الشرط الثاني : كونه قارّاً 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1775


ــ[81]ــ

   الثاني من شروط المكان : كونه قارّاً ، فلا يجوز الصلاة على الدابة أو الأرجوحة أو في السفينة ونحوها مما يفوت معه استقرار المصلي (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقت واف بمقدار ركعة اختيارية لا مناص من الاتيان بها كذلك ، ولا فرق بيننا وبينه (قدس سره) إلا في احتساب تلك الركعة اُولى الفريضة أو أخيرتها ، والمختار هو الأول ، فيأتي بالباقي اختياراً وإن وقع خارج الوقت الأوّلي ، لوقوع الجميع حينئذ داخل الوقت التنزيلي بحديث من أدرك . وعلى مختاره من تقديم الوقت يتعيّن الثاني فيصلي تلفيقاً كما عرفت .

   (1) الاستقرار المعتبر في الصلاة له إطلاقان :

   أحدهما : بلحاظ المصلي نفسه ، المعبّر عنه تارة بالطمأنينة قبال الاضطراب ، واُخرى بالوقوف قبال المشي ، وسيجيء البحث عنه في أفعال الصلاة إن شاء الله تعالى .

   الثاني : بلحاظ المكان ، وإن كان المصلي نفسه واقفاً مطمئناً ، وهو المبحوث عنه في المقام ، المعدود من شرائط المكان ، فيبحث عن أنّ الحركة التبعية الحاصلة للمصلي الناشئة من عدم قرار المكان وانتقاله آناً بعد آن بحيث ليس هناك إلا التبدل في الفضاء من دون حركة للمصلي بالذات ، كالصلاة على وسائل النقل من الدواب والسيارات ولاسيّما الطائرات ، هل تكون قادحة في صحة الصلاة فيشترط فيها كون المحلّ قارّاً ثابتاً ؟ أو أنها غير قادحة فلا يعتبر القرار ؟

   ولا يخفى أنّ محلّ الكلام ما إذا لم تستوجب الحركة التبعية المزبورة فوات بعض ما يعتبر في الصلاة من الاستقبال أو القيام أو الطمأنينة ونحوها ، وإلا فلا إشكال في البطلان من أجل فقد تلك الاُمور ، وهو خارج عن محل الكلام ، كما هو ظاهر .

   والكلام هنا يقع في موردين :

   أحدهما : في الصلاة على الدابة أو السيارة أو الطائرة ونحوها من المراكب .

ــ[82]ــ

   الثاني : في الصلاة في السفينة ، وأنها هل تختص بخصوصية تمتاز بها عن غيرها بحيث يحكم بجواز الصلاة فيها اختياراً وإن استلزم الاخلال بما يعتبر في الصلاة أو لا ؟

   أما الكلام في المورد الأوّل : فقد استدل على اشتراط الاستقرار فيه بوجوه مزيّفة لا ينبغي الالتفات إليها :

   منها : قوله (صلى الله عليه وآله) : «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(1) بدعوى أنّ المعتبر في السجود أن يكون على الأرض ، فلا تجوز الصلاة على الدابة ، لاستلزامها السجود على غير الأرض .

   وفيه : ما لا يخفى ، فان الرواية مسوقة لبيان عدم اختصاص الصلاة بمكان خاص من مسجد الحرام أو مطلق المساجد أو بيت المقدس كما كان كذلك في الاُمم السابقة ، وأنّ الأرض بأجمعها صالحة للسجود ، وليست بصدد بيان اشتراط الأرضية في المسجدية ، لجواز السجود على قلل الأجبال بلا إشكال ، وكذا الشجرة المرتفعة إذا كان أعلاها مسطّحاً ، بحيث يمكن الصلاة عليه ، وكذا السرير الثابت في المكان ، وكذا الثلج كالشط المنجمد مع عدم صدق الأرض على شيء منها فهي في مقام التوسعة امتناناً دون التضييق .

   ويؤيده : عطف الطهور إيعازاً إلى جواز التيمم بمطلق وجه الأرض وعدم الاختصاص بأعاليها ، كما قد يقتضيه لفظ الصعيد ، فالرواية بفقرتيها سيقت لبيان الارفاق والتسهيل وعدم التضييق في أمر التيمم والصلاة ، لعدم اختصاصهما بمكان خاص كما هو واضح .

