حكم الانحراف جهلاً إلى اليمين أو الشمال 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2717


   بقي في المقام شيء وهو أنه لا إشكال في أن الانحراف جهلاً إلى اليمين أو الشمال فضلاً عن الاستدبار موجب للاعادة لو كان الانكشاف في الوقت ، كما لا إشكال في أن الاستدبار موجب للقضاء لو كان في خارجه . وهل الانحراف إلى اليمين أو الشمال موجب للقضاء أم لا ؟ فيه خلاف ، والأقوى عدم الوجوب . وسيجيء التعرض لكل ذلك في بحث الخلل إن شاء الله تعالى .

   وعلى المختار ـ من عدم وجوب القضاء لو كان الانحراف إلى اليمين أو الشمال ـ لا يكاد يتصور انكشاف الخلاف في المقام ، أما لو كانت الجهات الممكنة التي صلى إليها ثلاثاً فظاهر ، لأنه لو صلى إلى الشمال والمشرق والمغرب مثلاً فتبين بعد الوقت أن القبلة كانت في نقطة الجنوب فالقبلة واقعة في يمين المصلي أو يساره ، إذ لم يكن البعد بينه وبينها أكثر من تسعين درجة قطعاً ، والمفروض أن الانحراف إليهما لا يوجب القضاء وإنما الموجب الاستدبار وهو غير متحقق كي ينكشف خلافه . وكذا الحال لو كانت الجهات الممكنة ثنتين ، فلنفرض الجهتين المشرق والمغرب ، فان القبلة لو كانت في نقطتي الجنوب أو الشمال كانت في يمين المصلي أو يساره اللذين لا يوجب الانحراف إليهما القضاء على الفرض ، ولو كانت بينهما وبين المشرق أو المغرب فالأمر أوضح ، لوقوعها حينئذ فيما بين المشرق والمغرب .

   وبالجملة : الموجب للقضاء على هذا المبنى إنما هو الاستدبار ، ولا

ــ[462]ــ

ويشترط أن يكون التكرار على وجه يحصل معه اليقين بالاستقبال (1) في إحداها أو على وجه لا يبلغ الانحراف إلى حد اليمين واليسار ، والأولى أن يكون على خطوط متقابلات (2) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتصور في مثله كشف الخلاف إلا إذا كان قد صلى إلى جهة واحدة لعدم سعة الوقت ثم استبان كونها خلف القبلة .

   (1) فان تكرار الصلاة إلى الجوانب الأربعة المذكورة في مرسلة خراش التي هي مستند المشهور كما تقدم(1) لا موضوعية له وإنما هو طريق لإحراز الاستقبال واليقين بوقوع الصلاة إلى القبلة ، فلابد من إيقاعها على وجه يحصل معه اليقين المزبور ، أو تكون على نحو يعلم بعدم بلوغ الانحراف إلى حد اليمين أو اليسار .

   (2) بأن تفرض الجهات في خطين متقاطعين بحيث يتشكّل منهما زوايا قوائم ، يكون البعد بين كل منها تسعين درجة .

   وجه الأولوية : أن غاية الانحراف عن القبلة حينئذ إنما هو خمس وأربعون درجة ولا يحتمل أن يكون أكثر من ذلك ، لأن القبلة إن كانت في نفس إحدى الجهات فهو ، وإن كانت فيما بينها فان كانت أقرب إلى إحدى الجهتين من الجهة الاُخرى فالانحراف عنها بمقدار يسير يقل عن خمس وأربعين درجة قطعاً ، وإن كانت النسبة من كل من الطرفين متساوية بأن وقعت في النصف الحقيقي من ربع الدائرة المتشكل منه زاوية قائمة فبما أن الربع تسعون درجة ونصفه خمس وأربعون فالانحراف لا يزيد على هذا المقدار ، ومن هنا كان اختيار هذا النحو أولى ، لكن الأولوية غير لزومية(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 437 .

(2) يمكن أن يقال إنها لزومية، فان ظاهر الأمر بالصلاة إلى أربع جهات هو تساوي بُعدها    وكونها في خطين متقاطعين على نحو الزوايا القائمة كما سيعترف السيد الاستاذ (دام ظله) بهذا الظهور والتبادر في مطاوي المسألة الثالثة عشرة الآتية [في الصفحة 469]، ويكون هذا الظهور تخصيصاً تعبدياً في أدلة «ما بين المشرق والمغرب قبلة» بالنسبة إلى هذا المورد بالخصوص. ويشهد بذلك أنه لولا ذلك للزم الاكتفاء بثلاث صلوات إلى ثلاث جهات في روايات المشهور، فكما أن الالتزام بالأربع تعبد محض كما اعترف به الاُستاذ في المقام فكذلك الالتزام بالتخصيص المزبور.

