الشرط السابع - الشرط الثامن 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1873


ــ[99]ــ

   السابع : أن لا يكون متقدّماً على قبر معصوم ولا مساوياً له مع عدم الحائل المانع الرافع لسوء الأدب على الأحوط((1)) ، ولا يكفي في الحائل الشبابيك والصندوق الشريف وثوبه (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحيث إنّ النسبة بينهما عموم من وجه فان كان أحدهما بالوضع والآخر بالاطلاق قدّم الأول ، وإن كانا بالاطلاق كما في المقام تساقطا ويرجع إلى الأصل العملي ، وحيث إن الامر حينئذ دائر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل ، إذ كما يحتمل تعيّن الصلاة مع القيام خاصة ، أو مع الركوع والسجود خاصة ، كذلك يحتمل أن يكون المجعول الواقعي في هذا الظرف هو التخيير بينهما ، فيرجع حينئذ إلى البراءة عن التعيين ، لأنّ المتيقن هو جامع الصلاة وكل من الخصوصيتين مشكوكة تدفع بالبراءة ، فينتج التخيير ، إذ لا نحتمل عدم وجوب شيء منهما بأن يصلّي من دون القيام ومن دون الركوع والسجود ، فانّ الضرورات تقدّر بقدرها ، فيجب أحدهما قطعاً إما تعيينا أو تخييراً ، وواضح أنّ التعيين كلفة زائدة تدفع بالبراءة .

   ومن هذا البيان يظهر الجواب عن مقالة السيد الماتن (قدس سره) من الرجوع إلى الاحتياط عملاً بالعلم الاجمالي ، إذ هو إنما يتم لو كان المعلوم بالاجمال منحصراً في الاحتمالين الأوّلين ، بأن تعتبر الصلاة مع إحدى الخصوصيتين ، كي يكون من الدوران بين المتباينين حتى يجب الاحتياط بالتكرار . وأما مع وجود احتمال ثالث وهو التخيير كما عرفت فحيث لا علم حينئذ باحدى الخصوصيتين فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو الجامع ويدفع الزائد بالأصل .

   (1) يقع الكلام تارةً في الصلاة مساوياً لقبر المعصوم (عليه السلام) واُخرى مقدّماً عليه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والأظهر الجواز مع عدم استلزامه الهتك كما هو الغالب .

ــ[100]ــ

   أما مع التساوي : فالمشهور على الكراهة ، وعن بعض المتأخرين المنع ، ولا وجه له عدا مرسلة الحميري في الاحتجاج عن صاحب الزمان (عليه السلام) «لا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره لأن الامام لا يتقدم عليه ولا يساوى»(1) لكنها لمكان الضعف غير صالحة للاستدلال . مضافاً إلى معارضتها بروايته الاُخرى الآتية المصرّحة بالجواز عن اليمين والشمال . على أنّ هناك روايات كثيرة تضمنت أفضلية الصلاة عند رأس الحسين (عليه السلام) أو أبي الحسن (عليه السلام) المذكورة في كتب المزار(2) ، ومن هنا يشكل الحكم باطلاق الكراهة ، إلاّ أن يستند إلى المرسلة المتقدمة ، بناء على التسامح في أدلة السنن وجريانه في المكروهات .

   وأما مع التقدم : فالمشهور الكراهة أيضاً ، وعن جمع ولعلّ أولهم البهائي (قدس سره)(3) وتبعه جمع ممن تأخر عنه المنع ، ومستندهم فيه عدة أخبار :

   منها : ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن عبدالله الحميري قال : «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ، ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : وأما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، بل يضع خدّه الأيمن على القبر . وأما الصلاة فانها خلفه ويجعله الامام ولا يجوز أن يصلي بين يديه ، لأن الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله»(4) .

   ومنها : رواية الاحتجاج المتقدمة آنفا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 161 / أبواب مكان المصلي ب 26 ح 2 ، الاحتجاج 2 : 583 .

(2) المستدرك 10 : 327 / أبواب المزار ب 52 ح 3 ، البحار 98 : 186 ، 200 ، 215 .

(3) الحبل المتين : 159 .

(4) الوسائل 5 : 160 / أبواب مكان المصلي ب 26 ح1 ، التهذيب 2 : 228 / 898 .

 
 

ــ[101]ــ

   ومنها : رواية هشام بن سالم المروية في كامل الزيارات عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال «أتاه رجل فقال له : يابن رسول الله هل يزار والدك ؟ قال نعم ويصلى عنده ، وقال : يصلى خلفه ولا يتقدم عليه»(1) .

