كيفية الصلاة إلى الجهات الأربع - صور تعذّر تكرار الصلاة إلى جميع الجهات 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1855


ــ[472]ــ

   [1242] مسألة 14  : من عليه صلاتان كالظهرين مثلاً مع كون وظيفته التكرار إلى أربع إذا لم يكن له من الوقت مقدار ثمان صلوات بل كان مقدار خمسة أو ستة أو سبعة ، فهل يجب اتمام جهات الاُولى وصرف بقية الوقت في الثانية أو يجب إتمام جهات الثانية وايراد النقص على الاُولى ؟ الاظهر الوجه الاول ويحتمل وجه ثالث وهو التخيير ، وإن لم يكن له إلا مقدار أربعة أو ثلاثة ، فقد يقال بتعين الاتيان بجهات الثانية وبكون الاُولى قضاءً ، لكن الأظهر وجوب الاتيان بالصلاتين وايراد النقص على الثانية كما في الفرض الأول ، وكذا الحال في العشاءين (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترتيب ، وإن كانت هي صحيحة من حيث الاستقبال لكون الانحراف حينئذ أربعين درجة . وأما الظهر الثانية فهي وإن صحّت لكون انحرافها عن القبلة أربعين درجة لكن العصر الثانية باطلة ، لأن انحرافها خمسون درجة ، وأما العصر الثالثة والرابعة فانحرافهما أزيد بكثير فلم يترتب على الظهر الثانية عصر صحيحة ، والعصر السابقة عليها وإن صحت من حيث القبلة لكنها فاقدة للترتيب كما عرفت .

   فظهر من جميع ما ذكرناه أنه لا يكاد يحصل الجزم بالامتثال إلا بأن يصلي العصر إلى عين الجهة التي صلى إليها الظهر ، أو أن يشرع فيها بعد استكمال جهات الظهر كما كان في الوجه الأول ، ولا يجوز الإتيان بالثانية إلى غير الجهة التي صلى إليها الاُولى ، للقطع ببطلان العصر حينئذ في بعض التقادير ، وعدم الجزم بصحتها في التقادير الاُخر كما أوضحناه بما لا مزيد عليه .

   هذا غاية ما بنى عليه سيدنا الاُستاذ (دام ظله) أخيراً عند تخرجه عن المسألة بعد أن أطال المقام وعدل كرة بعد اُخرى .

   (1) إذا اشتبهت القبلة في جهات أربع وقلنا بوجوب التكرار إليها كما عليه المشهور ، وكان عليه صلاتان مترتبتان كالظهرين ، فاما أن يتمكن من تحصيل

ــ[473]ــ

الموافقة القطعية بالإضافة إلى كلتا الصلاتين كما لو بقي من الوقت مقدار ثمان صلوات أو أكثر ، أو يتمكن من تحصيلها بالإضافة إلى إحدى الصلاتين دون الاُخرى كما لو لم يسع الوقت لثمان ، بل كان مقدار سبع صلوات أو ست أو خمس ، أو لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية لشيء منهما بل كانت الموافقة في كلتيهما احتمالية كما لو بقي مقدار أربع صلوات أو أقل ، فصور المسألة ثلاث(1) :

   أما الصورة الاُولى فلا إشكال في وجوب تحصيل الموافقة القطعية لكل منهما بعد فرض سعة الوقت والتمكن من ذلك . وفي كيفية الامتثال وجوه تقدمت في المسألة السابقة ، وقد عرفت أنّ المتعين منها وجهان : الشروع في الثانية بعد استكمال جهات الاُولى ، أو الإتيان بهما معاً في كل جهة . وأما الإتيان بالثانية في غير الجهة التي صلى إليها الاُولى فغير جائز كما مر .