ــ[463]ــ

   [1240] مسألة 12  : لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن تكون الثانية على جهات الاُولى((1)) (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيجوز أن يصلي على خطوط غير متقابلة ، فيأتي بالأربع كيف ما اتفق مع رعاية الشرط المزبور ، أعني عدم بلوغ الانحراف إلى حدّ اليمين واليسار بأن يكون انحرافه عن القبلة أقل من تسعين درجة ، وذلك لأن المستفاد من الأدلة ومنها نفس الدليل الدال على جواز الصلاة إلى الجوانب الأربعة أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للمتحير ، ولازمه اغتفار الانحراف بما دون تسعين درجة الذي هو ربع دائرة المحيط ، ومقتضى ذلك وإن كان جواز الاكتفاء بثلاث صلوات إلى زوايا مثلث مفروض في دائرة الاُفق ، إذ البعد بين كل زاويتين منها مائة وعشرون درجة ، فغاية الانحراف حينئذ ستون درجة ، لكن النص قد دل على لزوم الأربع فيؤخذ بهذا العدد تعبداً .

   وبالجملة : فبعد البناء على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة فالصلاة إلى الجهات الأربع في خطين متقاطعين وإن تشكل منهما زوايا حادة ومنفرجة يوجب القطع بأن الانحراف عن القبلة دون تسعين درجة ، وقد عرفت اغتفار الانحراف بهذا المقدار لكن اختيار النحو الأول أولى ، لكون انحرافه أقل ، فان غايته خمس وأربعون درجة كما عرفت .

   (1) لأنه لو صلى إلى جهات اُخرى مفروضة في أوساط الجهات الاُولى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا بأس بتركه .

ــ[464]ــ

يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، لأن القبلة إن كانت في جهات الاُولى فالثانية لم تقع إلى القبلة ، وإن كانت في جهات الثانية فالاُولى فاقدة للاستقبال ، بل لو كانتا مترتبتين ـ كالظهرين والعشاءين ـ يعلم تفصيلاً ببطلان الثانية ، لفقدها إما شرط الترتيب لو كانت القبلة في الثانية أو الاستقبال لو كانت في الاُولى . هكذا ذكروا في وجه الاحتياط .

   ويظهر الخدش فيه مما مرّ آنفاً ، إذ بعد البناء على التوسعة في أمر القبلة بالنسبة إلى المتحير وأن ما بين المشرق والمغرب قبلة في حقه ـ كما يفصح عنه نفس دليل الاجتزاء بالجهات الأربع ضرورة احتمال عدم وقوع شيء من الصلوات إلى جهة القبلة وكونها واقعة فيما بين تلك الجهات ـ فلا علم ببطلان شيء من الصلاتين لا الاُولى ولا الثانية لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، بل كلتاهما محكومة بالصحة وأنها واجدة لشرط الاستقبال ، لأن الانحراف في كل منهما إلى ما دون اليمين والشمال ، وعلى كل حال فلا وجه لرعاية الاحتياط المزبور .

   ويؤيد ما ذكرناه : أن الجمع بين المترتبتين ـ كالظهرين والعشاءين ـ وإن كان جائزاً عند الخاصة كما نطقت به الأخبار وعليه عملهم في الأعصار المتأخرة حتى اليوم ، لكنه لم يكن متداولاً في الأزمنة السابقة وفي عصر المعصومين (عليهم السلام) بل كان عملهم على التفريق إما لكونه أفضل أو مماشاةً مع العامة وعدم إظهار المخالفة ، حيث إنهم يرون وجوبه ، وبما أن التحير في أمر القبلة قلّما يتفق في البلدان لوجود الأمارات والعلامات غالباً لا أقل من محاريب المسلمين ، ففرض الاشتباه مع العجز عن التحري والاجتهاد لا يكاد يتحقق إلا في مثل الصحاري والبراري عند الأسفار مع كون السماء مغيمة أو في الليل المظلم ، بحيث لا يتمكن من تشخيص جهات الاُفق ولا يتميز المشرق عن المغرب ولا يرى الشمس والقمر ، وبطبيعة الحال من صلى الظهر مثلاً إلى جهات أربع والحال هذه وهو على جناح

