الكلام في وثاقة أحمد بن هلال العبرتائي 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثاني : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 7652


   وبازاء هاتين الصحيحتين خبر الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «كلّ ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه ، مثل التكّة الإبريسم ، والقلنسوة والخف والزُنّار يكون في السراويل ويصلّى فيه»(2) .

   ويقع الكلام في هذا الخبر تارة من حيث السند ، فان بنينا على الضعف تعيّن العمل بالصحيحتين السليمتين عن المعارض . واُخرى بناءً على الصحة ، فهل يمكن التوفيق والجمع العرفي بينهما على وجه ترتفع المعارضة أو لا ؟ وثالثة بناءً على استقرار المعارضة فايّهما المرجّح . فهذه جهات البحث .

   أمّا الجهة الاُولى : فليس في السند من يتأمّل فيه عدا أحمد بن هلال العبرتائي ، فقد ذكر العلامة في الخلاصة أنّ روايته غير مقبولة(3) .

   لكنّا ذكرنا غير مرّة عدم الاعتماد على تضعيف العلامة وتوثيقه ، وكذا غيره من المتأخرين ، لابتنائه على الحدس والاجتهاد ، وإنّما يعتمد على من يقطع أو يحتمل استناده في الجرح والتعديل على الحسّ كي يشمله دليل حجية الخبر .

ـــــــــــــ
(2) الوسائل 4  : 376 / أبواب لباس المصلي ب 14 ح 2 .

(3) الخلاصة : 320 / 1256 .

ــ[333]ــ

   على أنّ من المعلوم من مسلك العلامة اقتصاره في الحجيّة على خبر الإمامي الإثني عشري ، فلا يعتمد على غيره وإن كان ثقة ، والرجل منحرف عن الحق كما ستعرف ، ولأجله منع عن قبول روايته . فلا يكشف المنع عن عدم الوثاقة .

   ولم نعثر على غير العلامة ممّن ضعّف الرجل في حديثه ، برميه بالكذب أو الوضع ونحوه ممّا يوجب عدم صدقه في الحديث أو الخدش في قبول روايته .

   بل إنّ النجاشي قد صرّح بالقبول فقال : إنّه صالح الرواية ، يعرف منها وينكر(1) . فيظهر منه أنّ الرجل في نفسه صالح الرواية غير أنّ بعض أحاديثه منكرة إمّا لخلل في المضمون أو لروايته عمّن لا يعتمد عليه ، وقد ذكرنا في محلّه(2) أنّ هذا هو المراد من مثل هذه العبارة الكثيرة الدوران في كلمات الرجاليين ، وإلا فظاهرها يقتضي التناقض بين الصدر والذيل كما لا يخفى .

   هذا مع أنّ ابن الغضائري لم يتوقّف في حديثه عن نوادر ابن أبي عمير ومشيخة الحسن بن محبوب(3) فلولا أنّ الرجل في نفسه صالح الحديث ومقبول الرواية لم يكن فرق بين روايته عنهما وعن غيرهما في عدم قبول شيء منها .

   وقد صرّح الشيخ (قدس سره) في العدّة بقبول رواياته في حال استقامته(4) . ومن هنا ذكر في إكمال الدين قوله : حدّثنا يعقوب بن يزيد عن أحمد بن هلال في حال استقامته عن ابن أبي عمير(5) . فيظهر أنّه ثقة في نفسه ، وإنّما منع عن الأخذ برواياته انحرافه عن الحق ، وهذا إنّما يقدح عند من يقتصر في الحجيّة على خبر الإمامي الإثني عشري ، وأمّا على المختار من التعميم لمطلق الثقة وإن لم يكن كذلك كما في الفطحيّة والواقفيّة ونحوهما من سائر الفرق المخالفة للفرقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 83 / 199 .

(2) معجم رجال الحديث 3  : 152 .

(3) حكاه عنه في الخلاصة : 320 / 1256 .

(4) العُدّة : 57 السطر 1 .

