المضطر الى الصلاة في المكان المغصوب - إذا اعتقد الغصبية وصلى فتبين الخلاف 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1719


ــ[28]ــ

وأما المضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب فلا إشكال في صحة صلاته (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالبرهان المتقدم ، وأما إشغال الأرض فتغيره بذلك غير قابل للانكار .

   قلت : التصرف في الأرض ـ الذي هو أمر في قبال الاستيلاء والاتلاف كما مرّ ـ لا نعقل له معنى عدا إشغال الفضاء المجاور لها الذي لا يختلف الحال فيه ولا يتغير عما هو عليه باختلاف الطوارئ ، والهيئات باعتراف الخصم ، وأما مجرّد المماسة مع سطح الأرض فهي وإن اختلفت سعة وضيقاً ولم تكن من لوازم الكون كما ذكر لكنها بما هي مماسة لا تعدّ تصرفاً في الأرض بالضرورة وإلاّ لزم على المحبوس اختيار الوقوف على الجلوس مهما أمكن ، بل اختيار الوقوف على إحدى قدميه بقدر الامكان تقليلاً للمماسة ، وليس كذلك قطعاً كما لا قائل به أصلاً .

   وبالجملة : المتصرف في الأرض يتحقق معه اُمور ثلاثة : إشغال الفضاء ، وكون ثقله على الأرض ، ومماستها ، ومحقق التصرف هما الأوّلان ، والمفروض عدم تغيرهما عما هما عليه باختلاف الهيئات كما ذكر ، وأما الأخير فهو بمعزل عن الدخل في صدق التصرف كما لا يخفى .

   والذي يكشف عن ذلك : أنه لو ركب على الدابة المغصوبة في الأرض المباحة فان التصرف المحقق للغصب حينئذ إنما هو بجعل ثقله على الدابّة الذي لا يختلف الحال فيه بكونه قائماً عليها أو جالساً أو ساجداً أو نائماً . وأما المماسة فهي وإن اختلفت سعة وضيقاً باختلاف هذه الأفعال لكنها لا تعدّ عرفاً تصرفاً زائداً على الكون عليها بحيث يكون ممنوعاً عن السجود مثلاً زائداً على الكون لزعم أنه إحداث لمماسة زائدة .

   والمتحصل من جميع ما ذكر : وجوب الصلاة على المحبوس اختياراً فيما إذا لم يلزم منها تصرف زائد لاباحة السجود له حينئذ ، وإلا فايماءً .

   (1) ربما يقال بعدم الفرق بين المضطر والمحبوس ، إذ الثاني من مصاديق

ــ[29]ــ

   [1327] مسألة 9 : إذا اعتقد الغصبية وصلى فتبين الخلاف فان لم يحصل منه قصد القربة بطلت ، وإلا صحت (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأول فلا موجب لتخصيص نفي الاشكال في الصحة بالأول ، بل هما واحد إشكالاً ووضوحاً .

   أقول : الفرق هو أن المحبوس لم يكن مضطراً إلا إلى الكون في المكان المغصوب ولم يتعلق اضطرار من الجائر بالاضافة إلى الصلاة ، وحيث إن الصلاة لا تسقط بحال فهو بطبيعة الحال مضطر إلى جامع الصلاة الأعم من الاختيارية والاضطرارية ، وحكمه ما مرّ من لزوم اختيار الاُولى لو لم تستلزم تصرفاً زائداً ، وإلا فالثانية .

   وأما المضطر فمفروض كلامه (قدس سره) أنه مضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب لا مجرد البقاء فيه كما في المحبوس ، فكان هناك جائر أجبره على الصلاة بحيث لا يمكنه التخلف عنه ، وظاهره أنّ متعلق الاجبار والاضطرار هي الصلاة الاختيارية ذات الركوع والسجود دون الأعم منها ومن الاضطرارية ، فلو أجبره الظالم على الصلاة الاختيارية أو اُقيمت هناك جماعة من قبل أبناء العامة بحيث لا يمكنه التخلف عنهم ، فلا إشكال حينئذ في صحة مثل هذه الصلاة وان استلزمت تصرفاً زائداً في الغصب ، لارتفاع حرمته لدى الاضطرار حتى واقعاً ، ومعه لاوجه للحكم بالبطلان كما لو صلى فيه حال النسيان ، لانحصار المانع في الحرمة المفروض سقوطها .

   (1) فصّل (قدس سره) حينئذ بين ما إذا لم يحصل منه قصد القربة فتبطل من أجل فقد الشرط ، أعني قصد التقرب المعتبر في تحقق العبادة ، وبين ما إذا حصل وتمشّى منه القصد فالصحة .

   وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح ، إذ لا مقتضي للبطلان في الثاني بعد حصول القصد وعدم ارتكاب الغصب ، فان المعتبر في صحة العبادة أمران :

ــ[30]ــ

صلاحية الفعل لأن يتقرب به ، وحصوله بداع قربي ، وكلا الركنين متحقق في المقام .

   أما الأول : فلأن المفروض عدم غصبية المكان بحسب الواقع ، واعتقادها لا يغيّر الواقع عما هو عليه ، فلا تقصر الصلاة في هذا المكان عن غيره في صلاحيتها لأن يتقرّب بها .

