ما دلّ على جواز التقليد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3689


    ما دلّ على جواز التقليد

   وأما ما يمكن أن يستدل به المجتهد على جواز التقليد في الشريعة المقدسة فهو اُمور :

   منها : السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها وقد تقدمت ، وهي تقتضي جواز التقليد والافتاء كليهما .

   ومنها : قوله عزّ من قائل : (فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون )(1) فإنها تدلنا على وجوب النفر حسبما تقتضيه لولا التحضيضية ، كما تدلنا على وجوب التفقه والانذار لأنهما الغاية الداعية إلى الأمر بالنفر ، وتدلنا أيضاً على أن مطلوبية التفقه والانذار ليست لأجل نفسيهما ، بل من جهة احتمال التحذر بواسطتهما ، فالغاية من ذينك الواجبين هو التحذر عند الانذار ، وحيث إن الآية مطلقة فيستفاد منها أن التحذر عقيب الانذار واجب مطلقاً ، سواء حصل العلم من إنذار المنذرين أم لم يحصل .

   وتوضيحه : أن الحذر على ما يستفاد من مشتقاته وموارد استعمالاته ، عنوان للعمل وليس عبارة عن الخوف النفساني فحسب ، ومعناه التحفظ عن الوقوع فيما لا  يراد من المخاوف والمهالك ، مثلاً إذا حمل المسافر سلاحه في الطريق المحتمل فيه اللّص أو السبع للمدافعة عن نفسه أو ماله يقال : إنه تحذّر فهو فعل إختياري وليس بمعنى الخوف كما مر ، وقد دلت الآية المباركة على وجوبه ، وبما أن التحذر غير مقيد فيها بصورة حصول العلم من إنذار المنذرين لكي يجب التحذر بالعلم المستند إلى الانذار ، فلا مناص من الالتزام بوجوب التحذر عقيب الانذار مطلقاً ، حصل للمتحذر علم من إنذار المنذرين أم لم يحصل .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة 9 : 122 .

ــ[65]ــ

   وعلى الجملة أن للآية المباركة دلالات .

   منها : دلالتها على وجوب التقليد في الأحكام ، لدلالتها على وجوب التحذر بانذار الفقيه وهو إنما يتحقق بالعمل على إنذاره وفتواه .

   ومنها : دلالتها على وجوب الافتاء ، وذلك لدلالتها على وجوب الانذار فإن الانذار قد يكون بالدلالة المطابقية وفد يكون ضمنياً أو بالالتزام ، وإفتاء المجتهد بالحرمة أو الوجوب يتضمن الانذار باستحقاق العقاب عند تركه الواجب أو اتيانه الحرام .

   ومنها : دلالتها على حجية انذار الفقيه وإفتائه ، وذلك لأنه لو لم يكن إنذاره حجة شرعاً ، لم يكن أي مقتض لوجوب التحذر بالانذار لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فوجوب التحذّر عند إنذار الفقيه يستلزم حجية الانذار لا محالة ، هذا .

   وقد يقال : إن الفقاهة والاجتهاد في الصدر الأوّل غير الفقاهة والاجتهاد في العصور المتأخرة ، لأن التفقه في الأعصار السابقة إنما كان بسؤال الأحكام وسماعها عن المعصومين (عليهم السّلام) ، ولم يكن وقتئذ من الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه عين ولا أثر ، إذن لا دلالة للآية المباركة على حجية إنذار الفقيه بالمعنى المصطلح لتدل على حجية فتواه ، وإنما تدل على حجية النقل والرواية ، لأن إنذار الفقيه بالمعنى المتقدم إنما هو بنقله الحكم الّذي سمعه من مصادره ، أو باخباره عن أن الفعل يترتب على ارتكابه أو على عدم ارتكابه العقاب ، وأين هذا من التفقه بالمعنى المصطلح عليه لأنه أمر آخر يتوقف على إعمال الدقة والنظر .