(5) كمال الدين : 204 / 13 .

ــ[334]ــ

الناجية ، فلا يكون الانحراف المزبور قادحاً في الحجيّة ومانعاً عن قبول الرواية .

   نعم ، ذكر الصدوق(1) تبعاً لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد أنّه يستثني من روايات محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري(2) في كتاب نوادر الحكمة ما يرويه عن جماعة وعدّ منهم أحمد بن هلال ، وتبعه القميّون في ذلك ، غير أنّ بعضهم ناقش في استثناء محمد بن عيسى العبيدي كما تقدّم سابقاً .

   لكن سبق غير مرّة أنّ الاستثناء المزبور لا يدل ّعلى التضعيف ، بل غايته عدم ثبوت وثاقة هؤلاء عندهم ـ لا الطعن فيهم ـ في قبال الباقين الثابتة وثاقتهم .

   ومنه يظهر أنّ ما ذكره الشيخ في التهذيب من عدم العمل بما يختص الرجل ـ أعني أحمد بن هلال ـ بروايته(3) غير دالّ على التضعيف ، ولعلّ عدم العمل لدى الاختصاص لاشتمال حديثه على المنكرات ، أو غايته عدم ثبوت وثاقته عنده .

   وعلى الجملة : لا ينبغي الريب في انحراف الرجل عن الحقّ وفساد عقيدته بعد أن كان مستقيماً في أوّل أمره ، بل كان من أعيان هذه الطائفة ووجوهها وثقاتها ، وقد وردت فيه ذموم شديدة ومطاعن أكيدة عن العسكري(عليه السلام) كما ذكره النجاشي(4) وعن الناحية المقدّسة ـ كما عن الكشي(5) ـ تتضمن اللّعن عليه والتبرّي منه ، بل خروجه عن الدين ، حتى قطع الله عمره بدعوة الحجّة (عجل الله فرجه) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في رجال النجاشي 348 / 939 .

(2) [المذكور في الأصل : أحمد بن محمد بن يحيى العطار . والصحيح ما أثبتناه] .

(3) التهذيب 9  : 204 / ذيل ح 812 .

(4) رجال النجاشي : 83 / 199 .

(5) رجال الكشي : 535 / 1020 .

ــ[335]ــ

   وقد حكى الصدوق في إكمال الدين عن شيخه ابن الوليد عن سعد بن عبدالله أنّه قال : ما سمعنا ولا رأينا بمتشيّع رجع عن تشيّعه إلى النصب إلا أحمد ابن هلال(1) .

   بل يظهر ـ كما عن شيخنا الأنصاري(2) ـ من نسبته إلى النصب تارة وإلى الغلو اُخرى عدم اعتناقه مذهباً أصلاً ، لما بين المسلكين من بعد المشرقين وكونهما على طرفي النقيض .

   ولعلّ السرّ ـ والله العالم ـ في عدوله عن الحقّ وانحرافه عن المذهب هو البغي والحسد ، حيث إنّه ـ كما عرفت ـ كان من أعيان هذه الطائفة ووجوهها ، وعلى جانب عظيم في أعين الناس ، وقد لقيه أصحابنا بالعراق وكتبوا عنه ، وأنكروا ما ورد في مذمّته حتى حملوا القاسم بن العلاء على أن يراجع في أمره مرة بعد اُخرى ، ولذلك كان يتوقّع اللعين صدور التوقيع باسمه وتفويض السفارة اليه وجعله نائباً خاصاً ، فلمّا رأى خلاف ذلك دعاه بغيه وحسده إلى الخروج عن الدين والانحراف عن الحق ، أعاذنا الله من سوء الخاتمة ، ووقانا من تسويلات النفس الغاشمة .

   وكيف كان ، فكلّ ذلك مما لا ريب فيه ولا إشكال ، لكنّ شيئاً من ذلك لا يقتضي نفي الوثاقة عن الرجل في نفسه ، وعدم صدقه في حديثه الذي هو المناط في حجّية الخبر كي يعارض به توثيق النجاشي المتقدّم .