   وأما الصورة الثانية ـ أعني ما إذا لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية إلا في إحداهما دون الاُخرى ، كما لو بقي من الوقت مقدار خمس صلوات أو أزيد دون الثمان ـ فلا إشكال حينئذ في وجوب صرف ما عدا الأربع الأخيرة ـ وهي الاُولى لو كانت خمساً ، وهي مع الثانية لو كانت ستاً ، وهما مع الثالثة لو كانت سبعاً ـ في الظهر ، لفعلية أمرها وعدم جواز تقديم العصر عليها اختياراً كما هو ظاهر .

   كما لا إشكال في وجوب صرف الصلاة الأخيرة في العصر للقطع بسقوط الأمر بالظهر حينئذ ، إما بالامتثال لو كانت القبلة في الجهات التي صلى إليها الظهر ، أو لخروج وقتها لو لم تكن فيها ، فان مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بصلاة العصر قطعاً .

   إنما الكلام في الثلاث المتوسطة المتخللة بين الأخيرة من الصلوات وما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [تنحلّ الصورة الثانية إلى صورتين كما يأتي في ص 478 ، فالصور أربع] .

ــ[474]ــ

تقدمها ، وأنها هل تصرف في الظهر بمقدار تحصل معه الموافقة القطعية بالنسبة إليها فيورد النقص على العصر ويقتصر فيها على الموافقة الاحتمالية كما اختاره في المتن ، أو يعكس فتصرف في العصر ويورد النقص على الظهر فتكون الموافقة فيها احتمالية وفي العصر قطعية ، أو يتخير بين الأمرين لعدم ترجيح في البين كما احتمله في المتن ؟ وجوه .

   قد يقال ـ كما عن الشهيد(1) ـ بتقديم العصر ، بدعوى أنّ المراد بوقت الاختصاص الوقت الذي تؤتى فيه الفريضة بمقدماتها العلمية ، فمصداق الوقت المزبور يختلف حسب حالات المكلف ، فعند تبين القبلة مقدار أربع ركعات ، وعند الاشتباه ستة عشرة ركعة من أول الوقت للظهر ومن آخره للعصر .

   وهذه الدعوى ساقطة قطعاً ، ضرورة انصراف وقت الاختصاص بل ظهور دليله في إرادة ذات الفريضة أو هي مع مقدماتها الوجودية على كلام ، من غير فرق بين صورتي العلم والجهل ، وأما المقدمات العلمية الأجنبية عن ذات المأمور به بالكلية إنّما يؤتى بها تحصيلاً للقطع بالفراغ فلا مساس لها بوقت الاختصاص كما هو ظاهر جداً .

   وقد يقال بتقديم الظهر من أجل كونها مقدمة على العصر بحسب الرتبة .

   وهذا أيضاً يتلو سابقه في الضعف ، إذ فيه ـ بعد الغض عن أن التقدم الرتبي لا محصل له في المقام كما لا يخفى ـ أن تقدم ذات الظهر على العصر خارجاً لا يستوجب تقديم امتثال إحداهما على الاُخرى بعد كون وجوبيهما فعليين عرضيين وفي مرتبة واحدة من دون ترجيح لأحدهما على الآخر .

   فمن هنا قد يقوى في النظر بدواً القول بالتخيير كما هو الشأن في كل واجبين متزاحمين لم يتمكن المكلف من امتثالهما أو لم يتمكن من تحصيل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [لم نعثر عليه للشهيد الأول ولعله الشهيد الثاني ، راجع روض الجنان : 194 ـ   السطر 14] .

ــ[475]ــ

الموافقة القطعية إلا في أحدهما ، بعد فرض تساوي الوجوبين في الملاك وعدم احتمال أهمية أحدهما بالنسبة إلى الآخر ، فان المكلف مضطر حينئذ إلى ترك واحد منهما لا محالة فيتخير في اختيار أيّ منهما شاء .