   وهذه المناقشة وإن أوردها بعض مشايخنا المحققين (قدّس الله أسرارهم) (1) إلاّ أنها مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك :

   أما أوّلاً : فلأن الآية المباركة لمكان أخذها عنوان الفقاهة في موضوع وجوب التحذر ، ليست لها أ يّة دلالة على حجية الخبر والرواية من جهتين :

   إحداهما : أن حجية الرواية لا يعتبر فيها أن يكون الناقل ملتفتاً إلى معناها فضلاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الاصفهاني) : 18 .

ــ[66]ــ

عن أن يكون فقيهاً ، لكفاية الوثاقة في حجية نقل الألفاظ المسموعة عن المعصوم (عليه السّلام) من غير أن يتوقف على فهم المعنى بوجه .

   وثانيتهما : أن الراوي لا يعتبر في حجية رواياته أن يصدق عليه عنوان الفقيه ، لأنه إذا روى رواية أو روايتين أو أكثر لم يصدق عليه الفقيه وإن كان ملتفتاً إلى معناها لضرورة أن العلم بحكم أو بحكمين لا يكفي في صدق الفقيه مع حجية رواياته شرعاً .

   أللّهمّ إلاّ أن يقال : إن الآية المباركة إذا دلت على حجية الخبر عند صدق الفقيه على ناقله ، دلت على حجيته عند عدم كون الراوي فقيهاً لعدم القول بالفصل ، إلاّ أن ذلك اسـتدلال آخر غير مستند إلى الآية ، كيف وقد عرفت أن الآية قد اُخذ في موضوعها التفقه في الدين . فظهر بما سردناه أن دلالة الآية المباركة على حجية فتوى المجتهد وجواز التقليد أقرب وأظهر من دلالتها على حجية الخبر .

   وأما ثانياً : فلعدم كون التفقه والاجتهاد في الأعصار السابقة مغايراً لهما في العصور المتأخرة ، بل الاجتهاد أمر واحد في الأعصار السابقة والآتية والحاضرة ، حيث إن معناه معرفة الأحكام بالدليل ولا اختلاف في ذلك بين العصور . نعم ، يتفاوت الاجتهاد في تلك العصور مع الاجتهاد في مثل زماننا هذا في السهولة والصعوبة حيث إن التفقه في الصدر الأوّل إنما كان بسماع الحديث ، ولم تكن معرفتهم للأحكام متوقفة على تعلم اللغة ، لكونهم من أهل اللسان أو لو كانوا من غيرهم ولم يكونوا عارفين باللغة كانوا يسألونها عن الإمام (عليه السّلام) فلم يكن اجتهادهم متوقفاً على مقدمات ، أما اللغة فلما عرفت ، وأمّا حجية الظهور واعتبار الخبر الواحد ـ وهما الركنان الركينان في الاجتهاد ـ فلأجل أنهما كانتا عندهم من المسلّمات . وهذا بخلاف الأعصار المتأخرة لتوقف الاجتهاد فيها على مقدمات كثيرة ، إلاّ أن مجرد ذلك لا يوجب التغيير في معنى الاجتهاد ، فإن المهم مما يتوقف عليه التفقه في العصور المتأخرة إنما هو مسألة تعارض الروايات ، إلاّ أن التعارض بين الأخبار كان يتحقق في تلك العصور أيضاً ، ومن هنا كانوا يسألونهم (عليهم السّلام) عمّا إذا ورد عنهم خبران متعارضان . إذن التفقه والاجتهاد بمعنى إعمال النظر متساويان في الأعصار السابقة واللاّحقة وقد كانا متحققين في الصدر الأول أيضاً . ومن هنا ورد في مقبولة عمر بن

ــ[67]ــ

حنظلة : «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ...» (1) وفي بعض الأخبار ورد الأمر بالافتاء صريحاً (2) .

   فدعوى أن الفقاهة والاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه لا عين ولا أثر له في الأعصار السالفة مما لا وجه له . ومعه لا موجب لاختصاص الآية المباركة بالحكاية والإخبار ، لشمولها الافتاء أيضاً كما عرفت . فدلالة الآية على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لا مناقشة فيه .