   ومنها : قوله تعالى (حَـفِظُوا عَلَى الصَّلَوَ تِ . . .) الخ(2) بدعوى أنّ الصلاة على الدابة مع كونها معرضاً للبطلان من جهة احتمال الاخلال بالاطمئنان أو بالاستقبال خلاف المحافظة عليها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3  : 350 / أبواب التيمم ب 7 ح 2 .

(2) البقرة 2  : 238 .

ــ[83]ــ

   وفيه : أنّ الأمر بالمحافظة إرشاد إلى الاهتمام بالصلوات والمحافظة على أدائها في أوقاتها كما فسّرت الآية بذلك ، وأمّا مجرد المعرضية للبطلان مع البناء على الاعادة على تقدير حصول الخلل فليس ذلك منافياً للمحافظة بوجه كما لا يخفى .

   نعم ، المعرضية مع الالتفات إليها مناف لحصول الجزم بالنية ، فان اعتبرنا الجزم تبطل الصلاة حينئذ لفقده ، لا لعدم كون المكان قارّاً ، وإلا ـ كما هو الأقوى ، للاكتفاء بقصد الرجاء كما هو محرّر في محلّه ـ فلا وجه للبطلان أصلاً .

   ومنها : وهي العمدة : طائفة من الأخبار كصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة ، ويجزئه فاتحة الكتاب ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء ويومئ في النافلة إيماء»(1) .

   وموثقة عبدالله بن سنان قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أيصلي الرجل شيئاً من المفروض راكباً ؟ فقال : لا ، إلا من ضرورة»(2) .

   وموثقته الأخرى عنه (عليه السلام) «قال : لا تصلّ شيئاً من المفروض راكباً» ، قال النضر في حديثه : إلا أن يكون مريضاً(3) .

   وقد عبّر في المدارك(4) عن الرواية الاُولى من روايتي ابن سنان بالموثقة ـ كما عبّرنا ـ واعترض عليه صاحب الحدائق بضعف السند حيث إن في الطريق أحمد بن هلال وهو فاسد العقيدة مرمي بالغلو تارة وبالنصب اُخرى(5) .

a   لكنا ذكرنا في بعض المباحث السابقة(6) أنّ الرجل وإن كان منحرف العقيدة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 325 / أبواب القبلة ب 14 ح 1 .

(2) ، (3) الوسائل 4  : 326 / أبواب القبلة ب 14 ح 4 ، 7 .

(4) المدارك 3  : 139 .

(5) الحدائق 6  : 408 .

(6) شرح العروة 12 : 332 .

ــ[84]ــ

لكنه موثق الحديث(1) ولا تنافي بين الأمرين . وقد مرّ تفصيل الكلام فيه مشروحاً فراجع ولاحظ .

   وكيف كان ، فيستدل بهذه الأخبار على أنّ الحركة التبعية الناشئة من سير الراحلة توجب البطلان ، فلا تجزئ الصلاة عليها إلا لدى الضرورة من مرض ونحوه .

   وفيه : أنّ الجمود على ظواهر النصوص يقضي بقادحية الصلاة على الراحلة بما هي كذلك حتى لو كانت واقفة وأمكن التحفظ على الأجزاء والشرائط ، كما لو صلى على بعير معقول ، فيكون ذلك شرطاً تعبدياً في الصلاة قبال سائر الشرائط كما أفتى به العلامة في القواعد(2) والشهيدان(3) وغيرهما في البعير المعقول الذي لم يتضح الفرق بينه وبين غيره .

   وعلى هذا فهي أجنبية عن اعتبار القرار في المكلف ولا ربط لها بالمقام .

   وإن بنينا على أنّ المراد منها المنع عن الصلاة حالة السير خاصة كما قد تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ـ ولاسيما التعرض كما في الصحيحة لتوجيه المريض إلى القبلة وإجزائه السجود على ما يمكن ، والايماء في النافلة ، واستثناء حال الضرورة كما في الموثقتين الكاشف عن عدم التمكن من رعاية الأجزاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اعتمد (دام ظله) في توثيق الرجل على تعبير النجاشي بانه صالح الرواية [رجال النجاشي : 83 / 199] مضافاً الى وقوعه في أسناد الكامل والتفسير .