   هذا ، ولكن التأمل يقضي بخلاف ذلك والذهاب إلى التفصيل بتقديم جانب الظهر في تقدير ، والحكم بالتخيير في تقدير آخر ، فان الكبرى المزبورة وإن كانت مسلّمة لكنها غير منطبقة على المقام بنحو الإطلاق ، وذلك لأن صلاة العصر تمتاز عن الظهر باعتبار الترتيب فيها دونها ، ولا شك أن هذا حكم واقعي محفوظ في صورتي العلم بالقبلة والجهل بها ، فتجب رعايته في الوقت المشترك مهما أمكن ، بحيث لو بقي من الوقت مقدار صلاتين فضلاً عن الأكثر لا يجوز الإخلال به عمداً ، بل يجب الإتيان بالعصر على نحو لو صحّت فهي واجدة للترتيب .

   وعليه فاذا كان الباقي من الوقت مقدار خمس صلوات أو ست فهو وإن كان متمكناً من تحصيل الموافقة القطعية بالإضافة إلى الظهر بالصلاة إلى الجهات الأربع ، لكنه لا يتمكن منها بالنسبة إلى العصر ، إذ لو صلى الظهر إلى الجهة أو الجهتين وخص الأربع الأخيرة بالعصر لم يحرز سقوط الأمر به ، لاحتمال كون القبلة في غير الجهة التي صلى إليها الظهر فتبطل ، ويوجب فساد العصر أيضاً لفقد الترتيب ، فلا جزم بحصول الترتيب المعتبر في صحة العصر فلا قطع بالامتثال .

   وبالجملة : إنما يجوز الإتيان بمحتملات العصر فيما إذا علم عند الشروع فيها أنه لم يخل بالترتيب عمداً وأنه لو أتى بالعصر إلى القبلة فهو مترتب على الظهر ، وهذا لا يتحقق فيما لو صرف الجهة أو الجهتين في الظهر وصرف الباقي في العصر ، لاحتمال أن لا تكون تلك الجهة إلى القبلة فيكون مكلفاً واقعاً باتيان الظهر ، لأن الوقت المشترك باق بعدُ والوقت يسع لهما مترتبتين ، فالأمر الواقعي برعاية الترتيب منجّز في حقه كما عرفت ، فلو صرف الوقت

ــ[476]ــ

في العصر يحتمل أن يكون مخلاً بالترتيب عمداً فلا تحصل بذلك الموافقة القطعية لصلاة العصر بالضرورة ، فلا مناص له حينئذ إما من صرف الأربعة الاُولى في الظهر والباقي في العصر ، فتحصل بذلك الموافقة القطعية للظهر والاحتمالية للعصر ، أو يصرف بعضها في الظهر وبعضها في العصر بأن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يصليهما إلى جهة ثانية ، ثم يصلي العصر إلى جهة ثالثة لو كانت الصلوات خمساً أو هي مع الظهر لو كانت ستاً فتحصل الموافقة الاحتمالية في كل منهما . ولا ريب أنه كلّما دار الأمر بين تحصيل الموافقة القطعية لتكليف والاحتمالية لآخر ، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما ، كان الأول أولى في نظر العقل . وعليه فيتعين الصرف في الظهر وإيراد النقص على العصر .

   نعم لو كان الباقي من الوقت مقدار سبع صلوات يمكن حينئذ تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين على البدل ، أما بالنسبة إلى الظهر فظاهر ، وأما بالإضافة إلى العصر فبأن يصلي الظهر والعصر معاً في جهات ثلاث ، ثم يصلي العصر في الجهة الرابعة ، أو يصلي الظهر أوّلاً إلى ثلاث جهات ، ثم يصلي العصر في الجهات الأربع مخيراً في الابتداء بأي منهما شاء ما عدا الجهة الأخيرة التي لم يصل إليها الظهر ، إذ لو بدأ بها لم يحرز رعاية الترتيب ، لاحتمال كون القبلة في نفس هذه النقطة ، والمفروض عدم وقوع الظهر إليها فيكون مخلاً بالترتيب مع بقاء الوقت المشترك وتنجز الحكم الواقعي المحفوظ في صورتي العلم والجهل كما مرّ ، فلا يكون مثله محققاً للاحتياط ومحصلاً للموافقة القطعية ، فاللازم إبقاء هذه الجهة إلى الصلاة الأخيرة فيصرف رابعة العصر فيها ، فانه يقطع حينئذ بعدم الإخلال بالترتيب ، لأن القبلة إن كانت في غيرها فقد صلى الظهر والعصر إليها مترتبتين ، وإن كانت فيها فبما أن هذا وقت الاختصاص فالترتيب ساقط جزماً ، فلا يكون مخلاً بالترتيب على أي حال .

