كفاية الظن لغير المتمكن من تحصيل الحجة على دخول الوقت 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1909


ــ[385]ــ

   [1212] مسألة 4  : إذا لم يتمكن من تحصيل العلم أو ما بحكمه ، لمانع في السماء من غيم أو غبار أو لمانع في نفسه((1)) من عمى أو حبس أو نحو ذلك فلا يبعد كفاية الظن (1) لكن الأحوط التأخير حتى يحصل اليقين بل لا يترك هذا الاحتياط .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سيدخل بعد ذلك وقبل الفراغ من الصلاة ، لكنه لم يؤخذ موضوعاً للحكم ، فما هو الموضوع لم يتحقق ، وما تحقق لم يكن موضوعاً للأثر ، ولكن هذا كله على تقدير صحة الرواية والعمل بها وقد عرفت ضعفها . فالأقوى بطلان الصلاة في جيمع الصور المذكورة في هذه المسألة .

   (1) مطلقاً كما عليه المشهور ، بل ادعي عليه الإجماع في غير واحد من الكلمات ، وقيل بعدم حجيته مطلقاً ، نسب ذلك إلى ابن الجنيد(2) ، ومال إليه صاحب المدارك(3) ، وقيل بالتفصيل بين الموانع النوعية من الغيم والغبار ونحوهما وبين الموانع الشخصية كالعمى والحبس ونحوهما فيكون حجة في الأول دون الثاني . فالأقوال في المسألة ثلاثة وأقواها أخيرها .

   ويستدل للمشهور بوجوه :

   أحدها : موثقة سماعة قال : «سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم ير الشمس ولا القمر ولا النجوم ، قال : اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك»(4) .

   وقد رواها في الوسائل عن المشايخ الثلاثة(5) ، غير أنه في طريق الصدوق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأظهر أنّ جواز الاكتفاء بالظن يختصّ بالموانع النوعيّة ، ولا بأس بترك الاحتياط    بالتأخير في مواردها .

(2) حكاه عنه في المختلف 2 : 66 مسألة 18 .

(3) المدارك 3 : 99 .

(4) الوسائل 4 : 308 / أبواب القبلة ب 6 ح 2 .

(5) الكافي 3 : 284 / 1 ، التهذيب 2 : 46 / 147 ، الفقيه 1 : 143 / 667 .

ــ[386]ــ

أسندها إلى سماعة عن مهران (حديث 3 من الباب المزبور) وهو سهو من قلمه الشريف أو من النساخ ، فان الموجود في الفقيه ج 1 ص 143 هكذا : (سماعة بن مهران) لا (سماعة عن مهران) .

   وكيف ما كان ، فقد نوقش في الرواية سنداً تارة ودلالة اُخرى .

   أما السند فلأجل اشتماله على عثمان بن عيسى وهو واقفي لم يرد فيه توثيق ، بل قد كان شيخ الواقفة ووجهها .

   ويندفع : ـ مضافاً إلى وقوعه في أسناد كامل الزيارات(1) وتفسير القمي ـ بما حكاه الكشي(2) عن جماعة من أنهم عدّوه من أصحاب الإجماع الكاشف عن المفروغية عن وثاقته وجلالته ، وإلا لم يكن مجال لتوهم إلحاقه بهؤلاء الأعاظم ، ولو كان الكشي بنفسه متردداً في الوثاقة فضلاً عن اعتقاده العدم لزمه التعليق على تلك الحكاية أو رفضها ، فسكوته خير شاهد على المفروغية المزبورة ، ولا يضرها القول بالوقف أو إنكار إمامة الرضا (عليه السلام) فضلاً عن غصب مقدار من أمواله (عليه السلام) فان شيئاً من ذلك لا يقدح في الوثاقة كما لا يخفى .

   على أنه قد صرح الشيخ في كتاب العدة بعمل الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً به ومتحرجاً عن الكذب .

   أضف إلى ذلك أن الشيخ رواها بسند آخر معتبر خال عن هذا الرجل ، وهو ما رواه عن الحسين بن سعيد عن الحسن عن زرعة عن سماعة كما اُشير إليه في الوسائل(3) إذن فلا ينبغي التشكيك في صحة السند .

   وأما الدلالة فقد ناقش فيها في الحدائق(4) بأنها ناظرة إلى الاجتهاد في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولكنه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة .

(2) رجال الكشي : 556 / 1050 .

(3) الوسائل 4 : 308 ، الاستبصار 1 : 295 / 1089 .

(4) الحدائق 6 : 301 .

ــ[387]ــ

القبلة بشهادة الذيل ، فيكون العطف تفسيرياً ، ولا تكون الرواية من مسألتنا في شيء .

   أقول : لا ينبغي التأمّل في أن الرواية ناظرة إلى الوقت ، إما وحده أو مع القبلة ، دون الثاني خاصة .