   أما الرواية الأخيرة فهي ضعيفة السند بعبدالله بن عبدالرحمن الأصم فقد ضعّفه النجاشي صريحاً(2) ونحن وإن اعتبرنا كلّ من وقع في سلسلة اسانيد كامل الزيارات ، لكنه ما لم يكن معارضاً بتضعيف مثل النجاشي .

   وأما سابقتها فقد عرفت ضعفها بالارسال ، فالعمدة إنما هي الرواية الاُولى ، والكلام فيها يقع تارة من حيث السند ، وأخرى من ناحية الدلالة .

   أما السند : فقد يناقش فيه من وجهين :

   أحدهما : أنّ الشيخ رواها عن محمد بن أحمد بن داود وطريقه إليه غير مبيّن في المشيخة .

   وجوابه : ما ذكره الميرزا الاسترابادي في منهج المقال(3) من عدم استقصاء الشيخ جميع طرقه في المشيخة ، بل ذكر جملة منها وأحال الباقي إلى الفهرست ، وطريقه إلى الرجل مذكور في الفهرست وهو صحيح كما نبّه عليه الأردبيلي(4) وإن اشتبه في عطف المشيخة عليه ، فقال : إنّ طريقه إليه صحيح في الفهرست والمشيخة ، لما عرفت من خلوّ الثاني عنه وكم له نظائر هذا الاشتباه ، فأسند
ما في الفهرست إلى المشيخة أو بالعكس ، أو إليهما معاً ، وليس إلاّ في أحدهما . وقد ظفرنا على هذا النوع من اشتباهاته ما يقرب الأربعين مورداً ، والعصمة لأهلها .

   هذا ، وقد أجاب الميرزا أيضاً بامكان استفادة طريقه إليه من ذكر طريقه إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 162 / أبواب مكان المصلي ب 26 ح 7 .

(2) رجال النجاشي : 217 / 566 .

(3) منهج المقال : 407 السطر 18 .

(4) جامع الرواة 2: 512.

ــ[102]ــ

أبيه أحمد بن داود ، لوقوع الابن في طريق الأب .

   وفيه : ما لا يخفى كما تنظّر هو (قدس سره) فيه ، فانّ غاية ذلك صحة طريقه إلى الرجل بالنسبة إلى ما يرويه من كتاب أبيه ، لا بالنسبة إلى كتاب نفسه الذي هو محل الكلام ، لنقل الرواية عن كتاب نفسه لا عن كتاب أبيه .

   ثانيهما : أن الفقيه (عليه السلام) المروي عنه ظاهر في الكاظم (عليه السلام) لكونه من ألقابه ، وبعد ملاحظة تأخر طبقة الحميري عنه (عليه السلام) وعدم إمكان روايته عنه بلا واسطة ، فلا محالة يشتمل السند على السقط فيكون في حكم المرسل .

   والانصاف أن هذه المناقشة في محلها(1) فان الرواية إما ظاهرة في إرادة الكاظم (عليه السلام) بقرينة قوله : «فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت» حيث إنّ استنساخ الحميري لا يستقيم لو كانت المكاتبة بينه وبين الصاحب (عليه السلام) وكان هو بنفسه صاحب التوقيع ، وانما يتجه لو كان التوقيع صادراً من الكاظم (عليه السلام) إلى غيره فوصلت إليه فاستنسخ منه نسخة ، وحيث لم يعلم ذلك الغير ففي السند سقط يلحقه بالمرسل .

   أو لا أقل من احتمال ذلك ، والترديد بين إرادة الكاظم أو الحجة (عجل الله فرجه) فلا جزم بالسند بعد احتمال الارسال فتسقط عن الاستدلال . هذا ومكاتبات الحميري مع الحجة (عجل الله فرجه) استقصوها وليست هذه منها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لكنها مبنيّة على أن يكون الفقيه من الألقاب المختصّة بالكاظم (عليه السلام) وليس كذلك ، بل يطلق على الحجة وعلى العسكري (عليهماالسلام) كما صرّح به في جامع الرواة  [2 : 461] وقد أطلق على العسكري في موارد منها : مكاتبة الصفار المروية في التهذيب 6 : 255 ومكاتبته الاُخرى المروية في 7 : 222 فمن الجائز أن يكون هو المراد في المقام .

   وأما القرينة التي من أجلها استظهر (دام ظله) إرادة الكاظم (عليه السلام) فمبنية على عود ضمير التكلم في قول : «قرأت . . . نسخت» إلى الحميري نفسه ، أما لو عاد إلى الراوي عنه  ـ أعني محمد بن أحمد أو والده كما لا يبعد ـ فلا موقع لها كما لا يخفى .

