كفاية الرضا التقديري في جواز التصرف - إذا كان تصرّف واحد مصداقاً لرضا وكراهة المالك 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1728


   الجهة الثانية : هل المدار في الجواز على الرضا الحاصل بالفعل أو يكفي الرضا التقديري ، بمعنى أنّ الطيب والرضا كامن في نفس المالك قطعاً إلا أنه غير متصف به فعلاً لأجل عدم التفاته إلى الموضوع ، لكونه نائماً أو غافلاً أو غائباً فلا واسطة بينه وبين الرضا الفعلي عدا الالتفات والتوجه إلى الموضوع ؟

   الظاهر هو الثاني ، إذ لو لم ندّع شمول الطيب في الموثق بمناسبة الحكم والموضوع للطيب التقديري بهذا المعنى كما لا يبعد وإن كانت الالفاظ في غير المقام منصرفة إلى المعاني الفعلية دون التقديرية ، يكفينا في ذلك ملاحظة بناء العقلاء والسيرة الشرعية القائمة على الجواز في مثل ذلك بلا اشكال ، فان الأخ يدخل دار أخيه والصديق دار صديقه أو أحد أقاربه ممن يقطع برضاه مع الالتفات فيتصرف فيه كيف يشاء وهو نائم أو غافل أو غائب ولا ينتظر صدور الاذن منه والتفاته إلى الموضوع كي يتحقق منه الرضا فعلاً كما هو ظاهر .

   نعم ، الظاهر عدم كفاية الرضا التقديري بالمعنى الآخر وهو عدم تمامية مبادئ الرضا فعلاً بحيث يحتاج إلى مقدمة اُخرى زائداً على مجرد الالتفات كسؤال المتصرف ، فلو كان المتصرف قاطعاً برضا المالك على تقدير السؤال والاستئذان ولم يقطع به بدونه لم يجز التصرف حينئذ لعدم تمامية مبادئ الرضا

ــ[48]ــ

الفعلي ودخل الاستئذان في تحقّقه . فمثل هذا التقدير الذي يتخلل بين المقدّر والمقدّر عليه شيء آخر وراء الالتفات الى الموضوع لا دليل على كفايته في جواز التصرّف ، فلا يقاس ذلك على الرضا التقديري بالمعنى الأوّل كما لا يخفى .

   ونحوه ما إذا كان في التصرف مصلحة للمالك ولم يعلم بها فلم يأذن ، بحيث لو كان عالماً بها لأذن ورضي بالتصرّف ، فمثله أيضاً لا يجدي لكون العلم بالصلاح من مبادئ فعلية الرضا كالاستئذان في المثال المتقدم ، ولا دليل على كفاية الرضا التقديري بهذا المعنى كما عرفت .

   الجهة الثالثة : إذا كان تصرف واحد مصداقاً لرضا المالك وكراهته الفعليين بعنوانين فعورض أحدهما بالآخر ، فانّ هذا أمر ممكن في نفسه إذا كان المالك جاهلاً بانطباق أحد العنوانين ، كما لو منع عن دخول زيد في الدار لاعتقاد أنه عدوّه وهو في الواقع أبوه مثلاً وهو راض بدخول الأب ، أو بالعكس بأن أذن باعتقاد أنه أبوه وفي الواقع عدوّه وهو كاره لدخول العدوّ ، فهل يحكم حينئذ بجواز الدخول في كلتا الصورتين فلا يلزم على الداخل ـ في الصورة الاُولى ـ إعلام المالك بأنه أبوه كي يتحقق منه الرضا الفعلي بشخصه ، أو يفصّل بين الصورتين فيخص الجواز بالثانية دون الاُولى عملاً بما صدر منه من الاذن أو المنع ؟

   الأقوى هو الأول ، فان المناط في جواز التصرف هو الرضا والطيب كما تضمّنه موثق سماعة على ما عرفت ، ولا عبرة بالاذن عدا كونه كاشفاً وطريقاً إليه .

   وعليه ، فالمالك وإن لم يصدر منه ـ في الصورة الاُولى ـ إذن ، بل هو كاره بالفعل حسب اعتقاده ، لكنه راض بالفعل أيضاً بدخول أبيه ، غير أنّه جاهل بانطباق هذا العنوان على زيد الداخل ، بحيث لو علم به والتفت إلى الانطباق لرضي بدخوله وتحقق منه الطيب بالنسبة إليه ، ونتيجة ذلك أنه راض بدخول زيد برضا تقديري بحيث لا يتوسّط بينه وبين الرضا الفعلي عدا التفاته إلى

ــ[49]ــ

الانطباق ، وقد مرّ آنفاً أنه يكفي في حلية التصرف الرضا التقديري بهذا المعنى ولا يتوقف على فعلية الرضا . ومقتضى اطلاق الموثق أن حصول الرضا ـ فعلاً أو تقديراً ـ في الجملة أي ولو بعنوان ما كاف في جواز التصرف ، سواء قارنته كراهة من جهة اُخرى وبعنوان آخر أم لا .