   ولكنه معارض بالتضعيف المستفاد من استثنائه من رجال نوادر الحكمة [رجال النجاشي :  348 / 939] ، ولمثل هذه المعارضة حكم (دام ظله) بضعف الحسن بن الحسين اللؤلؤي .  المعجم 5  : 297 / 2793 . ولم يتضح الفرق بينه وبين المقام إلا أن يقال : بابتناء استثناء  ابن هلال على فساد العقيدة غير المنافي لتوثيق النجاشي ، فلا يقاس عليه اللؤلؤي .

   ولكنه مجرد احتمال لا ينفع ما لم يبلغ حدّ الاستظهار الذي دعواه كما ترى ، فلا يقاوم ظهور الاستثناء في التضعيف كما لا يخفى .

(2) القواعد 1 : 252 .

(3) الذكرى 3  : 189 ، مسالك الأفهام 1  : 159 .

ــ[85]ــ

والشرائط الملازم عادة لسير الدابة ـ .

   ففي هذه الصورة كما لا قرار للمكان لم تراع الأجزاء والشرائط أيضاً من القيام والسجود والاستقرار والاستقبال ، فمن الجائز أن يكون الوجه في البطلان هو الثاني دون الأوّل ، لما عرفت من الملازمة العادية بينهما ، لاسيّما في مثل الدابة ، فانّ الراكب عليها عاجز من رعاية ما ذكر إلا نادراً بعلاج ونحوه ، ومثله ينصرف عنه النص قطعاً .

   والمنع عن الانصراف بدعوى استفادة الحكم من العموم الوضعي وهو وقوع النكرة في سياق النفي الشامل لجميع الأفراد ، ولا يصادم الانصراف إلا انعقاد الاطلاق دون العموم .

   يدفعه أولاً : أنه لا فرق في قادحية الانصراف بين العموم والاطلاق ، ومن هنا يحكم باختصاص مانعية ما لا يؤكل بالحيوان لانصرافه عن الانسان ، مع أنّ الحكم مستفاد من العموم الوضعي ، أعني لفظة كل الواردة في موثقة ابن بكير قال (عليه السلام) فيها : «فالصلاة في روثه وبوله وألبانه وكلّ شيء منه فاسد» .(1) .

   وثانياً : منع دلالة النكرة الواقعة في سياق النفي على العموم بالوضع ، بل هو بالاطلاق كما حرّر في الاُصول(2) .

   وبالجملة : فلا يكاد يستفاد من هذه الروايات اشتراط الاستقرار في المكان بما هو ، بحيث لو فرض التمكن من الصلاة على الدابة السائرة مراعياً للطمأنينة والقيام والركوع والسجود كانت مجرد الحركة التبعية قادحة في الصحة . نعم الفرض في نفسه نادر ولا سيما في الدواب التي كانت الوسائط النقلية منحصرة فيها في الأزمنة السابقة ، وإن كان في بعض الوسائل المستحدثة كالسكك الحديدية ولا سيّما الطائرات بمكان من الامكان .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1 . (نقل بالمضمون) .

(2) محاضرات في أصول الفقه 5  : 158 .

ــ[86]ــ

   وتظهر ثمرة الخلاف ـ في مثل الدابة ـ فيما لو كانت وظيفة المكلف الصلاة جالساً مومئاً ، لعجزه بالذات عن القيام والركوع والسجود ، فانه بناءً على قادحية الحركة التبعية واشتراط القرار في مكان يلزم إيقاعها على الأرض ، وبناءً على عدم القدح ـ كما هو الصحيح على ما عرفت ـ يجوز إيقاعها على الدابة السائرة ، لعدم الاخلال بالأجزاء حينئذ ، والاطمئنان العرفي حاصل حال الجلوس كما لا يخفي .

