كون القبلة للبعيد جهة الكعبة لا عينها 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2250


ــ[425]ــ

   ولا يعتبر اتصال الخط من موقف كل مصل بها بل المحاذاة العرفية كافية((1))، غاية الامر ان المحاذاة تتسع مع البعد ، وكلما ازداد بعداً ازدادت سعة المحاذاة كما يعلم ذلك بملاحظة الأجرام البعيدة كالأنجم ونحوها ، فلا يقدح زيادة عرض الصف المستطيل عن الكعبة في صدق
محاذاتها((2)) كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى الأجرام البعيدة ، والقول بأن القبلة للبعيد سمت الكعبة وجهتها راجع في الحقيقة الى ما ذكرنا، وان كان مرادهم الجهة العرفية المسامحية فلا وجه له(1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فضلاً عن المعنى فيطمأن عادة لو لم يقطع أنها هي بعينها ، فيجري فيها ما مرّ من وجه الضعف ، وعلى تقدير التعدد فيكفي إرسالها في الضعف .

   ومنها : ما في العلل عن محمد بن الحسن عن الصفار عن العباس بن معروف عن علي بن مهزيار عن الحسن بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبي غرة قال «قال لي أبوعبدالله (عليه السلام) : البيت قبلة المسجد ، والمسجد قبلة مكة ، ومكة قبلة الحرم ، والحرم قبلة الدنيا»(3) ورجال السند كلهم موثقون ما عدا الراوي الأخير فانه مجهول ، على أن الرواية مشتملة على زيادة لم تذكر في غيرها ولم يوجد قائل بها ، وهي كون مكة قبلة الحرم ، وهذه تزيدها وهناً .

   وكيف كان ، فهذه الروايات كلها ساقطة ، فالتفصيل باطل .

   (1) قد أشرنا إلى تصريح غير واحد من الأعلام بأن قبلة البعيد هي جهة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا عند عدم التمكن من إحراز محاذاة نفس العين ، وإلا فتجب محاذاة نفسها لحدبة الوجه    التي تكون نسبتها إلى دائرة الرأس بالسبع تقريباً ، فاذا وقع البيت بين القوس الواقع على    اُفق المصلي المحاذي للقوس الصغير الواقع على الحدبة فالمحاذاة حقيقيّة .

(2) مرّ اعتبار المحاذة الحقيقيّة .

(3) الوسائل 4 : 304 / أبواب القبلة ب 3 ح 4 ، علل الشرائع : 318 / 2 .

ــ[426]ــ

الكعبة لا عينها ، ولا يخفى أن هذا التعبير لم يرد في شيء من النصوص ، وإنما التزم بها من التزم وعدل عن جعل الكعبة بعينها قبلة على الإطلاق الذي هو مقتضى ظواهر النصوص لوجهين :

   الأول : بطلان صلاة المأموم إذا كان البعد بينه وبين الإمام أكثر من طول الكعبة البالغ عشرين ذراعاً تقريباً ، فاذا كان الفصل بينهما ثلاثين ذراعاً مثلاً فالمأموم يعلم حينئذ ببطلان صلاته تفصيلاً ، إما لانحرافه عن الكعبة بنفسه أو لانحراف الإمام ، وهذا بخلاف الاكتفاء بالجهة ، فان الصف حينئذ مهما طال والجماعة مهما اتسعت فالكل متوجهون إلى الكعبة ومستقبلون سمتها .

   الثاني : ما ذكره المحقق الأردبيلي(1) فيما حكي عنه ، قال ما لفظه : عدم اعتبار التدقيق في أمر القبلة وأنه أوسع من ذلك ، وما حاله إلا كأمر السيد عبده باستقبال بلد من البلدان النائية ، الذي لا ريب في امتثاله بمجرد التوجه إلى جهة تلك البلد من غير حاجة إلى رصد وعلامات وغيرها مما يختص بمعرفته أهل الهيئة المستبعد أو الممتنع تكليف عامة الناس من النساء والرجال خصوصاً السواد منهم بما عند اهل الهيئة الذي لا يعرفه إلا الأوحدي منهم ، واختلاف هذه العلامات التي نصبوها وخلوّ النصوص عن التصريح بشيء من ذلك سؤالاً وجواباً عدا ما ستعرفه مما ورد في الجدي من الأمر تارة بجعله بين الكتفين واُخرى بجعله على اليمين مما هو مع اختلافه وضعف سنده وإرساله خاص بالعراقي ، مع شدة الحاجة لمعرفة القبلة في اُمور كثيرة خصوصاً في مثل الصلاة التي هي عمود الأعمال ، وتركها كفر ، ولعل فسادها ولو بترك الاستقبال كذلك أيضاً ، وتوجّه أهل مسجد قبا في أثناء الصلاة لما بلغهم انحراف النبي (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك مما لا يخفى على العارف بأحكام هذه الملّة السهلة السمحة أكبر شاهد على شدّة التوسعة في أمر القبلة وعدم وجوب شيء مما ذكره هؤلاء المدققون .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 58 . (نقل بالمضمون) .

