زياد أبي عتاب ، وهو مهمل في كتب الرجال ، ومن ثم وصفها في الحدائق بالرواية وهو في محله .

   ولكنّ الصواب أنه زياد بن أبي غياث كما ذكرناه(3) وهو ثقة كما نص عليه النجاشي(4) . وذلك لأجل أنّ الراوي عن زياد بن أبي غياث هو ثابت بن شريح ، كما أنّ الراوي عن ثابت هو عبيس بن هشام كما صرح به الشيخ والنجاشي(5) ، وحيث إن رواة هذا السند كذلك ، فيطمأن أنه هو الصحيح وهو المطابق للاستبصار وكذلك التهذيب(6) ، وإن ذكر معه غيره بعنوان النسخة . إذن فما في الوسائل والحدائق وعن بعض نسخ التهذيب والفهرست من ذكر زياد أبي عتاب الظاهر أن كلّه محرّف فلا نقاش من ناحية السند ، غير أن الدلالة قاصرة حسبما عرفت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 4 .

(2) الحدائق 6 : 257 . [ولكن فيه: زياد بن أبي عتاب] .

(3) معجم رجال الحديث 8 : 314 / 4777 .

(4) رجال النجاشي : 171 / 452 .

(5) رجال الطوسي : 418 / 6035 ، رجال النجاشي : 116 / 297 .

(6) الاستبصار1 : 253 / 907 ، التهذيب 2 : 247 / 984 .

ــ[330]ــ

   ومنها : رواية بخية قال : «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : تدركني الصلاة ويدخل وقتها فأبدأ بالنافلة ؟ قال : فقال أبو جعفر (عليه السلام) : لا ، ولكن ابدأ بالمكتوبة واقض النافلة»(1) .

   وفيه أوّلاً : أنها ضعيفة السند ، فان صاحب الوسائل وإن رواها عن الشيخ عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن محمد بن سكين عن معاوية بن عمار عن نجية ، وهذا السند معتبر إذ لا غمز فيه إلا من ناحية الأخير ، وقد اختلف في ضبطه ففي الوسائل بخية ، وفي التهذيب نجية وفي الكشي(2) وهامش رجال التفريشي(3) نجبة ، والظاهر أنه رجل واحد ولا توثيق له ، غير أنّ الكشي حكى عن حمدويه عن محمد بن عيسى أنه شيخٌ صادق كوفي صديق علي بن يقطين ، وفيه مدح يكفي في حسنه والاعتماد عليه .

   إلا أن الظاهر أن ما في الوسائل سهو من قلمه الشريف ، فان الشيخ لم يروها في التهذيب عن الحسن بن محمد بن سماعة ، وإنما رواها عن الطاطري(4) وطريقه إليه ضعيف ، فالرواية غير صالحة للاعتماد عليها .

   وثانياً : أنها قاصرة الدلالة ، بل هي على خلاف المطلوب أدلّ ، لمكان الأمر بقضاء النافلة ، لوضوح كشفه عن الأمر بها أداءً قبل الفريضة ومشروعيتها في وقتها ، ومن المعلوم أنّ المراد بها النوافل المرتّبة ، إذ لا قضاء لغيرها ، فهي محمولة على ما إذا انقضى الوقت المحدود للنافلة من الذراع أو الذراعين ونحوها ومن ثمّ أمر بقضائها ، فتكون كالصريح في مشروعية الاتيان بها في وقت الفريضة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 5 .

(2) رجال الكشي : 452 / 852 .

(3) نقد الرجال 5 : 7 .

(4) التهذيب 2 : 167 / 662.

ــ[331]ــ

   ومنها : ما رواه الشيخ باسناده عن أبي بكر الحضرمي عن جعفر بن محمد (عليه السلام) «قال : إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع»(1) .

   وفيه : أن السند وإن كان معتبراً عندنا إذ لا غمز فيه إلا من ناحية الحضرمي وهو من رجال كامل الزيارات(2) .

   إلا أ ن الدلالة قاصرة ، لما تقدّم(3) من أن المراد من التطوع المنهي عنه في وقت الفريضة هو التنفل في وقت فضيلتها لا الأعم منها ومن وقت الإجزاء ، إذ المتيقن أو المنصرف من التطوع في مثل هذه الأخبار هو النوافل المرتّبة ، وهي مما يقطع بجواز الاتيان بها بعد دخول وقت الفريضة وقبل الاتيان بها ، فهي إذن أخص من المدعى ، ولا يتم الاستدلال بها .