   وتوضيحه : أنه لا صلة بين السؤال عن الصلاة بالليل والنهار وبين عدم رؤية الشمس وسائر الكواكب إلا من أجل دخالة هذه الاُمور في معرفة الأوقات المشروطة بها الصلوات من الزوال والاستتار ونحوهما ، فيسأل عما هي الوظيفة في تشخيص الأوقات لدى استتارها بالغيوم فأمره (عليه السلام) باعمال الجهد في تحصيل الطرق الظنية المؤدية إلى استعلامها التي منها الوقوف إلى جانب القبلة المشار إليه بقوله : «وتعمد القبلة» نظراً إلى أن الشمس تكون غالباً في طرف الجنوب عند الشتاء والخريف اللذين تكثر فيهما الغيوم ، فلعله يجد الشمس ولو جرمها أو شيئاً من نورها من تحتها فيستبين منها الوقت .

   ويمكن أن يكون السؤال ناظراً ـ زيادة على ذلك ـ إلى القبلة أيضاً وأنه لدى الاستتار والاحتجاب بالغيوم ماذا يصنع المصلي بالوقت والقبلة ، ويكون الجواب هو العمل بالظن في كلا الموردين ، بجعل قوله (عليه السلام) : «اجتهد رأيك» جواباً عن الأول ، وقوله : «وتعمد القبلة جهدك» جواباً عن الثاني .

   وأما احتمال الاختصاص بالثاني فبعيد غايته ، للزوم الحمل على الفرد النادر ، إذ الغالب في البلاد بل القرى معرفة القبلة من طرق اُخر كمحاريب المساجد ونحوها وعدم الاقتصار في استعلامها من الشمس ونحوها ، ولو كان فمرة واحدة بخلاف الوقت المحتاج إليه في كل يوم ، نعم تمس الحاجة لمن كان في الصحراء والبيداء الذي هو فرض نادر يبعد جداً حمل الرواية عليه .

   إذن فلا قصور في الرواية لا من حيث السند ولا الدلالة .

ــ[388]ــ

   ثم إن صاحب الوسائل روى في الباب الرابع عشر من أبواب المواقيت عن الشيخ باسناده عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال : «سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم تر الشمس ولا القمر ، فقال : تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق يقال لها الديكة ، قال : نعم ، قال : إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس ، أو قال : فصله ، وهي لمكان اتحادها سؤالاً مع الرواية السابقة تؤيد ما استظهرناه من كونها ناظرة إلى الوقت .

   إلا أنه لا وجود لها لا في التهذيب ولا الاستبصار ، ولا الوافي ، بل ولا في أي مصدر آخر ، ومن الجائز أن تكون النسخة الموجودة عنده كانت مشتملة عليها ولا يبعد أن تكون ملفقة من رواية سماعة المتقدمة(1) وحديث الفرّاء(2) فزاغ بصره عند النقل فأخذ قطعة من تلك وقطعة من هذه كما أشار إليه معلق الوسائل .

   وكيف ما كان ، فقد عرفت أن موثقة سماعة المتقدمة غير قاصرة الدلالة على حجية الظن في باب الأوقات ، ولكنه لا إطلاق لها من حيث الموانع النوعية والشخصية وإن ادعاه المشهور ، بل المتيقن هو الأول الذي هو موردها ، فلا بد من الاقتصار عليه والرجوع في الثاني إلى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال .

   ثانيها : النصوص الواردة في جواز تعويل الصائم لدى عدم تمكنه من معرفة استتار القرص لغيم ونحوه على الظن والإفطار معه كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ـ في حديث ـ «أنه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك ، قال : ليس عليه قضاء»(3) ونحوها غيرها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 386 .

(2) الوسائل 4 : 171 / أبواب المواقيت ب 14 ح 5.

(3) الوسائل 10 : 123 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 51 ح 2 .

ــ[389]ــ

   بتقريب أن هذه الأخبار إما أنها مخصصة لدليل وجوب الإمساك إلى الليل فيجوز الإفطار قبل الاستتار حتى واقعاً فيما إذا ظن به ، وإما أنه لا تخصيص بل مفادها حجية الظن وكونه طريقاً إلى الواقع لدى العجز عن تحصيل العلم وما بحكمه من بينة ونحوها .

   لكن لا سبيل إلى الأول ، فان لسان هذه النصوص تفرغ عن محض الطريقية من غير تصرف في الواقع ، كما أنّ لسان ما دل على وجوب الامساك إلى الليل كقوله تعالى : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ)(1) في قوة الاستمرار بحيث يكاد يأبى عن التخصيص ، فلا يحتمل جواز الإفطار قبل الغروب في مورد ما ليستوجب ارتكابه كما لا يخفى ، إذن فيتعين الثاني ، ومقتضاه حجية الظن وإحراز الواقع به شرعاً وثبوت الوقت تعبداً ، فاذا ثبت ترتبت عليه جميع آثاره الشرعية من الإفطار وجواز الدخول في الصلاة وغيرهما من غير خصوصية للأول وإن كان هو مورد النص ، فلا ندعي التعدي عنه قياساً للصلاة على الصوم ، ولا من باب عدم القول بالفصل ليورد على الأول بأنه ليس من مذهبنا ، وعلى الثاني بأن المسألة متفق عليها في الصوم مختلف فيها في الصلاة ، فالفصل موجود ومعه لا موقع لدعوى عدم القول به ، بل ندعي استظهار حجية الظن من هاتيك النصوص بمناط الطريقية والكشف التعبدي عن الواقع في باب الأوقات ، فاذا ثبت الوقت شرعاً ترتبت عليه الآثار برمتها .