ــ[427]ــ

   وكيف كان ، فقد اختلفت كلماتهم في تفسير الجهة وبيان المراد منها ، فذكر بعضهم كالمحقق في المعتبر : أنها السمت الذي فيه الكعبة(1) . والإشكال عليه ظاهر ، فانه إحالة إلى أمر مجهول ، لإبهام السمت ، إذ هو مفهوم تشكيكي قابل للإنطباق في الخارج على اُمور كثيرة وجهات عديدة ، فانا إذا لاحظنا دائرة الاُفق وقسمناها نصفين ، فالنصف الذي فيه الكعبة يعدّ بأجمعه سمتاً لها ، ولو لاحظنا ثلث الدائرة المشتمل عليها كان السمت هو الثلث وصار أضيق من الأول ، ولو لاحظنا الربع المتضمن لها اختص السمت به ، وكذا الخمس والسدس وهكذا ، فليس للسمت حدّ منضبط ومصداق معيّن في الخارج ، بل يختلف باختلاف لحاظ أجزاء الدائرة المشتملة على الكعبة سعة وضيقاً حسبما عرفت .

   وعن بعضهم أنها القدر الذي يجوز على كل جزء منه كون الكعبة فيه ، ويقطع بعدم خروجها عنه . وعن آخرين أنها السمت الذي يظن كون الكعبة فيه .

   والإشكال عليهما أظهر ، لوضوح عدم دخل الظن والاحتمال في مفهوم الجهة أصلاً ، فان ما هي جهة الكعبة واقعاً هي الجهة سواء ظن أو احتمل كون الكعبة فيها أم لا ، كما أنّ ما لا يكون جهة الكعبة ليس جهتها وإن ظن أو احتمل كون الكعبة فيها . نعم يمكن أن يكون لهما دخل في مقام الإحراز وتشخيص الجهة الظاهرية ، لكن الكلام فعلاً في مرحلة الثبوت وبيان ما هو جهة الكعبة واقعاً لا في مقام الإثبات كما هو ظاهر .

   وعن الفاضل المقداد أن جهة الكعبة التي هي القبلة للنائي خط مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليين ويمرّ بسطح الكعبة ، فالمصلي حينئذ يفرض من نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخط فان وقع على زاوية قائمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعتبر 2 : 66 .

ــ[428]ــ

فذلك هو الاستقبال ، وإن كان على حادة أو منفرجة فهو إلى ما بين المشرق والمغرب(1) .

   توضيح كلامه : أنا إذا لاحظنا نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين ـ أي في الوقت الذي يعتدل فيه الليل والنهار ويتساويان ـ وفرضنا خطاً مستقيماً متصلاً بينهما على نحو يمرّ بسطح الكعبة فهذا الخط هي جهة الكعبة ، وحينئذ فالمصلي النائي لو اتجه نحو هذا الخط فان كان اتجاهه بحيث لو فرض خروج خط مستقيم من نظره متصل إلى ذاك الخط يتشكل منهما زاويتان قائمتان ـ أي يكون كل منهما بمقدار تسعين درجة ـ فذاك استقبال للجهة ، وإن كان الخط المزبور متمايلاً نحو الشرق أو الغرب بحيث يحصل من تقاطعه مع الخط الأول زاوية حادة واُخرى منفرجة فذاك من التوجه إلى ما بين المشرق والمغرب ، الذي يحكم فيه أيضاً بصحة الصلاة عند العجز عن استقبال الكعبة وجهتها .

   ولا يخفى أن هذا الذي أفاده (قدس سره) في تفسير الجهة أمر معقول في حد نفسه ولا غرابة فيه .