ــ[465]ــ

   [1241] مسألة 13  : من كانت وظيفته تكرار الصلاة إلى أربع جهات أو أقل وكان عليه صلاتان ، يجوز له أن يتمّم جهات الاُولى ثم يشرع في الثانية ، ويجوز أن يأتي بالثانية في كل جهة صلى إليها الاُولى إلى أن تتم ، والأحوط اختيار الاُولى ، ولا يجوز أن يصلي الثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاُولى ، نعم ، اذا اختار الوجه الأول لا يجب أن يأتي بالثانية على ترتيب الاُولى(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السفر وبناؤه على التفريق بينه وبين العصر المستلزم لإيقاع صلاة العصر بعد مدّة اُخرى في مكان آخر ، فهو لا يتمكن عادة من تشخيص الجهات التي صلى إليها الاُولى وإحرازها كي يصلي الثانية إلى نفس تلك الجهات ، مع أنه مأمور بإيقاع الصلاة الثانية أيضاً إلى الجهات الأربع ما دامت الحيرة باقية . وهذا أقوى شاهد على عدم لزوم رعاية اتحاد الجهات ، بل إن هذا هو مقتضى إطلاق الأدلة أيضاً ، فلا موجب لرفع اليد عن الإطلاق من دون دليل على التقييد فضلاً عن قيام الدليل على العدم كما عرفت .

   (1) الوجوه المتصورة في كيفية الإتيان بالصلاتين المترتبتين إلى الجهات الأربع أو الأقل ثلاثة :

   الأول : أن يتمم جهات الاُولى ثم يشرع في الثانية . وهذا لا إشكال في صحته ، سواء شرع في الثانية على النحو الذي شرع في الاُولى أم بخلافها كما لو بدأ بالعصر إلى الجهة التي فرغ فيها عن الظهر ، لأن الثلاثة الاُخر من باب المقدمة العلمية والواجب إنما هي صلاة واحدة ، فهو يعلم بوقوع عصر مترتبة على الظهر كل منهما إلى القبلة على كل حال كما هو ظاهر .

   الثاني : وهو بازاء الوجه الأول ، أن يصلي الثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاُولى ، كما لو صلى الظهر إلى الشمال مثلاً والعصر إلى المغرب أو الجنوب ، وقد حكم في المتن ببطلان هذا الوجه ، للعلم بفساد الثانية حينئذ ،

ــ[466]ــ

إما لفقد الاستقبال لو كانت القبلة في الجهة الاُولى ، أو لفقد الترتيب لو كانت في الثانية .

   وهذا الذي أفاده (قدس سره) وجيه في الجملة لا على سبيل الإطلاق ، لما عرفت في المسألة السابقة من أنّ الانحراف بما دون تسعين درجة غير ضائر ، لأن ما بين المشرق والمغرب قبلة للمتحير .

   وعليه فان صلى الثانية إلى جهة مقابلة للجهة الاُولى ـ كأن صلاهما إلى نقطتي الشمال والجنوب أو المشرق والمغرب ـ تم ما أفاده (قدس سره) لأنّ البعد بين النقطتين حينئذ مائة وثمانون درجة ، فيعلم لا محالة بالانحراف في إحدى الصلاتين بمقدار تسعين درجة أو أكثر ، فتكون فاقدة لشرط الاستقبال لعدم وقوعها ما بين المشرق والمغرب ، فيعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين ، بل تفصيلاً ببطلان الثانية ، لفقدها الاستقبال أو الترتيب كما اُفيد .

   وأما إذا صلى الثانية إلى جهة غير متقابلة مع الجهة التي صلى إليها الاُولى فكان البعد أقل مما ذكر ـ كما لو صلى الاُولى إلى الشمال مثلاً ، والثانية إلى المشرق أو المغرب ـ فلا علم بالبطلان في شيء منهما ، لعدم العلم بالانحراف بمقدار تسعين درجة ، بل لو كانت القبلة فيما بين الجهتين فغاية الانحراف حينئذ خمس وأربعون درجة ، فتكون كلتاهما محكومة بالصحة لوقوعهما فيما بين اليمين واليسار كما عرفت . فالظاهر صحة الإتيان بالمترتبتين على هذا الوجه أيضا ، هذا .