ــ[477]ــ

   وإن شئت فقل : إنّا نقطع بسقوط الأمر بالظهر في هذا الحين ، إما بالامتثال لو كانت القبلة في الجهات السابقة ، أو بخروج الوقت لو لم تكن فيها ، فانّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بصلاة العصر ، فلا يكون هناك إخلال بالترتيب من ناحية المكلف قطعاً .

   وبالجملة : فيمكن تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين لا بعينها في هذه الصورة ، أعني فيما لو بقي من الوقت مقدار سبع صلوات عند مراعاة الشرط المزبور دون الصورة السابقة ـ وهي ما لو بقي مقدار ست صلوات أو خمس ـ فتنطبق الكبرى المتقدمة حينئذ ويحكم بالتخيير ، لكون الوجوبين عرضيين من دون ترجيح في البين وعدم احتمال أهمية إحدى الصلاتين من الاُخرى .

    وما يقال : من لزوم تقديم الظهر في هذه الصورة أيضاً بدعوى أنه وإن لم تحرز أهمية إحدى الصلاتين من الاُخرى ، إلا أن الظهر لما كانت شرطاً في صحة العصر بمقتضى الترتيب المعتبر بينهما ، فالأمر بالعصر يدعو إلى فعل الظهر كما يدعو إلى فعل العصر ، فقد تعلق بالظهر أمران أمر بها بنفسها وأمر آخر ينشأ من قبل الأمر بالعصر لكونها مقدمة لها ، فالإتيان بالظهر امتثال لأمرها ولأمر العصر معاً . وعليه فلا يجوّز العقل فعل العصر وترك الظهر ، إذ ليس في فعلها الا امتثال وجوبها لا غير ، وهذا المقدار كاف في الترجيح .

   مدفوع أوّلاً : بعدم اتصاف المقدمة بالوجوب الغيري كما حقق في الاُصول(1) ، فلم يتعلق بالظهر إلا أمر واحد كالعصر .

   وثانياً : لو سلم فالتحقيق أنّ الواجب إنما هي المقدمة الموصلة دون غيرها ، ولا علم بالإيصال في المقام ، بل قد تكون المقدمة مفوّتة لذيها لا موصلة إليها ، كما لو استكمل جهات الظهر الأربع وصلى العصر بعد ذلك إلى جهات ثلاث وكانت القبلة ـ واقعاً ـ في الجهة الرابعة التي لم يصل إليها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 436 .

ــ[478]ــ

العصر ، فان الإتيان بالظهر في هذه الجهة مفوّت لإتيان العصر إليها ، إذ المفروض عدم سعة الوقت لأكثر من سبع صلوات ، فالإتيان بالمقدمة ربما يؤدي إلى انهدام ذي المقدمة وتفويته رأساً فضلاً عن أن توصل إليه .

   وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ الأقوى في هذه الصورة التخيير ، وفي الصورة السابقة ترجيح الظهر على العصر .

   ومحصل الكلام : أن صور المسألة أربع :

   الاُولى : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لكلتا الصلاتين ، كما لو بقي من الوقت مقدار ثمان صلوات أو أكثر ، وحكمها ظاهر كما مر .