   ثم إن مقتضى إطلاق الصحيحة ـ المستثنية للمريض ـ الاجتزاء بصلاة المريض على الدابة المستلزمة للاخلال بالأجزاء والشرائط عادة كما مرّ ، وإن لم تكن ضرورة تقتضيه لتمكنه من الصلاة على الأرض من غير مشقة ، إلا أنه معارض باطلاق الموثقتين المانعتين عن إيقاع الصلاة عليها من غير ضرورة الشامل للمريض وغيره ، وحيث إنّ النسبة عموم من وجه ، فيتساقطان في مادة الاجتماع وهو المريض غير المضطر ، ويرجع إلى عموم أدلة الأجزاء والشرائط .

   ثم إنه بناء على تسليم دلالة الأخبار على اشتراط القرار وقادحية الحركة التبعية بنفسها ، فالحكم خاص بموردها مما صدق معه الصلاة على الدابة أو على الراحلة ، أو الصلاة راكباً حسب اختلاف ألسنتها وإن كان الأخير أو سع مما سبق كما هو ظاهر ، فلا يعمّ الحكم ما إذا لم يتحقق معه الصدق المزبور وإن تضمّن الحركة التبعية كالصلاة على الاُرجوحة ، لقصور المقتضي للمنع ، إذ لا تصدق في مثلها الصلاة راكباً فضلاً عن الصلاة على الدابة أو الراحلة . فلو فرض التمكن حيئنذ من رعاية الأجزاء والشرائط وعدم الاخلال بشيء منها ، فمجرد الحركة بتبع الاُرجوحة مع المحافظة على استقرار المصلي واطمئنانه في نفسه لا يكون مانعاً عن صحة الصلاة .

   مضافاً إلى قيام الدليل على الجواز ، وهي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال ; «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي على الرفّ

ــ[87]ــ

المعلّق بين نخلتين ؟ فقال : إن كان مستوياً يقدر على الصلاة فيه فلا بأس»(1) . رويت بطريقين : في أحدهما ضعف لمكان عبدالله بن الحسن ، والعمدة الطريق الآخر الصحيح الذي رواها به الشيخ فلاحظ(2) .

   فان المراد من تعليق الرف إما خصوص ما علّق بالحبال ، كما قد يساعده لفظ التعليق ، بل هو الظاهر منه كما لا يخفى ، أو الأعم منه ومن المسمر بالمسامير ، وعلى أيّ تقدير فتدل ولو بترك الاستفصال على أنّ المعلّق بالحبال المتحرك بطبيعة الحال تجوز الصلاة عليه إذا كان الرفّ مستوياً بحيث يتمكّن من الصلاة عليه من غير اخلال بها ، وأنّ الحركة التبعية الحاصلة لدى قيام المصلي وجلوسه وركوعه وسجوده غير قادحة .

   نعم ، لو كان المراد خصوص المسمر بالمسامير كما احتمله بعضهم كانت أجنبية عن المقام ، لما فيه من الثبات والاستحكام ، فلا حركة أصلية ولا تبعية ، لكنه خلاف الظاهر منها قطعاً ، لمنافاته مع التعبير بالتعليق كما عرفت .

   وأما الكلام في المورد الثاني : أعني الصلاة في السفينة ، فالبحث عنها يقع في جهات :

   الأولى : لا إشكال كما لا خلاف في جواز الصلاة في السفينة لدى الاضطرار ، وعدم التمكن من الخروج عنها ، كما في الأسفار البعيدة ، فيأتي بما يتمكن من الأجزاء والشرائط الاختيارية ، وإلا فينتقل إلى أبدالها حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية ، لعدم سقوط الصلاة بحال ، فصحتها حينئذ على طبق القاعدة من دون حاجة إلى ورود النص . على أنه وارد كما ستعرف ، وهذا ظاهر لا سترة عليه .

   الثانية : إذا كان متمكناً من الخروج ، فالظاهر عدم الخلاف والاشكال أيضاً في صحة الصلاة في السفينة مع التمكن من مراعاة ما يعتبر فيها من الأجزاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5  : 178 / أبواب مكان المصلي ب 35 ح 1 .

(2) التهذيب 2 : 373 / 1553 .