   ولكن سيدنا الاُستاذ (دام ظله) عدل بعد ذلك عما أفاده في المقام فحكم بالبطلان في هذه الصورة تبعاً للمتن ، وأفاد (دام ظله) في وجهه : أنّ العصر إذا لم تقع في الجهة التي صلى إليها الظهر ، بل كان منحرفاً ولو بمقدار يسير كعشر درجات أو أقل فضلاً عن خمس وأربعين لم يحرز ترتب العصر على الظهر الصحيحة ، لاحتمال أن تكون العصر منحرفة عن القبلة بمقدار تسع وثمانين درجة مثلاً ، بحيث يكون الانحراف عن هذا الحد إلى الجانب الذي صلى الظهر ولو بدرجة واحدة موجباً للانحراف عن القبلة بتسعين درجة ، فحيث

ــ[467]ــ

يحتمل انحراف الظهر عن القبلة بتسعين أو أكثر فلم يحرز صحتها ، ومعه لا يمكن الدخول في العصر ، لعدم إحراز شرط الترتيب بعد احتمال بطلان الظهر لكونها إلى غير القبلة ، وهكذا الحال في الصلاة إلى بقية الجهات(1) فلا بد من وقوع العصر إلى نفس الجهة التي صلى إليها الظهر فتأمل جيداً .

   الثالث : أن يأتى بالثانية في كل جهة صلى إليها الاُولى إلى أن تتم ، فيصلي الظهر إلى الشمال مثلاً وبعدها العصر ، ثم يصلي الظهر إلى الشرق وبعدها العصر ، وهكذا إلى أن تتم الجهات .

   وقد يناقش في ذلك من وجهين :

   أحدهما : عدم إحراز شرط الترتيب المعتبر في صلاة العصر حين الإتيان بها ، لاحتمال أن تكون الجهة غير القبلة ، وما لم يحرز الترتيب لا يشرع الدخول فيها .

   ويدفعه : أنّ الجهة التي صلى إليها الظهر إن كانت هي القبلة . فالعصر مترتبة عليها ، وإلا فكلتا الصلاتين باطلة ، فهو محرز للترتيب على تقدير الصحة . وبعبارة اُخرى : إنما يعتبر الترتيب في صلاة عصر صحيحة مأمور بها دون ما لم يتعلق به الأمر ، وإنما جيء به من باب المقدمة العلمية ، الأجنبية عن ذات المأمور به بالكلية ، فصلاة العصر إن كانت صحيحة مأموراً بها لكونها إلى القبلة فقد وقعت الظهر إليها أيضاً ، فهو محرز للترتيب قطعاً لوقوعهما في جهة واحدة على الفرض ، وإلا فليست هي من حقيقة الصلاة في شيء لكون القبلة من الأركان ، وهذا عمل عبث ولغو بصورة الصلاة ، ولا دليل على اعتبار الترتيب في غير الصلاة المأمور بها كما هو ظاهر جداً .

   ثانيهما : عدم الجزم بالنية عند الشروع في العصر فلا يتمشى منه قصد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نعم ، ولكنه بعد الفراغ من الجهات يعلم إجمالاً بوقوع ظهرين صحيحتين ومترتبتين في    إحداها كما لا يخفى .

ــ[468]ــ

القربة بعد احتمال البطلان وعدم تعلق الأمر به ، الناشئ من احتمال فقد شرط الترتيب .

   وفيه : أنّ الجزم بالنية غير حاصل حتى مع إحراز الفراغ من الظهر باستكمال جهاتها والشروع في العصر بعد ذلك كما في الصورة الاُولى ، لاحتمال كون القبلة في غير الجهة التي شرع فيها ، غايته أنّ عدم الجزم هناك لاحتمال فقد الاستقبال الذي لا يكون معه الأمر حينئذ ، وفي المقام لهذه الجهة ولاحتمال فقد الترتيب ، ولا فرق في عدم الجزم بين أن ينشأ من جهة أو من جهتين بالضرورة ، مع أنه لا ريب في الصحة في تلك الصورة كما تقدم ، هذا نقضاً .

   وأما الحلّ : فهو أنه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية في صحة العبادة ، بل يكفي مجرد الإضافة إلى المولى ولو لاحتمال الأمر والإتيان بقصد الرجاء ، فيصلي العصر في كلتا الصورتين برجاء المحبوبية وباحتمال الأمر . وأما الترتيب فهو وإن لم يحرز في المقام عند الشروع في العصر لاحتمال كون الذمة مشغولة بعدُ بالظهر ، لكنه بعد استكمال الجهات في كلتا الصلاتين يقطع بحصوله وترتب عصر صحيحة بعد ظهر كذلك ، وإن لم يميزهما من بين الجهات ، إذ لا دليل على اعتبار التمييز ولا الجزم بالنية كما قرر في محله(1) .