   ومنها : موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال لي رجل من أهل المدينة يا أبا جعفر مالي لا أراك تتطوع بين الأذان والاقامة كما يصنع الناس ؟ فقلت : إنا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة ، فاذا دخلت الفريضة فلا تطوع»(4) .

   فان الشيخ(5) رواها بطريقين : أحدهما باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة ، وهو معتبر وإن كان الطريق الآخر وهو إسناده عن الطاطري ضعيفاً .

   وفيه : أنها قاصرة الدلالة ، لكونها ناظرة إلى خصوص التطوع ما بين الأذان والاقامة ، فهي أخص من المدعى ، بل على خلاف المطلوب أدلّ ، لظهورها في أنّ التطوع قبل الأذان أو حاله كان معهوداً منه (عليه السلام) ومعلوماً لدى السائل ، ولأجله خصّ السؤال بما بين الأذان والاقامة فسأل عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 7 ، التهذيب 2 : 167 / 660 .

(2) ولكنه لا ينفع حسب الرأي الاخير .

(3) في ص 330 .

(4) الوسائل 4 : 227 / أبواب المواقيت ب 35 ح 3 .

(5) التهذيب 2 : 247 / 982 و167 / 661 .

ــ[332]ــ

سرّه وسببه ، ولعله لكراهته في هذه الحالة أو حرمته ، ولسنا الآن بصدده . وفي بعض النصوص(1) أنّ حدّ الوقت الممنوع فيه التطوع هو ما إذا أخذ المقيم في الاقامة . وعلى أي حال فلا يستفاد منها عدم مشروعية التطوع في وقت الإجزاء للفريضة بنطاق عام الذي هو محل الكلام .

   والمتحصل من جميع ما تقدم : أن المقتضي للمنع عن التطوع في وقت الفريضة قاصر في حدّ نفسه ، لضعف مستنده سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو .

   وملخص الكلام في المقام : أنّ النصوص المتقدمة على طائفتين :

   إحداهما : ما وردت في من عليه الفريضة القضائية ، وهي أجنبية عن محل الكلام .

   وثانيتهما : ما وردت في من عليه الفريضة الأدائية ، وهي بين ما كانت ناظرة إلى المنع عن التطوع في وقت فضيلة الفريضة ، وما كانت خاصة بما بين الأذان والاقامة ، وعلى التقديرين فهي أخص من المدعى ، لما سبق من أنّ المنسبق أو المتيقن من النافلة الممنوعة في هذه النصوص هي الرواتب ، وفي وقت فضيلة الفرائض دون غيرها ، أو في وقت الإجزاء ، فلا تدل على المنع عن الاتيان بغير الراتبة في أوّل الزوال مثلاً قبل دخول وقت الفريضة . فلا مجال إذن لدعوى أن مقتضى الاطلاق فيها عدم جواز التطوع في وقت [فضيلة] الفريضة مطلقاً إلا ما خرج بالدليل كالنوافل المرتبة .

   نعم ، قد يتوهم وجود الدليل المطلق وهو ما أثبته الفقهاء في كتبهم من قوله (صلى الله عليه وآله) : «لا صلاة لمن عليه صلاة»(2) خرج ما خرج من الرواتب اليومية ويبقى الباقي ، فتصلح هذه الرواية سنداً للقول المشهور من المنع عن التطوع في وقت الفريضة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 228 / أبواب المواقيت ب 35 ح 9 .

(2) المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 2 .

ــ[333]ــ

   ولكن يندفع بأنها رواية نبوية أرسلها المفيد(1) ولم ترد في كتب الحديث ، فلا يمكن التعويل عليها كما لا يحتمل استناد المشهور إليها .