   والإيراد عليه بامتناع مرور الخط الخارج ما بين المشرق والمغرب الاعتداليين بسطح الكعبة لانحرافها عنه إلى الشمال في غير محله ، فانه خلط بين الخط المزبور وبين خط الاستواء ، والممتنع مروره عليه إنما هو الخط الثاني الذي طرفاه نقطتا المشرق والمغرب الحقيقيين القاسم لكرة الأرض إلى قسمين متساويين ، والحاصل من تقاطعه مع خط نصف النهار الذي طرفاه القطب الشمالي والجنوبي أربعة أقسام متساوية لكرة الأرض ، فان مثل هذا الخط يمتنع مروره بسطح الكعبة لانحراف مكة عن خط الاستواء بمقدار إحدى وعشرين ونصف درجة إلى ناحية الشمال كما اُفيد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التنقيح الرائع 1 : 178 .

ــ[429]ــ

   وأما الخط الاعتدالي المفروض في كلامه (قدس سره) فهو مغاير لخط الاستواء(1) ويتخلف عنه وينحرف إلى الجنوب أو الشمال حسب اختلاف مدارات الشمس ومثل هذا الخط يمر بسطح الكعبة لا محالة فان لكل بلد مشرقاً ومغرباً اعتدالياً يغاير البلد الآخر .

   ولتوضيح ذلك : خذ كرة وضع يديك على جانبيها من اليمين واليسار ، وافرض هاتين النقطتين ثابتتين وأوصل بينهما بخط هو خط الاستواء ، ثم حرّك الكرة نحو الجنوب يسيراً ، فلا محالة يتنازل القطب الجنوبي ويتصاعد القطب الشمالي ، ثم لاحظ نقطتي المشرق والمغرب الاعتداليين اللذين هما في القطب الشمالي وأوصل بينهما بخيط ونحوه ، ثم حرّك الكرة شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي إلى مكة فأوقفها وضع الخيط عليها ، فهذا هو الخط الاعتدالي المار على سطح الكعبة ، فاذا وقف المصلي نحو هذا الخط بحيث تتشكل زوايا قوائم فهو مستقبل لجهة الكعبة كما مر .

   كما أن الإيراد عليه ثانياً بأن لازم ذلك أن يكون جميع البلاد الشمالية بالإضافة إلى مكة قبلتها نقطة الجنوب ، حيث إن الخط الخارج من موقف المصلي إلى الخط المذكور المقاطع له على زوايا قوائم هو خط نصف النهار المفروض ما بين نقطتي الجنوب والشمال في غير محله أيضاً(2) ، فان موقف المصلي عند توجهه نحو الخط الاعتدالي المزبور لا يلزم أن يكون نقطة الشمال ، بل يمكن أن يقف ما بين الشمال والشرق ، أو بينه وبين الغرب أي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نعم هو مغاير إلا أنه مواز له ، ولا يكاد ينحرف عنه حسب الفرض من كونه اعتدالياً ،    فانّه مفروض في السماء مسامتاً لخط الاستواء المفروض في الارض ، ومثله لا تغير ولا    انحراف فيه أبداً . وما اُفيد في المتن إنما ينطبق على المشرق والمغرب غير الاعتداليين لا الاعتدالي المفروض في كلام الفاضل المقداد والذي هو محط البحث معه .

(2) بل هو في محله ، لأن تشكيل زاوية قائمة بالإضافة إلى من لا يكون في شمال مكة بل كان    منحرفاً منها إلى المشرق أو المغرب يوجب الانحراف منها إلى نقطة الجنوب لا محالة .

ــ[430]ــ

في خطوط طولية على غرار خط نصف النهار ، ومع ذلك يحصل من تقاطع الخط الخارج منه مع الخط الاعتدالي زوايا قوائم كما لا يخفى ، غايته أنّ بعض الزوايا يكون ضلعاها حينئذ أكبر من الاُخرى ، فلا ينحصر حصول الزاوية القائمة بما فرضه المعترض كي تكون القبلة نقطة الجنوب دائماً ، وهذا ظاهر .

   نعم يتوجه عليه أولاً : أن تفسير الجهة بما ذكره لا دليل عليه ، فالاجتزاء في تحقق الاستقبال بالاتجاه نحو أي نقطة من نقاط الخط الاعتدالي على نحو تتشكل منه زاوية قائمة لم يثبت بدليل شرعي ، وهي دعوى بلا برهان ، وعلى مدعيها الاثبات .