   الثانية : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لإحدى الصلاتين لا بعينها ، وهذا فيما إذا بقي من الوقت مقدار سبع صلوات . والحكم هنا التخيير ، لتزاحم الواجبين العرضيين من دون ترجيح في البين ، كما هو الشأن في كل تكليفين كذلك كما عرفت .

   الثالثة : ما إذا تمكن من تحصيل الموافقة القطعية لخصوص الظهر ، وأما العصر فاحتمالية ، كما لو بقي من الوقت مقدار ست صلوات أو خمس واللازم حينئذ تقديم الظهر وإيراد النقص على العصر ، لدوران الأمر بين الموافقة القطعية لأحد التكليفين والاحتمالية للآخر ، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما ، ولا شك أنّ الأول أولى كما تقدم .

   وأما عكس هذه الصورة فلا يكاد يتصور كما لا يخفى .

   الصورة الرابعة : ما إذا لم يتمكن من تحصيل الموافقة القطعية في شيء منهما ، بل كانت في كل منهما احتمالية كما لو بقي من الوقت مقدار أربع صلوات فما دون .

   أما إذا كان الباقي مقدار صلاتين فلا ينبغي الإشكال في تعين صرف الأول في الظهر ، والثاني في العصر ، لأن مقدار الوقت المشترك بعدُ باق ، فالأمر الواقعي بالترتيب ـ المحفوظ في صورتي العلم بالقبلة والجهل بها كما تقدم ـ غير ساقط ، فلا يجوز صرف الأول في العصر ، للقطع بالإخلال بالترتيب

ــ[479]ــ

حينئذ . كما لا يجوز صرف الثاني في الظهر ، لكونه وقتاً مختصاً بالعصر كما مرّ .

   ودعوى لزوم صرفهما في العصر ، لأن المراد بوقت الاختصاص فعل الفريضة بمحتملاتها من الأربع فما دون كما عن الشهيد (قدس سره) قد عرفت فسادها .

   وبالجملة : لا مجال لصرفهما في العصر لاستلزامه الإخلال بالترتيب ، كما لا مجال لصرفهما في الظهر لمنافاته لوقت الاختصاص ، فيتعين التوزيع بصرف الأول في الظهر والثاني في العصر ، فتحصل بذلك الموافقة الاحتمالية لكل منهما . ولا فرق في ذلك بين الإتيان بهما في جهة واحدة أو جهتين ، لسقوط الترتيب(1) عند الشروع في الثاني الذي هو وقت مختص بالعصر ، فلا يحتمل الإخلال به وإن تعددت الجهة كما لا يخفى .

   وأما إذا كان الباقي مقدار ثلاث صلوات فلا إشكال في لزوم صرف الأول في الظهر والأخير في العصر كما علم مما مرّ آنفاً ، إنما الكلام في المتخلل بينهما فهل يصرف في الظهر ويورد النقص على العصر كما اختاره في المتن ، أم يعكس ، أم يتخير ؟

   الأقوى هو الأخير ، إذ لا يتيسّر للمكلف أكثر من الموافقة الاحتمالية في كل منهما ـ على الفرض ـ وبما أنّ الوجوبين عرضيان وفي حدّ سواء من دون ترجيح في البين ، ولا احتمال لأهمية إحدى الصلاتين ، فاللازم هو التخيير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم يظهر وجه لسقوط الترتيب في وقت الاختصاص مطلقاً ، وإنما يسقط إذا لم يأت بالظهر  رأساً دون ما إذا أتى ببعض محتملاتها كما في المقام . وعليه فبما أن الظهر المأتي بها يحتمل صحتها ووقوعها إلى القبلة ويمكنه رعاية الترتيب في هذا التقدير بأن يصلي العصر إلى نفس جهة الظهر لم يكن معذوراً في تعمد الإخلال به بالإتيان بها إلى جهة اُخرى .