   وأما الجهة الثانية : وهي أنّه على تقدير تمامية المقتضي وتسليم دلالة النصوص المتقدمة على المنع عن التطوع فلا مناص من رفع اليد عنها وحملها على الكراهة بالمعنى المناسب للعبادة ، أعني أقلّية الثواب ، أو على الارشاد إلى ما هو الأفضل من درك فضيلة الوقت ، وأهمية مصلحته من مصلحة التنفل من غير نقص في ثوابه ، فيكون النهي إرشادياً عرضياً لا ذاتياً ، وذلك جمعاً بينها وبين نصوص اُخر دلت على الجواز :

   منها : موثقة سماعة قال : «سألته (سألت أباعبدالله عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد وقد صلى أهله ، أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوع ؟ فقال : إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة ، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة وهو حق الله ثم ليتطوع ما شاء ألا هو (الامر) موسّع أن يصلي الانسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل إلا أن يخاف فوت الفريضة ، والفضل إذا صلى الانسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفريضة ، وليس بمحظور عليه أن يصلي النوافل من أول الوقت إلى قريب من آخر الوقت»(2) .

   فان إتيان المسجد إنما هو لادراك الجماعة ، والمتعارف انعقادها في أول الوقت ، وعليه فقوله : «وإن كان خاف الفوت . . .» الخ ناظر إلى خوف فوات وقت الفضيلة ، وإلا فوقت الإجزاء لا يخاف فوته عند فراغ أهل المسجد عن الجماعة . إذن فهي صريحة في جواز التطوع في وقت فضيلة الفريضة ما لم يخف فواته .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 3 : 160 / أبواب المواقيت ب 46 ح 2 ، رسالة في عدم سهو النبي : 28 .

(2) الوسائل 4 : 226 / أبواب المواقيت ب 35 ح 1 .

ــ[334]ــ

   ودعوى أن الصدوق(1) رواها إلى قوله : «ثم ليتطوع ما شاء» وهذا قد يورث الظن بأن الباقي زيادة من الكليني نفسه ولم يكن جزءاً من الرواية ، فلا تصلح للاستدلال .

   مدفوعة بأن التصرف في الحديث بضم ما ليس منه من غير نصب قرينة تدل عليه خيانة في النقل تجلّ عنها ساحة شيخنا الكليني المقدسة ، بل من دونه في الورع والأمانة ، ولا شهادة في اقتصار الصدوق على ما ذكر ، لجواز كون الواصل إليه أقل ، بعد مغايرة طريقه مع طريق الكليني وكثرة التقطيع في الأخبار ، فهذا الاحتمال ساقط جزماً .

   أضف إلى ذلك : أن الشيخ(2) رواها مع هذا الذيل باختلاف يسير عن شيخ الكليني محمد بن يحيى ، ومعه كيف يحتمل أن يكون ذلك من كلام الكليني نفسه ، فلا ينبغي التأمل في كونه جزءاً من الحديث .

   وعلى الجملة : دلّت الموثقة على جواز التنفل في أوقات الفرائض ، أي في نفس الوقت الذي يصح الاتيان فيه بالفريضة ، فانّ المراد من الوقت في قوله : «الأمر موسّع أن يصلي الانسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل . .»إلخ هو المراد منه في قوله : «أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها» فهي صريحة في أنه لا تحديد في وقت النافلة وأن المكلف موسّع في الاتيان بها من أول الوقت إلى قريب من آخره من غير فرق بين وقت الفضيلة وغيره ، غير أن الأفضل أن يؤتى بالفريضة أوّل وقتها كي يكون فضل أول الوقت لها ، إلا ما خرج بالنص كتقديم نوافل الظهرين .

   ومع ذلك فقد ناقش فيها صاحب الحدائق واستظهر منها خلاف ذلك ، ففسّر الوقت في العبارة الاُولى وكذلك في قوله في آخر الموثقة : «من أول الوقت إلى قريب من آخره» بالوقت المحدود للنافلة قبل دخول وقت الفريضة ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 1 : 257 / 1165 ، الكافي 3 : 288 / 3 .

(2) التهذيب 2 : 264 / 1051 .

ــ[335]ــ

ففرّق بين الوقتين وشوّش بذلك معنى الرواية ، ليستنتج ما زعمه من منع دلالتها على جواز التطوع في وقت الفريضة ، وبذلك خرج عن اُسلوب الكلام وأخلّ بنظم العبارة مع ظهورها فيما قرّبناه حسبما عرفت ، فراجع تمام كلامه(1) لتقف على مدى ضعفه وصدق ما ادعيناه .