   وثانياً : أن الاتجاه نحو الخط الاعتدالي بنحو الزاوية القائمة قد يستوجب الانحراف عن الكعبة بدرجات كثيرة ، بحيث لو كانت الزاوية حادة أو منفرجة كان الاتجاه إلى الكعبة أقرب مما لو كانت قائمة ، ولا سيما في البلدان الواقعة في شرقي مكة أو غربها كجدة ونحوها التي تكون قبلتها نقطة المشرق أو المغرب تحقيقاً ، فلا يطّرد الضابط المزبور على سبيل الإطلاق كما لا يخفى .

   فتحصل : أن شيئاً من هذه الوجوه التي ذكروها لتفسير الجهة لا يرجع إلى محصل ولا يمكن المساعدة عليها .

   وأما الإشكال المتقدم الذي من أجله التزموا بكون القبلة للنائي هي الجهة دون العين ، أعني بطلان صلاة المأموم لو كان البعد بينه وبين الإمام أكثر من طول الكعبة كما تقدمت الإشارة إليه(1) فهو مبني على تخيّل موازاة الخطوط الخارجة من موقف المصلين إلى الكعبة وأن البعد بينها على حدّ سواء . وعليه يتجه الإشكال ، لكنك ستعرف أن الخطوط لابد وأن تكون غير متوازية على ما يقتضيه طبع البُعد بعد فرض كرويّة الأرض فللخطوط ميلان وانحراف غير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 426 .

ــ[431]ــ

محسوس لا محالة ، والكل تتصل بنفس الكعبة كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فيندفع الإشكال من أصله .

   وأما مقالة المحقق الأردبيلي المتقدمة(1) من عدم ابتناء أمر القبلة على التدقيق فهي في غاية الجودة والمتانة ، لكنها لا تقتضي الالتزام بالجهة والاستناد إلى المسامحة العرفية ، بل القبلة بالإضافة إلى الجميع هي نفس الكعبة تحقيقاً ، ومع ذلك لا تبتني على التدقيق ولا تتوقف على رصد وعلامات كما ذكره (قدس سره) بل هي بمثابة يعرفها كل أحد ويسهل تناولها للجميع .

   والوجه في ذلك ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في المقام(2) . وتوضيحه : أنا إذا رسمنا دائرة صغيرة ورسمنا دائرة اُخرى حولها أكبر منها بحيث يتحد مركز الدائرتين فلا محالة يكون كل جز من محيط الدائرة الصغرى محاذياً لما يسامتها من محيط الدائرة الكبرى بنسبة واحدة ، فالنصف من الصغرى محاذ للنصف من الكبرى المحيط بها ، والثلث للثلث والربع للربع ، وكذا الخمس للخمس وهكذا ، بحيث لو رسمنا خطوطاً كثيرة من ربع محيط الكبرى مثلاً فهي بأجمعها تنتهي إلى ربع محيط الصغرى في الجانب المحاذي لها ، وكلما ازداد بعد الكبرى عن الصغرى كانت جهة المحاذاة أوسع وقوس الاستقبال أكثر .

   وعليه فاذا طبقنا هاتين الدائرتين على موقف المصلي ومسجد جبهته فرسمنا حول موقفه دائرة بمقدار قطر دائرة الرأس التي هي كروية بالطبع ، ورسمنا دائرة اُخرى حوله يمر محيطها بمسجد الجبهة عند السجود فجميع دائرة الرأس محاطة بجميع الدائرة الثانية كل جزء بجزء بنسبة واحدة كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 426 .

(2) كتاب الصلاة 1 : 140 .