ــ[103]ــ

   فلا يصغى إلى ما يقال من أنّ الفقيه من ألقاب الحجة (عليه السلام) أيضاً كالكاظم ، أو أنّ المراد معناه الوصفي لا الاسمي ، مستشهداً بظاهر قول الحميري كتبت مؤيداً بالتصريح بصاحب الأمر (عليه السلام) في روايته الاُخرى المتقدمة(1) المروية عن الاحتجاج .

   فان الرواية الاخيرة ضعيفة السند فلا يعبأ بها ، والفقيه لم يعهد إطلاقه على الحجة (عليه السلام) ، ولفظة «كتبت» إنما تكشف عن إرادته (عليه السلام) لو علم أنّ قائلها هو الحميري ، ولم يثبت ، لما عرفت آنفاً من استظهار أنّه غيره ، أو لا أقل من الاحتمال ، فكيف يستدل بها على إرادة الحجة (عليه السلام) فالأقوى ضعف سند الرواية من جهة احتمال الارسال لو لم يطمأن به كما عرفت .

   وأما من حيث الدلالة : فمحتملات الرواية ثلاثة :

   الأوّل : أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) ، ويجعله الامام تنزيل القبر منزلة الامام (عليه السلام) وفرضه كأنه هو ، فكما لا يتقدم عليه (عليه السلام) فكذا على قبره .

   وهذا كما ترى ، فانّ الجعل والفرض لا يترتب عليه أثر ولا يغيّر الواقع عما هو عليه ، فان القبر إن لم يجز التقدم عليه لا يحتاج إلى الفرض والتنزيل ، وإلاّ فمجرد الفرض لا يوجب إجراء حكم الامام (عليه السلام) عليه ، فلا يكون التعبير على هذا التفسير سَلِساً ، بل لا يخلو من الركاكة كما لا يخفى . على أن التقدم على الامام (عليه السلام) في نفسه لا حرمة فيه ما لم يستلزم الهتك المنفي في المقام .

   الثاني : أن يراد من ذلك تنزيل القبر الشريف منزلة إمام الجماعة ، فكما لا يتقدم المأموم على الامام فكذا المصلي لا يتقدّم على القبر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 100 .

ــ[104]ــ

   الثامن : أن لا يكون نجساً نجاسة متعدية(1) إلى الثوب أو البدن ، وأما إذا لم تكن متعدية فلا مانع إلا مكان الجبهة ، فانه يجب طهارته وإن لم تكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وهذا يتلو سابقه في الركاكة وعدم السلاسة ، وإن استقام معه التعليل ، أعني قوله (عليه السلام) : «لأن الامام لا يتقدم» لعدم جواز التقدم على إمام الجماعة ، وذلك لما عرفت من أنّ الجعل لا يؤثر في صيرورة القبر بمنزلة الامام كي تترتب عليه الأحكام ، فان ذلك تابع لواقعه ولا مدخل للجعل والفرض في ذلك كما هو ظاهر .

   الثالث : وهو المتعيّن ، أن يكون الامام في قوله : «ويجعله الأمام» بفتح الهمزة ، بمعنى القدّام ، وتكون الجملة تأكيداً لسابقتها ، وهي قوله : «فانها خلفه» والمراد أنه يصلي خلف القبر الشريف ، ويجعل القبر قدّامه وأمامه ، وبهذا يتحفظ على سلاسة الكلام ، فان مراعاة كيفية وضع القبر ونسبته إلى موقف المصلي باختياره وتابع لجعله ، فيمكنه جعل القبر خلفه أو قدّامه أو عن يمينه أو شماله ، فأمر (عليه السلام) بجعله قدّامه معللاً بأن الامام (عليه السلام) لا يتقدم عليه ، وحيث إنّ التعليل حكم تأدبي قطعاً ، لعدم المحذور في التقدم على شخص الامام (عليه السلام) فضلاً عن قبره ، إذ لم يعهد أنه (عليه السلام) عند مشيه في الطريق كان الناس يقفون على جانبيه حتى يتعدى ، ولا يمشون قدّامه ، فهو محمول على الكراهة ، فلا يتضمن الالزام والمنع .

   فالأقوى ما عليه المشهور من الالتزام بالكراهة دون الحرمة ، بناء على التسامح في أدلة السنن وجريانه في المكروهات ، لما عرفت من ضعف سند الخبر كغيره مما سبق .

   هذا مع عدم الحائل ، أما معه الرافع لسوء الأدب فلا كراهة ايضاً ، ولا يكفي فيه الشبابيك والصندوق والثوب ووجهه ظاهر .

   (1) من الظاهر أنّ مرجع ذلك إلى شرطية طهارة البدن واللباس ، وليس

ــ[105]ــ

نجاسته متعدية ، لكن الأحوط طهارة ما عدا مكان الجبهة أيضاً مطلقاً ، خصوصاً إذا كانت عليه عين النجاسة .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net