   وبعبارة اُخرى : إن صلى العصر إلى نفس جهة الظهر احتمل تحقق الترتيب ، وإن صلى إلى    غيرها قطع بعدمه ، ولا ريب في أن الأول أولى . ومنه تعرف أن اختيار الجهة الواحدة    لكلتا الصلاتين إن لم يكن أقوى فلا ريب أنه أحوط .

ــ[480]ــ

في إيراد النقص على أي منهما شاء ، فله أن يصلي الظهر أوّلاً إلى جهة ، ثم ثانياً إلى جهة اُخرى ، ثم يصلي العصر حيث شاء فيورد النقص عليها ، كما له إيراد النقص على الظهر فيصلّيها إلى جهة ثم يأتي بعصرين إلى جهتين ، لكن اللازم حينئذ أن يأتي بالعصر الاُولى إلى الجهة التي صلى إليها الظهر ، إذ لو صلاها إلى جهة اُخرى لم يكن محرزاً للترتيب اللازم رعايته بعد بقاء الوقت المشترك كما مرّ ، لاحتمال كون القبلة في نفس هذه النقطة التي صلى إليها العصر فتكون الظهر الاُولى فاسدة ومفسدة للعصر أيضاً لفوات الترتيب .

   نعم ، لا جزم بالبطلان ، لاحتمال كون القبلة في الوسط الحقيقي بين الجهتين فتكون العصر الاُولى مع الظهر السابقة كلاهما إلى القبلة ، لعدم كون الانحراف في شيء منهما أكثر من خمس وأربعين درجة ، فيحصل بذلك الترتيب أيضاً ، إلا أنّ هذا مجرد احتمال معارض باحتمال الخلاف ، ولابد من الإتيان بعصر يحرز معه الترتيب لو كان إلى القبلة ، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان في نفس الجهة التي صلى إليها الظهر . وأما العصر الثانية فحيث إن الترتيب ساقط فيها لأجل وقت الاختصاص كما مرّ غير مرة ، فله الإتيان بها في أي جهة شاء .

   ومما ذكرنا يظهر الحال فيما لو بقي من الوقت مقدار أربع صلوات فان الأول والأخير مختص بالظهر والعصر ، وفي الثنتين المتخللتين مخير بين الأمرين ، فله الصرف في الظهر فيأتي بالظهر إلى ثلاث جهات ثم بالعصر حيث شاء ، وله الصرف في العصر فيصلي الظهر والعصر إلى جهة ثم يأتي بعصرين في جهتين ، وليس له الإتيان بالعصر الاُولى في غير الجهة التي صلى إليها الظهر كما علم وجهه مما مرّ آنفاً . وله التوزيع بصرف ثنتين في الظهر وثنتين في العصر ، بأن يصلي الظهر والعصر إلى جهة ، ثم يصليهما معاً إلى جهة اُخرى ، أو يصلي الظهر أوّلاً إلى جهة ثم ثانياً إلى جهة اُخرى ، ثم يأتي بعصرين ، لكن في هذه الصورة وإن كان مخيراً بالإتيان بالعصر الثانية حيث شاء ، إلا أن العصر الاُولى لا يؤتى بها في غير الجهتين اللتين صلى إليهما

 
 

ــ[481]ــ

ولكن في الظهرين يمكن الاحتياط (1) بأن يأتي بما يمكن من الصلوات بقصد ما في الذمة((1)) فعلاً ، بخلاف العشاءين لاختلافهما في عدد الركعات .

   [1243] مسألة 15  : من وظيفته التكرار الى الجهات إذا علم أو ظن بعد الصلاة إلى جهة أنها القبلة لا يجب عليه الاعادة (2) ولا اتيان البقية (3)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الظهر ، لما عرفت آنفاً فلاحظ وتدبّر .