   وفي المقام وإن اجتمع الرضا التقديري مع الكراهة الفعلية ، لكن الكراهة بما هي ليست موضوعاً للحكم كي تقع المعارضة أو المزاحمة بين حكمها وحكم الرضا ، وإنما الموضوع الرضا وعدمه كما تضمنه الموثق بعقده السلبي والايجابي ، فالطيب موضوع لحلية التصرف كما أنّ عدمه موضوع للحرمة ، وبما أنّ الموضوع هو الطيب والرضا في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية ، أي بأيّ عنوان كان بمقتضى الاطلاق كما عرفت ، فيكون الموضوع للحرمة التي تكفّلها الموثق بعقده السلبي هو عدم الرضا رأساً ، فانّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية ، ومن الواضح عدم صدق هذا الموضوع في المقام بعد تحقق الرضا في الجملة كما هو المفروض فلا تعارض .

   وبالجملة : العبرة بالرضا الأعم من التقديري وهو حاصل هنا ، وليس المقام من الرضا التقديري بالمعنى الآخر كالجهل بكون التصرف مصلحة له الذي منعنا عن اعتباره ، لوضوح الفرق بينهما ، فان العلم بالصلاح من مبادئ تحقق الرضا كالسؤال الذي مرّ التمثيل به ، فبدونه لم يتحقق الرضا أصلاً . وأما في المقام فالرضا بالعنوان متحقق فعلاً ، غايته أنّ المالك جاهل بالانطباق وغير ملتفت إليه ، فيكون من الرضا التقديري بالمعنى الأول الذي عرفت اعتباره والحاقه بالرضا الفعلي(1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يخفى خفاء الفرق بين المثالين ، إذ في صورة الجهل بالصلاح أيضاً يمكن أن يقال : إنّ المالك راض بعنوان التصرف الذي فيه صلاحه وجاهل بالانطباق كرضاه بدخول الأب في الدار مع جهله بالانطباق فالرضا التقديري فيهما على حد سواء .

   وقد راجعناه ـ دام ظله ـ في ذلك فأفاد : أنّ عنوان ما فيه الصلاح من الجهات التعليلية الدخيلة في ملاك الحكم ، فهو بوجوده العلمي من المبادئ الواقعة في سلسلة علل الرضا ،  فلا يكون بنفسه متعلقاً للرضا ، وهذا بخلاف عنوان الأب أو الصديق الذي هو حيثية
   تقييدية ويتعلق الرضا به بنفسه بعد استكمال المبادئ وعدم قصور فيها . على أنه لم يعهد رضا الملاّك بكل تصرف فيه الصلاح بصورة عامة ، فانه قد لا يرغب فيه فلا يكون ذلك مسوّغاً للتصرف بحيث يرفع به اليد عن عموم سلطنة الناس على أموالهم ، فتدبر جيداً .

ــ[50]ــ

   هذا ، مع ان السيرة قائمة على جواز التصرف في المقام ، فيدخل الممنوع أو غير المأذون بعد كونه أباه أو أخاه أو صديقه ونحوهم ممن يقطع برضا المالك على تقدير معرفته ، ولا يعدّ ذلك ظلماً وتعدّياً عليه كما لا يخفى .

   ومما ذكرناه يظهر الحال في الصورة الثانية ، فانّ الاذن في التصرف يكشف عن طيب نفسه ورضاه وإن كان ذلك لاعتقاد أنه الصديق ، فيصدق معه الرضا ولو في الجملة ، فيشمله عموم الموثق . بل إنّ شمول الموثق لهذه الصورة أظهر ، كما أنّ قيام السيرة وبناء العقلاء هنا أوضح ، بحيث لا يكاد يتطرقه الانكار ، فان الانسان ربما يدعو جماعة لضيافته باعتقاد أنهم أصدقاؤه وأحبّاؤه ، وقد يكون فيهم منافق وهو من أعدى عدوّه بحيث لو علم به المالك لطرده ولم يرض بتصرفه ، مع أنه يجوز للمنافق التصرف بلا إشكال ولا يلام عليه لدى العقلاء بعد الاذن الصريح من المالك كما هو ظاهر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net