ــ[88]ــ

والشرائط الاختيارية وعدم الاخلال بشيء منها ، فمجرد الحركة التبعيّة الحاصلة من سير السفينة غير قادحة هنا جزماً ، ولا يلزم الخروج إلى الساحل وإيقاع الصلاة على الأرض ، وتدل عليه جملة من النصوص :

   منها : صحيح(1) جميل بن دراج «أنه قال لأبي عبدالله (عليه السلام) : تكون السفينة قريبة من الجد (الجدد) فأخرج واُصلي ، قال : صلّ فيها ، أما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام)»(2) .

   وموثقة (3) يونس بن يعقوب «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصلاة في الفرات وما هو أصغر منه من الأنهار في السفينة ؟ فقال : إن صليت فحسن وإن خرجت فحسن»(4) .

a   ونحوها : رواية المفضل بن صالح المتحدة معها متناً مع اختلاف يسير(5) وقد عبّر المحقق الهمدانى عن الأخيرة بالصحيحة(6) وعبّر عنها بعضٌ بالموثقة ، وكلاهما في غير محله ، والصواب أنّها ضعيفة لتصريح(7) النجاشي بضعف الرجل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحة طريق الصدوق إلى جميل بن درّاج وحده من غير ضمّ محمد بن حمران محل تأمل    عند الاُستاذ ، وإن صححه أخيراً في كتاب الحج من وجه آخر .

(2) الوسائل 4 : 320 / أبواب القبلة ب 13 ح 3 .

(3) في سند الصدوق إليه في المشيخة [الفقيه 4 (المشيخة) : 46] : الحكم بن مسكين وتوثيقه    مبني على الاعتماد على رجال الكامل وقد عدل (دام ظله) عنه .

(4) ، (5) الوسائل 4 : 321 / أبواب القبلة ب 13 ح 5 ، 11 .

(6) مصباح الفقيه (الصلاة) : 106 السطر 12 .

(7) هذه العبارة غير صريحة في الضعف ، بل غايته عدم النقاش في التضعيف الذي نقله عن الجماعة ، وأقصاه الظهور دون الصراحة . بل يمكن الخدش فيه أيضاً ، فانّ حكاية التضعيف ولا سيما في ترجمة شخص آخر من دون تعليق أو تعقيب بنفي ولا إثبات لا يكاد يكشف عن الامضاء والارتضاء ، ومن ثم ترى النجاشي لم يضعف الرجل عند ترجمته [لم يترجمه النجاشي مستقلاً] فلو تم الارتضاء لكان الأولى والأجدر التعرض له عند التصدي  لترجمته ، كما أنّه حكى في ترجمة محمد بن أحمدبن يحيى [348 / 939]ان ابن الوليد استثنى الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن رجال نوادر الحكمة ومع ذلك وثقه بنفسه في ترجمته  [40/83] . فلاحظ .

ــ[89]ــ

ـ أي المفضل بن صالح أبو جميلة ـ في ترجمة جابر بن يزيد ، حيث قال بعد ترجمة جابر وتوثيقه ما لفظه : «روى عنه جماعة غمز فيهم وضُعّفوا، منهم : عمرو بن شمر ومفضل بن صالح . . الخ»(1) وتبعه غيره . وكيف كان ففيما عداها غنى وكفاية .

   نعم ، بازائها ما يتراءى منه عدم الصحة كصحيح حماد بن عيسى قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا فان لم يقدروا (هكذا في الوسائل ، والصواب لم تقدروا) فصلوا قياماً ، فان لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً وتحروا القبلة»(2) رويت بطريقين كلاهما صحيح .

   ومضمرة علي بن إبراهيم قال : «سألته عن الصلاة في السفينة ، قال : يصلي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة ، ولا يصلي في السفينة وهو يقدر على الشط . . .» الخ(3) والعمدة هي الأولى ، فانّ سند الأخيرة لا يخلو عن الخدش كما لا يخفى .

   ومقتضى الجمع هو حمل الطائفة الثانية على الاستحباب ، أو على ما إذا لم يتمكن من استيفاء الأفعال ، لكن الأول كما ترى ، فان استحباب الخروج لا يلائم مع الترغيب في الاقتداء بصلاة نوح ، وكيف يمكن حمل قوله (عليه السلام) : «إن صليت فحسن وإن خرجت فحسن» الظاهر في المساواة في الحسن على التفاضل وأرجحية الخروج .