   وفذلكة الكلام في المقام : أنه بناءً على ما ذكرناه سابقاً(2) من إمكان تحصيل العلم بالقبلة عيناً بالتوجّه إلى سبع دائرة الاُفق المتضمن للكعبة ، لابدّ في تحصيل الجزم بالاستقبال لدى الاشتباه من تكرار الصلاة إلى جهات سبع بتقسيم دائرة الاُفق إلى أقواس سبعة والصلاة إلى كل قوس منها .

   كما أنه بناء على الاجتزاء عند الاشتباه بالصلاة إلى ما بين اليمين واليسار الراجع إلى اغتفار الانحراف بما دون تسعين درجة ، يجزئه التكرار إلى ثلاث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح العروة 1 : 50 .

(2) في ص 431 .

ــ[469]ــ

جوانب ، فيقسم دائرة الاُفق إلى ثلاثة أقواس ويصلي في كل قوس ، إذ البعد بين كل قوس حينئذ مائة وعشرون درجة ، فغاية الانحراف ستون درجة الذي هو أقل من التسعين .

   وأما إذا بنينا على وجوب التكرار إلى جهات أربع استناداً إلى مرسلة خراش المتقدمة(1) كما عليه المشهور ، فحيث إنّ المتبادر منها أن تكون الجهات متقابلة فيستفاد منها أنّ غاية الانحراف المغتفر لدى الاشتباه إنما هو بمقدار خمس وأربعين درجة ، ضرورة أنّ التكرار لدى تقابل الجهات يوجب القطع بعدم الانحراف عن القبلة أكثر من هذا المقدار ، إذ البعد بين كل جهة واُخرى تسعون درجة الذي هو ربع دائرة الاُفق فنصفه خمس وأربعون ، فان كانت القبلة أقرب إلى جهة منها إلى الاُخرى كان الانحراف أقل من خمس وأربعين بالضرورة ، وإلاّ بأن كانت في الوسط الحقيقي بين الجهتين فكانت النسبة متساوية من الجانبين ، كان الانحراف خمساً وأربعين درجة لا أكثر كما هو ظاهر .

   وهذه الوجوه المذكورة في هذه المسألة كلها مبنية على هذا المبنى الأخير ، أي لزوم عدم الانحراف عن القبلة أكثر من خمس وأربعين الذي هو لازم مسلك المشهور كما عرفت .

   وحينئذ نقول : المتعين من بين الوجوه الثلاثة المتقدمة(2) إنما هو الوجه الأول والأخير ، بأن يشرع في الثانية بعد استكمال جهات الاُولى ، سواء صلى إلى نفس تلك الجهات أو إلى جهات اُخرى متقابلات كما أشرنا إلى هذا التعميم في المسألة السابقة ، أو أن يصلي الثانية في كل جهة صلى إليها الاُولى .

   وأما الوجه الثاني ، وهو الإتيان بالثانية في غير الجهة التي صلى إليها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 437 .

(2) في ص 465 .

ــ[470]ــ

الاُولى الذي هو ثالث الوجوه في المتن فغير جائز ـ كما عليه الماتن ـ مطلقاً وإن كان انحراف كل جهة عن الاُخرى يسيراً جداً ، للعلم ببطلان العصر في بعض الصور ، وعدم الجزم بحصول الترتيب في البعض الآخر حتى بعد استكمال الجهات .