   ومنها : قوله عزّ من قائل : (فاسئلوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون )(3) حيث دلت على وجوب السؤال عند الجهل ، ومن الظاهر أن السؤال مقدمة للعمل فمعنى الآية المباركة : فاسألوا أهل الذّكر لأجل أن تعملوا على طبق الجواب ، لا أن المقصود الأصلي هو السؤال في نفسه لوضوح أنه لغو لا أثر له ، فلا مصحح للأمر به لو لم يكن مقدمة للعمل . فتدلنا الآية المباركة على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وهو المعبّر عنه بالتقليد ، وعلى حجية فتوى العالم على الجاهل ، لأنه لو لم يكن قول العالم حجة على السائل لأصبح الأمر بالسؤال عنه لغواً ظاهراً .

   ودعوى أن المراد بها وجوب السؤال عنهم حتى يحصل العلم للسائل من أجوبتهم ويعمل على طبق علمه ، وأن معنى الآية : فاسألوا لكي تعلموا فتعملوا بعلمكم ، من البعد بمكان وذلك لأن مثل هذا الخطاب إنما هو لبيان الوظيفة عند عدم العلم والمعرفة فهو في قبال العلم بالحال ، لا أنه مقدمة لتحصيل العلم ، مثلاً يقال : إذا لست بطبيب فراجع الطبيب في العلاج ، فإن المتفاهم العرفي من مثله أن الغاية من الأمر بالمراجعة ، إنما هو العمل على طبق قول الطبيب ، لا أن الغاية صيرورة المريض طبيباً وعالماً بالعلاج حتى يعمل على طبق علمه ونظره ، فقوله راجع الطبيب ، معناه : راجعه لتعمل على نظره لا لتكون طبيباً وتعمل بعلمك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1 .

(2) كأمره (عليه السّلام) لأبان بن تغلب حيث قال : اجلس في مسجد المدينة وافت الناس ... راجع رجال النجاشي ص 7 .

(3) الأنبياء 21 : 7 .

ــ[68]ــ

   إذن معنى الآية المباركة : أنه إذا لستم بعالمين فاسألوا أهل الذكر للعمل على طبق قولهم وجوابهم ، فلا مناقشة في دلالة الآية المباركة من هذه الجهة .

   وقد يتوهم أن تفسير أهل الذكر في الأخبار ، بأهل الكتاب أو الأئمة (عليهم السّلام) ينافي الاستدلال بها على جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم والفقيه في الأحكام .

   ويندفع بأن ورود آية في مورد لا يقتضي اختصاصها بذلك المورد ، والآية المباركة قد تضمنت كبرى كليةً قد تنطبق على أهل الكتاب وقد تنطبق على الأئمة (عليهم السّلام) وقد تنطبق على العالم والفقيه ، وذلك حسبما تقتضيه المناسبات على اختلافها باختلاف المقامات ، فإن المورد إذا كان من الاعتقاديات كالنبوّة وما يرجع إلى صفات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالمناسب السؤال عن علماء أهل الكتاب ، لعلمهم بآثارها وعلاماتها ، كما أن المورد لو كان من الأحكام الفرعية فالمناسب الرجوع فيه إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الأئمة (عليهم السّلام) وعلى تقدير عدم التمكّن من الوصول إليهم ، فالمناسب الرجوع إلى الفقهاء .

   وعلى الجملة ، تضمنت الآية المباركة كبرى رجوع الجاهل إلى العالم المنطبقة على كل من أهل الكتاب وغيرهم ، فالاستدلال بها من تلك الناحية أيضاً مما لا خدشة فيه ، هذا .

   ولكن الصحيح أن الآية المباركة لا يمكن الاستدلال بها على جواز التقليد ، وذلك لأن موردها ينافي القبول التعبدي ، حيث إن موردها من الاُصول الاعتقادية بقرينة الآية السابقة عليها وهي (وما أرسلنا قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) . وهو ردّ لاستغرابهم تخصيصه سبحانه رجلاً بالنبوة من بينهم فموردها النبوة ويعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يكفي فيها مجرد السؤال من دون أن يحصل به الاذعان . فلا مجال للاستدلال بها على قبول فتوى الفقيه تعبداً من دون أن يحصل منها العلم بالمسألة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net