   فالمتعين : هو الجمع الثاني كما يشهد له نفس الصحيح من الأمر بالصلاة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 128 / 332 .

(2) الوسائل 4 : 323 / أبواب القبلة ب 13 ح 14 .

(3) الوسائل 4 : 321 / أبواب القبلة ب 13 ح 8 .

ــ[90]ــ

قياماً وإلا فقعوداً وتحري القبلة مهما أمكن ، فانه ظاهر في عدم التمكن من المحافظة على أفعال الصلاة كما هي والاخلال ببعض ما يعتبر ، لا أقل من الاستقبال ولو في بعض الأحوال .

   الجهة الثالثة : قد عرفت عدم الخلاف في صحة الصلاة في السفينة اختياراً مع عدم الاخلال والتمكن من استيفاء الأفعال ، وأن الحركة التبعية بمجردها غير قادحة ، وهل تصح فيها اختياراً حتى مع الاخلال وعدم التمكن من الاستيفاء ، فتكون للسفينة خصوصية بها تمتاز عن غيرها ، وهي جواز الاقتصار على ما يتيسر من الأفعال ، وإن كان متمكناً من الخروج والاتيان بصلاة كاملة  ؟

   فيه خلاف بين الأعلام ، فقد ذهب غير واحد من المتأخرين إلى الجواز ، بل حكي عن جمع من القدماء ، لكن الأقوى خلافه ، بل لعله هو المشهور .

   ويستدل للجواز تارةً بمرسلة الصدوق في الهداية(1) وبالفقه الرضوي(2) لكن التعويل على مثلهما في إثبات الحكم المخالف لاطلاقات الأدلة الأولية كما ترى ، ولم تذكر المرسلة في الفقيه كى يلاحظ سندها .

   واُخرى : باطلاق ما دل على جواز الصلاة في السفينة اختياراً الشامل لصورتي التمكن من استيفاء الأفعال وعدمه كصحيحة جميل وموثقة يونس المتقدمتين(3) وغيرهما .

   ويندفع أوّلا : بمنع الاطلاق في تلك الأخبار ، فانها مسوقة سؤالا وجواباً لبيان حكم الصلاة في السفينة من حيث هي ، وأنّ الحركة التبعية الملازمة لها حالة السير غير قادحة ، فلا بأس بالصلاة في هذا المكان ، ولا نظر فيها إلى سائر ما يعتبر في الصلاة كي ينعقد الاطلاق بلحاظها . ألا ترى أنّه إذا سئل عن حكم الصلاة في الحمام مثلاً فاُجيب بنفي البأس لم يكن للجواب إطلاق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 3 : 187 / ابواب القبلة ب 9 ح 5 ، الهداية : 148 .

(2) المستدرك 3 : 188 / أبواب القبلة 9 ح 6 ، فقه الرضا : 146 .

(3) في ص 88 .

ــ[91]ــ

بالإضافة إلى إيقاعها عارياً أو إلى غير القبلة ، أو من دون طهارة ، وكذا إذا اُجيب بصحة الصلاة في السفينة لم يكن له إطلاق من حيث الطهارة المائية أو الترابية أو عدمهما ، فهكذا في المقام لا إطلاق لهذه النصوص بالاضافة إلى استيفاء الأفعال وعدمه ، لكون النظر مقصوراً على الحيثية التي سيق من أجلها السؤال وهي مجرد الوقوع في السفينة السائرة ، وهذا واضح لاغبار عليه .

   وثانياً : لو سلّمنا الاطلاق في تلك الأخبار فهي معارضة ـ كما مرّ ـ بما يقابلها مما تضمن المنع عن الصلاة في السفينة لدى التمكن من الخروج مثل صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة(1) ومقتضى الجمع بعد امتناع الحمل على الاستحباب كما عرفت حمل الطائفة الاُولى على صورة التمكن من رعاية الأجزاء والشرائط الاختيارية ، والثانية على صورة العجز ، لما فيها من الشواهد على ذلك كما سبق . وعليه فلا إطلاق في هذه الأخبار يعمّ صورة العجز عن استيفاء الأفعال .