ــ[432]ــ

عرفت ، وبما أن نسبة قوس الجبهة التي هي المناط في تحقق الاستقبال والاتجاه نحو الشيء عرفاً إلى مجموع دائرة الرأس هي السبع تقريباً ، حيث إن عرض الجبهة المتعارفة أربع أصابع ومجموع دائرة الرأس المتعارف ثمان وعشرون إصبعاً تقريباً ، فتكون النسبة هي السبع ، فسبع دائرة الرأس مواجه لسبع الدائرة الثانية المارة بمسجد الجبهة بحيث لو رسمنا خطاً من أي جزء من أجزاء هذا السبع فهو يصل إلى ناحية من قوس الجبهة لا محالة ، فلو فرضنا اتساع الدائرة الثانية إلى أن انتهت إلى دائرة الاُفق فالنسبة هي النسبة بعينها ، أي أن قوس الاستقبال من دائرة الاُفق نسبته إليها هي السبع الذي كان نسبة قوس الجبهة إلى مجموع دائرة الرأس ، غايته أن البعد اقتضى اتساع دائرة المحاذاة ، وعليه فقوس الجبهة مواجه حقيقة لتمام سبع الدائرة من الاُفق . ومن هنا لو اتجه المصلي نحو هذا السبع من الدائرة المتضمن للكعبة ففي أي جزء من أجزائه وقعت الكعبة كان متوجهاً إليها حقيقة ومستقبلاً لعينها تحقيقاً ، من دون أية عناية ومسامحة ، لما عرفت من مواجهة جميع أجزاء السبع مع الجبهة لدى المقابلة ، غاية الأمر أن الكعبة لو كانت في وسط السبع كانت المواجهة مع وسط قوس الجبهة ، ولو كانت في يمين السبع أو يساره كان الاتجاه مع يمين الجبهة أو يسارها حسب اختلاف الدرجات .

   ومنه يظهر أن الانحراف بدرجات يسيرة كالعشرة والعشرين بل ستة وعشرين غير قادح في تحقق الاستقبال ما لم يخرج عن حدّ السبع الذي يزيد حينئذ عن ستة وعشرين درجة كما لا يخفى .

   فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الكعبة بعينها قبلة لعامة الناس ، سواء فيه القريب والبعيد كما تقتضيه ظواهر النصوص من الآيات والروايات . وهذا ـ على النحو الذي بيناه ـ أمر يسهل تناوله للجميع من دون ابتنائه على التحقيق والتدقيق ، فلا وجه للعدول عن مقتضى ظواهر النصوص إلى الجهة العرفية أو المسامحية التي لم يتضح المراد منها ولا الدليل عليها ، فلم نتعقل معنى

ــ[433]ــ

ويعتبر العلم بالمحاذاة مع الامكان (1) ، ومع عدمه يرجع إلى العلامات والأمارات المفيدة للظن (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محصلاً لشيء من ذلك وراء ما ذكرناه كما عرفت بما لا مزيد عليه .

   ومما ذكرنا يظهر أن الصفوف المتمادية مهما طالت فالكل متوجهون لعين الكعبة ، لعدم تجاوزهم حدّ السبع ، وقد عرفت أن الانحراف اليسير لا ضير فيه .

   (1) قضاءً للفراغ اليقيني الذي يقتضيه الاشتغال اليقيني .

   (2) لم يرد في شيء من روايات الباب التعرض لأمارة بالخصوص لاستعلام القبلة لدى العجز عن تحصيل العلم ما عدا الجدي ، حيث ورد الأمر بجعله في القفا أو على اليمين أو بين الكتفين على اختلاف ألسنة الأخبار ، لكن من الضروري عدم اطراد هذه العلامة في جميع الآفاق وعلى سبيل الإطلاق ، بل هي مختصة بالعراق وما والاه مما تكون قبلته نقطة الجنوب أو ما يقرب منها ، وإلا فقد يكون الجدي في يمين المصلي أو يساره أو قبال وجهه حسب اختلاف مناطق البلاد من كونها في شرق مكة أو غربها أو جنوبها كما يظهر ذلك بوضوح لمن يصلي في المسجد الحرام ، فانه لو اتجه نحو الجنوب ـ عند استقبال الكعبة ـ فالجدي على قفاه أو نحو الشمال فهو قبال وجهه ، أو نحو المشرق فعلى يساره ، أو نحو المغرب فعلى يمينه ، وبهذا المنوال يلاحظ البلدان الواقعة في طول هذه الجهات الأربع ، فان حكمها حكم المصلي في نفس المسجد .

   وبالجملة ، فلا كلية لهذه الأمارة ، مضافاً إلى ضعف هذه الروايات بأجمعها كما ستعرف إن شاء الله تعالى .

   على أنّ هذه الأمارة في مورد اعتبارها من الأمارات المفيدة للقطع ، إذ الجدي واقع في طرف الشمال ، ففي البلدان التي تكون شمالي مكة التي




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net