   وعليه فلو ضممنا هذه الموثقة مع النصوص المتقدمة المانعة عن التطوع في وقت الفريضة ، كان مقتضى الجمع العرفي الحمل على الكراهة ، أو الارشاد إلى ما هو الأفضل من غير حزازة في التنفل نفسه ، برفع اليد عن ظهور إحداهما بصراحة الاُخرى كما سبق .

   وما عن صاحب الحدائق من إنكار هذا الجمع وعدم كونه عرفياً ، نظراً إلى أن الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في غيره ، كما أن النهي حقيقة في التحريم مجاز في غيره فلا سبيل لحملهما على غيرهما .

   كما ترى ، فان باب المجاز ـ على تقدير تسليمه ـ واسع مع نصب القرينة ، والعبرة بظهور الكلام ، ومقتضاه بعد ضم أحد الدليلين إلى الآخر ما عرفت ، وهو من أجلى مصاديق الجمع العرفي المقبول كما لا يخفى .

   ومنها : صحيحة محمد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إذا دخل وقت الفريضة أتنفّل أو أبدأ بالفريضة ؟ قال : إن الفضل أن تبدأ بالفريضة وإنما أخّرت الظهر ذراعاً من عند الزوال من أجل صلاة الأوّابين»(2) .

   فانها صريحة في جواز التطوع في وقت الفريضة ، بيد أنّ البدأة بالفريضة أفضل ، إلا في الظهرين فان المتعيّن فيهما تقديم النافلة بذراع أو ذراعين حسبما تقدم في محلّه(3) .

   وما عن صاحب الحدائق من تفسير الفضل بالمشروعية ، وأنّ تخصيصه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 6 : 263 .

(2) الوسائل 4 : 230 / أبواب المواقيت ب 36 ح 2 ، 3 .

(3) في ص 238 .

ــ[336]ــ

بالفريضة يكشف عن عدم مشروعية النافلة ، قال : ومتى كانت لا فضل فيها ، فلا يشرع الاتيان بها لأنها عبادة ، فاذا انتفى الفضل فيها دلّ على عدم صحتها(1) .

   غير قابل للاصغاء ، لعدم مساعدة العرف ولا اللغة على هذا التفسير ، بل الفضل بمعنى الزيادة ، ومن ثم لا يطلق الفاضل على الذات المقدسة ، لأنّ صفاته عين ذاته ، ويستحيل أن يكون معرضاً لصفة زائدة . إذن فمعنى قوله (عليه السلام) : «إن الفضل أن تبدأ بالفريضة» أنّ البدأة بالفريضة تستوجب زيادة المثوبة ، فعكسها ينفي الزيادة ، لا أنه ينفي المشروعية كما لعله واضح جداً .

   فهذه الصحيحة أيضاً خير شاهد على حمل النصوص المتقدمة الناهية عن التطوع في وقت الفريضة على الكراهة والمرجوحية ، أو على ما سبقت الاشارة إليه من الارشاد إلى اختيار الفرد الأفضل من غير حزازة ولا منقصة في التنفل نفسه ، وأن الوقت في حد ذاته صالح لكل من التطوع والفريضة ، غير أنهما لمّا كانا متزاحمين وكانت مصلحة فضيلة أول الوقت أهم وأقوى من مصلحة التنفل ، فمن ثمّ تعلّق النهي به إرشاداً إلى اختيار أفضل المتزاحمين ، فالنهي عرضي إرشادي نشأ عن المزاحمة المزبورة ولم يكن ذاتياً .

   ومما يؤكد ذلك ويؤيده : ما ورد من الترخيص في التنفل بعد دخول وقت الفريضة لمن ينتظر الجماعة كموثقة اسحاق بن عمار قال «قلت : اُصلي في وقت فريضة نافلة ، قال : نعم في أول الوقت إذا كنت مع إمام تقتدي به ، فاذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة»(2) حيث يستفاد من التفصيل بين المنفرد والمقتدي صلوح الوقت للتطوع كالفريضة مع أفضلية البدأة بها ، لكن انتظار الجماعة لما اشتمل على مصلحة راجحة على مصلحة الوقت ارتفعت المزاحمة عن الاشتغال بالنافلة في هذه الحالة ، وإنما جعلناها مؤيدة لاحتمال اختصاص الحكم بمريد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 6 : 262 .

(2) الوسائل 4 : 226 / أبواب المواقيت ب 35 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net