   وبيانه : أنه إذا صلى العصر إلى جهة تبعد عن الجهة التي صلى إليها الظهر أكثر من تسعين درجة في جميع الأطراف مع حفظ تقابل الجهات الذي هو محل الكلام ، بأن صلى الظهر إلى نقطة الشمال مثلاً ثم صلى العصر بعد ذلك إلى ما بين الجنوب والمغرب ثم صلى الظهر الثانية إلى المغرب ، والعصر إلى ما بين الجنوب والمشرق ، والظهر الثالثة إلى الجنوب والعصر إلى ما بين المشرق والشمال ، والظهر الرابعة إلى المشرق والعصر إلى ما بين الشمال والمغرب ، فانه يعلم حينئذ تفصيلاً ببطلان العصر الاُولى إما لعدم الاستقبال أو لفقد الترتيب ، إذ المفروض أن البعد بين الجهتين أكثر من تسعين درجة ، وقد بنينا على عدم اغتفار الانحراف عن القبلة أكثر من خمس وأربعين درجة ، وحينئذ فان كانت الظهر الاُولى إلى القبلة بالمعنى المتقدم أي لم يكن البعد عنها أكثر من خمس وأربعين كانت العصر إلى غير القبلة قطعاً ، لامتناع أن لا تكون بعيدة عنها حينئذ أكثر من هذا المقدار كما هو ظاهر فتبطل لفقد الاستقبال ، وإن كانت العصر إلى القبلة كانت الظهر إلى غيرها ، لعين ما ذكر فتبطل وبتبعه تبطل العصر أيضاً لفقد الترتيب ، فالعصر باطلة على كل حال لفقدها أحد الشرطين من الاستقبال أو الترتيب .

   وكذا الحال في العصر الثانية بعين البيان المتقدم .

   وأما العصر الثالثة الواقعة ما بين المشرق والشمال فتحتمل فيها الصحة ، لاحتمال كون القبلة ما بين الشمال والمشرق فتكون هذه العصر مع الظهر الاُولى إلى القبلة ، وقد حصل الترتيب بينهما .

   وكذا العصر الواقعة ما بين الشمال والمغرب ، لاحتمال كون القبلة بينهما فتكون هي مع الظهر الاُولى بل الثانية أيضاً إلى القبلة ، إذ لا يزيد انحراف كل

ــ[471]ــ

منهما عن القبلة على خمس وأربعين درجة ، والترتيب حاصل بينهما ، لكن ذلك مجرد احتمال لا جزم معه بالامتثال ، لاحتمال كون القبلة في نقطة الجنوب مثلاً فلم يحرز الترتيب ووقوع عصر بعد ظهر كلاهما إلى القبلة .

   وأما إذا صلى العصر إلى جهة تبعد عن الظهر بمقدار تسعين درجة تحقيقاً كما لو صلى الظهر إلى الشمال والعصر إلى المغرب ، والظهر الثانية إلى المغرب والعصر إلى الجنوب ، والثالثة إلى الجنوب والعصر إلى المشرق ، والرابعة إلى المشرق ، والعصر إلى الشمال ، فلا جزم بالبطلان حينئذ في شيء من الصلوات ، لاحتمال كون القبلة في أوساط الجهات تحقيقاً فيكون بُعدُ الجهتين اللتين صلى إليهما الظهر والعصر عنها خمساً وأربعين درجة ، وهو مغتفر على الفرض لكنه لا جزم بالصحة أيضاً ، لاحتمال أن تكون القبلة منحرفة عن الشمال إلى المغرب مثلاً بأكثر من خمس وأربعين درجة ، بأن كانت على رأس خمسين درجة مثلاً ، فان الظهر الاُولى تبطل حينئذ لفقد الاستقبال وبتبعه تبطل العصر الاُولى لفقد الترتيب . وأما الظهر الثانية فهي وإن كانت صحيحة لأن انحرافها عن القبلة أربعون درجة لكنه لا تأتي بعد ذلك عصر صحيحة أبداً ، لكونها منحرفة عن القبلة أكثر من خمس وأربعين درجة قطعاً فلاحظ .

   ومن ذلك يظهر أنه لو صلى العصر إلى غير الجهة التي صلى إليها الظهر فكان منحرفاً عن تلك الجهة ولو بمقدار عشر درجات فضلاً عن الأكثر من ذلك ، لا يمكن معه إحراز صحة العصر في شيء من الجهات ، فلو صلى الظهر إلى الشمال والعصر منحرفاً عنه إلى المغرب بعشر درجات ثم صلى الظهر الثانية إلى المغرب والعصر منحرفاً إلى الجنوب بعشر درجات وكذا الظهر الثالثة والرابعة إلى الجنوب والمشرق مع تأخر العصر بعشر درجات لا يمكن الجزم بصحّة العصر ، لاحتمال أن تكون القبلة منحرفة عن الشمال إلى المغرب بمقدار خمسين درجة ، فان الظهر الاُولى تبطل حينئذ ، لكون الانحراف أكثر من خمس وأربعين درجة ، وبتبعه تبطل العصر الاُولى لفقد




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net