   بل إنّ الرجل قد وقع في سلسلة سند كامل الزيارات ، وقد مرّ غير مرّة توثيق جعفر بن محمد بن قولويه لكلّ من يقع في سند كتابه ، ولزوم الأخذ به ما لم يثبت تضعيفه من الخارج . فهذا توثيق آخر يعضد توثيق النجاشي ، وليس في البين ما يعارض التوثيقين كي يرفع اليد عنهما .

   وعليه فالأظهر قبول روايات أحمد بن هلال ، لثبوت توثيقه السليم عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كمال الدين : 76 .

(2) كتاب الطهارة : 57 السطر 19 .

ــ[336]ــ

المعارض ، ولأجله نعتبر رواية الحلبي ـ في المقام ـ موثّقة .

   ويؤيّده : أنّ المشهور قد عملوا بها كما عرفت ، لانحصار مدركهم فيها ، فمع تسليم الضعف فهو مجبور بعمل المشهور بناءً على ما هو المعروف من ثبوت الانجبار ، وإن كان على خلاف التحقيق .

   ومن الغريب أنّ صاحب الحدائق (قدس سره) مع اعتراضه كثيراً على الأصحاب في تقسيمهم الأخبار إلى الصحيح والحسن والضعيف ، وبنائه على حجّية الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة ، وعدم الطعن في أسانيدها كيف حكم على هذه الرواية بالضعف(1) ، مع أنّها موثّقة ، بل مجبورة بعمل المشهور كما عرفت .

   الجهة الثانية : بعد الفراغ عن حجيّة رواية الحلبي ، والبناء على كونها موثّقة ـ كما عرفت ـ فهل يمكن الجمع الدلالي بينها وبين الصحيحتين المتقدّمتين لمحمد ابن عبدالجبار(2) أو أنّهما متعارضتان ؟ الظاهر هو الأول ، لأنّ الموثّقة صريحة في الجواز ونصّ فيه بحيث لا تقبل التصرّف والتأويل ، بخلاف الصحيحتين ، فانّ دلالتهما على المنع وإن كانت في غاية القوّة ، لكون ما لا يتم بنفسه مورداً لهما ، ويقبح تخصيص المورد كما عرفت(3) لكنّهما مهما بلغتا من القوّة فهما بالاخرة ظاهرتان قابلتان للتأويل ، ولا تكادان تخرجان عن حدّ الظهور إلى الصراحة كما في الموثّقة ، فهما من قبيل النص والظاهر ، فليحمل الإطلاق في الصحيحتين على غير ما لا تتم الصلاة فيه .

   والقبح المزبور ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص ، بل هو قبح كلامي نشأ من المنافاة لحكمة التكلّم ، فيرتفع القبح والاستهجان فيما إذا كانت هناك نكتة اقتضت العدول عن مورد السؤال ، وإلقاء الحكم بنحو الكبرى الكلّية وإن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 7  : 97 .

(2) في ص 327 .

(3) في ص 332 .

ــ[337]ــ

لم تنطبق على المورد ، فيتدارك القبح بتلك المصلحة .

   وقد تقدّم نظير ذلك في السنجاب وقلنا إنّه وإن كان مورداً لموثقة ابن بكير المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه لكنّه يحكم بالجواز للنصّ الخاص الوارد فيه غير القابل للتأويل ، ويحمل إطلاق الموثّقة على غير هذا المورد فلاحظ(1) .

   الجهة الثالثة : لو أغمضنا عمّا ذكر وبنينا على استقرار المعارضة لتعذّر الجمع العرفي ، فهل يمكن ترجيح أحدهما على الآخر ؟

   ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) أنّ الترجيح مع الصحيحتين ، لموافقة خبر الحلبي مع العامّة ، فانّ المنقول عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين جواز الصلاة في الحرير المحض فيحمل على التقيّة(2) .