   (1) يريد به الاحتياط في موارد الخلاف في تقديم الاُولى أو الثانية ، أو إيراد النقص على الاُولى أو الثانية ، ففيما إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع صلوات أو أقل يصلي الأربع ـ مثلاً ـ إلى أربع جهات بقصد ما في الذمة المردد بين الظهر والعصر رعاية للقولين الموجودين في المسألة ، وفيما إذا كان الباقي أزيد من الأربع وأقل من الثمان يأتي بما هو مكمل للاُولى بالقصد المزبور حذراً عن الخلاف المذكور ، أما في غير المكمّل فلا مقتضي لقصد ما في الذمة كما هو واضح .

   وبالجملة : فهذا الاحتياط إنما هو من أجل الخروج عن شبهة الخلاف ، لا لإدراك الواقع وتحصيل الموافقة القطعية لكل من الصلاتين كما لا يخفى .

   ثم إن مورد هذا الاحتياط إنما هو ما عدا الصلاة الأخيرة ، أما هي فالمتعين فيها إتيانها عصراً ، لعدم احتمال الظهر فيها ، للقطع بسقوط أمرها إما للامتثال أو لخروج الوقت فلاحظ .

   (2) لانكشاف وقوع الصلاة إلى جهة القبلة بعلم أو علمي ـ وهو التحري المقرر في ظرف الجهل ـ فيسقط الأمر لا محالة ، ومعه لا موضوع للإعادة التي لو أرادها فالى نفس تلك الجهة ، فانها بلا إفادة ، ولا معنى للامتثال عقيب الامتثال .

   (3) إذ لا مقتضي له بعد حصول الغرض وسقوط الأمر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا في غير الصلاة الأخيرة ، والمتعيّن فيها إتيانها عصراً .

ــ[482]ــ

ولو علم أو ظن بعد الصلاة الى جهتين أو ثلاث أنّ كلها إلى غير القبلة ، فان كان فيها ما هو ما بين اليمين واليسار كفى والا وجبت الاعادة(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) يقع الكلام تارة في بيان الصغرى واُخرى في حكم الكبرى .

   أما الصغرى : فقد أسلفناك سابقاً أنه بناءً على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للجاهل تكفي الصلاة إلى ثلاث جهات بتقسيم الاُفق إلى ثلاث نقاط متساوية وإيقاع الصلاة نحو كل نقطة ، فلو فعل هكذا أو بنينا على لزوم الصلاة إلى أربع جهات ولكنه صلى ثلاثاً منها على هذا النمط نظراً إلى كفاية الخطوط المتقاطعة وعدم اعتبار كونها متقابلة ـ كما هو خيرة الماتن وهو الأظهر على ما مر(1) ـ فحينئذ قد صلى إلى ما بين اليمين واليسار يقيناً لو لم تكن إلى نفس القبلة ، ضرورة أن الفصل بين كل نقطة مع الاُخرى مائة وعشرون درجة ، وهي أقل من مقدار الانحراف ما بين اليمين واليسار البالغ مائة وثمانين درجة .

   وإن شئت فقل : إن غاية الانحراف حينئذ ستون درجة ، وهي أقل مما دون التسعين المغتفرة ما بين اليمين واليسار . إذن فافتراض عدم وقوع شيء مما صلاه نحو الجهات الثلاث لا إلى القبلة ولا إلى ما بين اليمين واليسار ممتنع على هذا التقدير ، ولا صغرى له بتاتاً .

   وإنما تتحقق الصغرى فيما لو قلنا بلزوم الصلاة إلى أربع جهات متقابلة بحيث تتشكل منها زوايا قوائم أربع متساوية بفاصل تسعين درجة بين كل زاوية مع اُختها ، فانه على هذا لو صلى إلى ثلاث من تلك الجهات كالمشرق والمغرب والشمال وانكشف وقوع القبلة على نقطة الجنوب فان الصلاة حينئذ لم تقع لا إلى القبلة ولا إلى ما بين اليمين واليسار . ولو كان قد صلى إلى جهتين فقط فالأمر أوضح .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 462 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net