   نعم يختص موردها بالموانع النوعية من غيم ونحوه ، فلا يكون حجة في الموانع الشخصية لعدم الدليل ، والمرجع حينئذ أصالة عدم الحجية . فينبغي التفصيل بينهما حسبما عرفت .

   ثالثها : ما رواه السيد المرتضى نقلاً عن تفسير النعماني باسناده عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة 2 : 187 .

ــ[390]ــ

إسماعيل بن جابر عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل : «إن الله تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلاً على أوقات الصلاة فموسع عليهم تأخير الصلوات ليتبين لهم الوقت بظهورها ويستيقنوا أنها قد زالت»(1) .

   فان تجويز التأخير لتحصيل اليقين يكشف عن جواز التقديم تعويلاً على الظن وإلا لكان التأخير لازماً لا جائزاً وموسعاً عليهم فالدلالة واضحة ، غير أن السند ضعيف بأحمد بن محمد بن يونس الجعفي ومن يروي عنه الواقعين في الطريق فلا تصلح إلا للتأييد .

   رابعها : النصوص الواردة في صياح الديك وجواز التعويل عليه مع أنه لا يفيد إلا الظن بدخول الوقت ، فان أسناد بعضها معتبر .

   مثل ما رواه الصدوق باسناده عن الحسين بن المختار قال : «قلت للصادق (عليه السلام) إني مؤذن فاذا كان يوم غيم لم أعرف الوقت ، فقال : إذا صاح الديك ثلاثة أصوات ولاءً فقد زالت الشمس ودخل وقت الصلاة»(2) فان الطريق صحيح ، وهو بنفسه قد وثقه الشيخ المفيد في الارشاد(3) ، مع أنه من رجال كامل الزيارات . فلا نقاش في السند ، غير أن الدلالة غير واضحة لجواز أن يكون للظن الحاصل من صياح الديك خصوصية في جواز التعويل ، فلا يمكن التعدي إلى مطلق الظن بدخول الوقت ولا تصلح إلا للتأييد .

   خامسها : موثقة بكير بن أعين عن أبى عبدالله (عليه السلام) قال «قلت له : إني صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زال النهار ، قال فقال : لا تُعد ولا تَعد»(4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 279 / أبواب المواقيت ب 58 ح 2 ، رسالة المحكم والمتشابه : 21 .

(2) الوسائل 4 : 170 / أبواب المواقيت ب 14 ح 1 ، الفقيه 1 : 144 / 669 .

(3) الإرشاد 2 : 248 .

(4) الوسائل 4 : 129 / أبواب المواقيت ب 4 ح 16 .

ــ[391]ــ

   فان النهي عن الإعادة خير شاهد على الصحة وعلى جواز ما صنعه من التعويل على الظن ، وأما النهي عن العود إلى مثله فمحمول على ضرب من التنزه ، وأن الأولى الاستناد في معرفة الأوقات إلى اليقين أو ما بحكمه .

   وقد يقال بأنها على خلاف المطلوب أدل ، فيستدل بها على عدم جواز التعويل على الظن لمكان النهي عن العود ، وأما عدم الإعادة فهو من أجل انكشاف وقوعها بتمامها في الوقت فلا مقتضي لها لا من أجل الاعتماد على الظن .

   ولكن الظاهر فساد الاستدلال من الطرفين وعدم جواز الاستناد إليها لشيء من القولين ، إذ لم يفرض في الرواية تعويل الراوي على الظن غير المعتبر حينما دخل في الصلاة لتكون مرتبطة بما نحن فيه نفياً أو إثباتاً . إذن فالمحتمل فيها بدواً أمران :

   أحدهما : التعويل في يوم غيم على العلم الوجداني أو حجة شرعية من البينة أو أذان العارف ونحوهما .

   ثانيهما : أنه اقتحم في الصلاة لمجرد احتمال دخول الوقت ورجائه من غير استناد إلى أي حجة بتاتاً ، ثم استبان الدخول منذ الشروع فيسأل عن صحة مثل هذه الصلاة وفسادها .

   لكن الاحتمال الأول بعيد غايته ، إذ بعد الاستناد إلى الحجة الشرعية واستبانة إصابتها مع الواقع فما هو الموجب لتوهم الفساد والباعث لتطرق احتماله ليحتاج إلى السؤال ، فان صدور مثله بعيد عن الأشخاص العاديين فضلاً عن مثل بكير بن أعين الذي هو من الفقهاء الأجلاء ، بل فضّله بعضهم على أخيه زرارة ، فلا جرم يتعين الاحتمال الثاني ، ويكون محصل الجواب صحة الصلاة المنكشف وقوعها بتمامها في الوقت فلا يعيدها إلا أنه لا يعود إلى مثل هذا العمل ، بل اللازم على المصلي إحراز دخول الوقت بعلم وجداني أو تعبدي . وكيف ما كان ، فهي أجنبية عما نحن بصدده .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net