   وثالثاً : مع الغض وتسليم امتناع الجمع بهذه الكيفية فيمكننا علاج المعارضة بوجه آخر . فنقول : إن النسبة بين الطائفتين كصحيحة جميل وصحيحة حماد وإن كانت هي التباين ابتداء لكنها تنقلب إلى العموم والخصوص المطلق بعد ملاحظة موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة(2) ، وبيانه : أن الموثقة وإن نوقش في سندها من جهة الحكم بن مسكين حيث لم يوثق في كتب الرجال صريحاً ، لكن يكفي في توثيقه وقوعه في أسانيد كامل الزيارات(3) ومن هنا عبّرنا عنها بالموثقة ، هذا من حيث السند .

   وأما الدلالة فهي في كمال الظهور في الاختصاص بالصلاة التي يتمكن فيها من استيفاء الأفعال ، بحيث لا فرق بينها وبين الصلاة الواقعة خارج السفينة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 89 .

(2) في ص 88 .

(3) تقدم [في هامش ص 88] أنّه (دام ظله) عدل عنه .

ــ[92]ــ

من غير ناحية المكان على ما يقتضيه قوله: «إن صلّيت فحسن وإن خرجت فحسن» فانّه كالصريح في كون المفروض التساوي بين نفس الصلاتين بالذات ، وعدم الفرق إلا من حيث المكان ، فلا يحتمل فيها الاطلاق من حيث الاستيفاء وعدمه .

   وعليه فبما أنها أخص من صحيحة حماد كما لا يخفى فتخصص بها ، فتبقى تحتها بعد التخصيص الصلاة التي لا يتمكن فيها من استيفاء الأفعال ، وبعدئذ تنقلب النسبة بين هذه الصحيحة وصحيحة جميل من التباين إلى العموم المطلق ، لكون الثانية أعم ، فتخصص بالاُولى وتكون النتيجة اختصاص صحيحة جميل بالصلاة التي يتمكن فيها من الاستيفاء ، فلا إطلاق لها بالاضافة إلى غيرها ، كما لا تعارض .

   فتحصل : أنّ الأقوى عدم جواز الاخلال بالأجزاء والشرائط اختياراً ، من غير فرق بين السفينة وغيرها من سائر المراكب ، وأنه مع التمكن من الخروج والاتيان بصلاة تامة يتعين ذلك .

   نعم ، مع العجز عنه يأتي بما يتيسر من الأفعال حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعلية  ، فيراعي الاستقبال لدى الشروع في الصلاة ، ثم إذا دارت السفينة يراعيه في بقية الأجزاء بقدر الامكان ، وإلا سقط الاستقبال كما نطقت به عدة من الأخبار . ففي موثق(1) يونس «استقبل القبلة ثم كبّر ثم در مع السفينة حيث دارت بك»(2) .

   وصحيح الحلبي : «يستقبل القبلة ويصفّ رجليه ، فاذا دارت واستطاع أن يتوجه إلى القبلة ، وإلا فليصلّ حيث توجهت به»(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم ما في السند [في هامش ص 88 ولكن هذا المقطع من الرواية نقل في الوسائل ذيل ح 7 بسند صحيح فراجع] .

(2) الوسائل 4 : 321 / أبواب القبلة ب 13 ح 6 .

(3) الوسائل 4 : 320 / أبواب القبلة ب 13 ح 1 .

ــ[93]ــ

   نعم مع الاضطرار ولو لضيق الوقت((1)) عن الخروج من السفينة مثلا لا مانع ، ويجب عليه حينئذ مراعاة الاستقبال والاستقرار بقدر الامكان ، فيدور حيثما دارت الدابة أو السفينة ، وإن أمكنه الاستقرار في حال القراءة والأذكار والسكوت خلالها حين الاضطراب وجب ذلك مع عدم الفصل الطويل الماحي للصورة(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومضمرة علي بن إبراهيم : «يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يصلي كيف ما دارت»(2) .

   وفي صحيحة حماد بن عثمان : «يستقبل القبلة فاذا دارت فاستطاع أن يتوجه إلى القبلة فليفعل وإلا فليصلّ حيث توجّهت به»(3) .