   وهذا كما ترى غريب جداً ، ضرورة أنّهم يجوّزون الصلاة في الحرير مطلقاً سواء كان مما تتم فيه الصلاة أم لا ، والمستفاد من موثّقة الحلبي ظهوراً ، بل صراحة المفروغية عن مانعية الحرير في الصلاة ، وأنّها أمر مفروض مسلّم وإنّما حكم بالجواز لكون الحرير مما لا تتم فيه الصلاة مثل التكّة والقلنسوة ونحوهما ، بحيث لولا هذه الجهة لكان عدم الجواز لمانعية الحرير في حدّ ذاته مما لا ريب فيه ، وهذا كماترى مخالف لمذهب العامّة ، فكيف يحمل مثله على التقيّة .

   وعن المحقّق الهمداني (قدس سره) عكس ذلك ، فحمل الصحيحتين على التقيّة ، ورجّح الموثّقة عليهما وقال بعدما استظهر أنّهما رواية واحدة قد وقع الاختلاف في النقل من حيث التعبير باللفظ والمضمون ، فنقلها محمد بن عبد الجبار إجمالاً تارة وتفصيلاً اُخرى : إنّهما من الأخبار التي تلوح منها آثار التقيّة ، حيث إنّهما من المكاتبة دون المشافهة ، ويحتاط في الاُولى ما لا يحتاط في الثانية ، فانّها تبقى وهذه تفنى ، مع اشتمالها على نفي البأس عن الصلاة في وبر ما لا يؤكل كالأرانب مشروطاً بالتذكية المحمول على التقيّة البتّة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ص 194 فما بعدها .

(2) الحدائق 7  : 97 .

ــ[338]ــ

   وفي التعليق على المشيئة إيماء إليها كما لا يخفى ، فبعد هذه الشواهد والأمارات سيما بعد تطرّق التقيّة في بعض الفقرات لا يبقى وثوق بصدورها لبيان الحكم الواقعي ، فلا مجال لدعوى إبائها عن التقيّة .

   بل إنّ في العدول عن التصريح بالمنع عن الصلاة فيه إلى التعبير بنفي الحلّية في قوله (عليه السلام) : «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» المشعر بالحرمة النفسية فقط كما يرونها دون الوضعية كما نقول بها إيماء إلى ما ذكرناه من ابتنائها على التقية . وعليه فتحمل هذه الفقرة على إرادة حرمة نفس الحرير حال الصلاة لا بطلان الصلاة الواقعة فيه(1) .

   وأنت خبير بما فيه ، بل لم نكن نترقّب صدوره عن مثله (قدس سره) . أمّا ما أفاده من دعوى الاتحاد فغير بعيدة ، ولا نضايقه فيها .

   وأمّا ما أفاده من حمل قوله (عليه السلام) : «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض» على إرادة حرمة اللبس فمن غرائب الكلام ، بل لعلّ طرح الرواية أهون من هذا الحمل ، ضرورة ظهور قوله : «لا تحلّ» بل صراحته في نفي الحلّية الوضعيّة المساوقة للبطلان ، سيما بعد إسناده إلى الصلاة نفسها ، فكيف يحمل على الحرمة النفسية ويسند إلى اللبس غير المختص بحال الصلاة .

   فالإنصاف : أنّه لا يمكن ترجيح شيء من الروايتين على الاُخرى بالحمل على التقية ، لمخالفتهما معاً مع العامّة . ومن الظاهر عدم موافقة مضمون إحداهما مع الكتاب أو مخالفته كي يرجّح من هذه الجهة . وقد ذكرنا في بحث التعادل والتراجيح حصر الترجيح بهذين(2) فهما متكافئان بعد تسليم المعارضة .

   وحينئذ فان بنينا على التخيير بعد فقد الترجيح ـ كما هو المشهور ـ جاز الأخذ بأحدهما مخيّراً والفتوى بمضمونه ، وإلا ـ كما هو الأقوى ، لضعف أخبار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 141 السطر 26 .

(2) مصباح الاُصول 3  : 414 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net