   وأما الثاني : فلأنه المفروض ، إنما الشأن في كيفية تمشّي قصد القربة بعد اعتقاد الغصبية والالتفات إلى الحكم والموضوع .

   ويمكن فرضه فيما إذا كان جاهلاً بالحكم الوضعى ـ أعني الفساد ـ فلم يعلم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة ، وإن كان عالماً بالحكم التكليفي وموضوعه .

   وقد يقال بالبطلان وإن تمشى منه القصد وحصلت النية ، من جهة أن الفعل المتجرّى به قبيح يستحق عليه العقاب ، فهو حرام بالعنوان الثانوي ، وإن لم يكن كذلك بعنوانه الأولي ، وصدوره منه مبغوض لا محالة ، ولا فرق في عدم إمكان التقرب بالمبغوض ، وعدم كون الحرام مصداقاً للواجب ، بين ما كان كذلك بعنوانه الأوّلي أو الثانوي لوحدة المناط .

   وفيه : أنّ هذا وجيه بناء على القول بحرمة التجري شرعاً زائداً على قبحه عقلاً ، لكنه بمعزل عن التحقيق كما فصّلنا القول فيه في الاُصول (1).  وملخّصه : أن تعلق القطع بالشيء لا يوجب تغيره عما هو عليه ، ولا يحدث فيه مصلحة أو مفسدة كي يستكشف منه الحكم الشرعي ، لقيام الملاكات بالموضوعات الواقعية عُلم بها أم جهل ، والقطع طريق بحت وليس بنفسه موضوعاً للحكم ، فلا يقاس بمثل الهتك المتضمن للمفسدة المستتبعة للحكم الذي متى انطبق على موضوع يحدث فيه مفسدة أو يوجب قلب صلاحه إلى الفساد .

   نعم ، إنّ هذا الفعل المتجرّى به مضافاً إلى كشفه عن القبح الفاعلي وأنه خبيث الباطن سيّء السريرة يتصف بالقبح الفعلي بحكم العقل ، فانه بنفسه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 22 .

ــ[31]ــ

مصداق الطغيان على المولى ، والخروج عن زيّ الرقية ومراسم العبودية وتجاسر وتعد عليه ، ولا يشك العقل في قبح هذه العناوين بمحققاتها ، بعين الملاك الذي يدركه في المعصية الحقيقيّة ، إذ لا فرق بينها وبين التجري ، من هذه الجهة أصلاً ، لعدم صلوح المصادفة للواقع وعدمها التي هي أمر خارج عن الاختيار لأن يكون فارقاً بين البابين .

   إلا أنّ هذا القبح العقلي لا يمكن أن يستكشف منه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة حتى يثبت بها حرمة الفعل المتجرّى به بالعنوان الثانوي كما ادّعي ، فان مورد القاعدة ما إذا كان الحكم العقلي واقعاً في سلسلة علل الأحكام لا ما إذا كان متأخراً عن الحكم الشرعي وواقعاً في طوله كما في المقام ، حيث إنّ حكم العقل بالقبح المزبور إنما هو بعد فرض ثبوت حكم من قبل الشارع كي تكون مخالفته طغياناً عليه وخروجاً عن زيّ الرقية كما هو الحال في المعصية الحقيقية ، غايته أنّ الحكم المفروض اعتقادي في المقام وواقعي في ذاك الباب وهو غير فارق كما لا يخفى .

   فكما أنّ حكم العقل بقبح المعصية يستحيل أن يستتبع حكماً شرعياً وإلا لتسلسل ، إذ ذاك الحكم أيضاً يحكم العقل بقبح عصيانه فيستتبع حكماً شرعياً آخر وله أيضاً معصية اُخرى فيستتبع حكماً آخر وهلمّ جرّا ، فكذا في المقام حرفاً بحرف وطابق النعل بالنعل ، وتمام الكلام في محله .

 وعليه فالفعل المتجرّى به باق على ما كان عليه من الجواز بالمعنى الأعم(1) ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ليت شعري بعد الاعتراف باتصاف الفعل المتجرّى به بالقبح الفعلي وكونه مصداقاً للطغيان المساوق للمبغوضية الفعلية كيف يمكن اتصافه بالعبادة ، وهل يكون المبغوض محبوباً والمبعّد مقرّباً ، وهل المناط في امتناع اجتماع الأمر والنهي الذي يبني (دام ظله) عليه شيء غير هذا . وعلى الجملة : ما يكون بالحمل الشائع مصداقاً للطغيان وموجباً للخروج عن زيّ الرقية والعبودية ، لابد وأن يكون مبعّداً ، ومعه لا يعقل أن يكون مقرّبا . ومنه تعرف أنّ الحكم بالبطلان في المقام لا يبتني على استكشاف الحكم الشرعي ليناقش فيه بما
   أفاده (دام ظله) .

   ودعوى أنّ المناط في الامتناع هو كون المبغوض الشرعي محبوباً لا مطلق المبغوض ولو عقلاً ، غير واضحة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net