   نعم ، ربما يظهر من بعض الأخبار أنه اذا لم يتمكن أن يدور إلى القبلة يصلي إلى صدر السفينة كما في مرسلة الهداية والفقه الرضوي المتقدمتين(4) وكذا مرسلة الفقيه قال : «روي أنه إذا عصفت الريح بمن في السفينة ولم يقدر على أن يدور إلى القبلة صلى إلى صدر السفينة»(5) لكنها لمكان الضعف وعدم الجابر والمعارضة بما سبق لا تصلح للاعتماد .

   (1) تقدم سابقاً(6) أنه لو ضاق الوقت حال الخروج عن الدار الغصبية فدار الأمر بين الصلاة مومئاً خارجاً وبين إدراك ركعة اختيارية في الوقت خارج الدار قدّم الثاني ، وأنّ المراد من الضيق هناك عدم التمكن من إدراك الصلاة في المكان المباح حتى بمقدار الركعة ، وقد مرّ وجهه فلاحظ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المراد به في المقام هو عدم التمكن من أداء تمام الصلاة بعد الخروج .

(2) الوسائل 4 : 321 / أبواب القبلة ب 13 ح 8 .

(3) الوسائل 4 : 322 / أبواب القبلة ب 13 ح 13 .

(4) في ص 90 .

(5) الوسائل 4 : 321 / أبواب القبلة ب 13 ح 7 ، الفقيه 1 : 181 / 858 .

(6) في ص 73 .

ــ[94]ــ

وإلا فهو مشكل((1))(1) .

   [1342] مسألة 24 : يجوز في حال الاختيار الصلاة في السفينة أو على الدابة(2) الواقفتين مع امكان مراعاة جميع الشروط من الاستقرار والاستقبال ونحوهما ، بل الأقوى جوازها مع كونهما سائرتين إذا أمكن مراعاة الشروط ، ولو بأن يسكت حين الاضطراب عن القراءة والذكر مع الشرط المتقدم ، ويدور إلى القبلة إذا انحرفتا عنها ، ولا تضرّ الحركة التبعية بتحركهما وإن كان الأحوط القصر على حال الضيق والاضطرار .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وأما في المقام فالأمر بالعكس ، فيصلي في السفينة وإن أخلّ بالأفعال مهما لم يتمكن من الخروج والاتيان بصلاة اختيارية تمامها في الوقت ، سواء أتمكن من إدراك ركعة كذلك أم لا ، لاطلاق صحيحة حماد المتقدمة(2) ، فان ظاهر قوله (عليه السلام) : «فان لم تقدروا فصلوا قياماً . . .» الخ ، أي لم تقدروا من الخروج للاتيان بصلاة اختيارية كلها في الوقت ، سواء تمكن من إدراك الركعة أم لا ، فالمراد بالضيق في المقام عدم سعة الوقت لأداء تمام الصلاة بعد الخروج .

   (1) بل لا إشكال في سقوط الاستقرار حينئذ ، اذ بعد فرض استلزام مراعاته محو صورة الصلاة المساوقة لعدم تحققها خارجاً يكون الأمر حينئد دائراً بين ترك الاستقرار وبين ترك الصلاة رأساً ولا شك في تقدم الأول ، لعدم سقوط الصلاة بحال ، فلا مجال للاشكال وهذا واضح جداً .

   (2) بعدما عرفت بما لا مزيد عليه جواز الصلاة في السفينة أو على الدابة اختياراً حال سيرها ، وأن الحركة التبعية بنفسها غير قادحة مع فرض استيفاء الأفعال وعدم الاخلال بشيء منها ، فالجواز في فرض كونهما واقفتين بطريق أولى ، إذ لا يحتمل استثناؤهما من بقية الأمكنة ، فالصلاة عليهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا ينبغي الإشكال في وجوب الاشتغال في هذه الصورة .

(2) في ص 89 .

ــ[95]ــ

   [1343] مسألة 25 : لا يجوز الصلاة على صبرة الحنطة وبيدر التبن وكومة الرمل مع عدم الاستقرار ، وكذا ما كان مثلها(1) .
ــــــــــــــــــــــــ

وعلى الأرض على حد سواء كما هو ظاهر .

   (1) للاخلال بالاستقرار ، أعني الاطمئنان المعتبر في القراءة والأذكار كما هو واضح .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net