تفسير التفريق الذي به يزول عنوان الجمع المعلّق عليه سقوط الأذان 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1566


ــ[275]ــ

ونحوه(1) في بعض الأحوال التي يجمع بين الصلاتين ، كما إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد . ويتحقق التفريق بطول الزمان بين الصلاتين(2) ، لا بمجرد قراءة تسبيح الزهراء أو التعقيب والفصل القليل ، بل لا يحصل بمجرد فعل النافلة مع عدم طول الفصل .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) كالمبطون والمسلوس سلس الريح ، ولكن إلحاقهما بالمسلوس بالبول الذي هو مورد النص يتوقف على أحد أمرين : إمّا دعوى أنّ السقوط من أحكام مطلق الجمع بين الصلاتين ، وقد عرفت ما فيها ، والماتن أيضاً لم يلتزم بها لعدم تعرضه إليها .

   أو دعوى إلغاء خصوصية المورد ، وعهدتها على مدّعيها ، فانّها وإن كانت محتملة من النص ، لكنّها لم تبلغ حدّ الظهور العرفي بحيث يمكن التعويل عليه . إذن فلم يثبت السقوط فيما عدا مورد النص ممّن يستمرّ به الحدث .

   (2) اختلفت كلمات الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) في تفسير التفريق الذي به يزول عنوان الجمع المعلّق عليه سقوط الأذان في موارد الجمع على القول به ، وفي الظهرين والعشاءين في عرفات ومزدلفة على ماهو ظاهر النص كما تقدم .

   فعن جماعة منهم السيد الماتن (قدس سره) أنّه عبارة عن الفصل الطويل بين الصلاتين بمثابة لا يصدق عرفاً عنوان الجمع بينهما وإيقاعهما في زمان واحد ، فلا يصدق التفريق بمجرد التعقيب أو التسبيح ونحوهما ممّا يعدّ من توابع الصلاة الاُولى ، بل ولا بمجرد فعل النافلة ونحوه مما لا يستوعب إلا فصلا قليلا .

   وعن جماعة آخرين : تفسيره بفعلهما في وقتيهما في قبال الجمع الذي هو عبارة عن فعل الفريضتين معاً في وقت إحداهما ، كالاتيان بالعصر في وقت فضيلة الظهر أو بالعكس ، وهكذا في العشاءين .

   وعن ثالث : أنّ العبرة بتخلل النافلة بينهما ، فان تنفّل فقد فرّق وإلا فقد جمع .

ــ[276]ــ

   وعن رابع : اعتبار الفصل الطويل عرفاً مع إلحاق التنفّل به تعبداً ، فمع تخلل النافلة يصدق التفريق للنص وإن لم يتحقق الفصل المعتد به .

   والصحيح هو الوجه الأوّل ، فانّه المنسبق إلى الذهن والمتبادر إلى الفهم من اللفظين : الجمع والتفريق لدى الاطلاق كما لا يخفي .

   وأمّا الوجه الثاني ، فيردّه مضافاً إلى أنه خلاف الانسباق العرفي كما عرفت ، أنّ لازمه صدق التفريق فيما لو أتى بالظهر في آخر وقت فضيلتها متصلة بالعصر في أوّل وقتها وهو كما ترى .

   وأمّا الوجهان الأخيران فمبنيّان على الاعتداد بالنصوص الدالة على حصول التفريق بالنافلة ، مع أنّها مخدوشة فانّها روايات ثلاث :

   الاُولى : ما رواه الكليني باسناده عن محمد بن حكيم قال : «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوّع ، فاذا كان بينهما تطوّع فلا جمع»(1) .

   الثانية : روايته الاُخرى عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : إذا جمعت بين صلاتين فلا تطوّع بينهما»(2) .

   الثالثة : موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد (عليه السلام) «قال : رأيت أبي وجدّي القاسم بن محمد يجمعان مع الأئمة المغرب والعشاء في الليلة المطيرة ، ولا يصلّيان بينهما شيئاً»(3) .

   أمّا الاُولى : فهي ضعيفة السند ، لأنّ محمد بن موسى الواقع في الطريق مردد بين الملقب بـ «خوراء» الثقة ، وبين الهمداني الضعيف ، كما أنّ من يروي عنه هذا الرجل مردد أيضاً ـ حسب اختلاف النسخة ـ بين محمد بن عيسى الثقة ، وبين علي بن عيسى ، ولم يوثق ، أضف إلى ذلك أنّ محمد بن حكيم بنفسه لا توثيق له(4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 4 : 224/ أبواب المواقيت ب 33 ح 3 ، 2 ، الكافي 3 : 287/ 4 .

(3) الوسائل 4 : 225/ أبواب المواقيت ب 33 ح 4 .

(4) ولكنه ممدوح لاحظ المعجم 17 : 36/10647 .

ــ[277]ــ

   وأمّا الثانية : فكذلك ، إذ مضافاً إلى ماعرفت من ضعف الراوي بنفسه ، قد اشتمل السند على سلمة بن الخطاب وهو وإن ورد في أسناد كامل الزيارات ولكنه معارض بتضعيف النجاشي(1) له صريحاً ، وكذلك العلامة(2) وابن الغضائري(3) ، والعمدة هو الأوّل . وأمّا الحسين بن يوسف فهو من رجال كامل الزيارات .

   وبالجملة : فالروايتان كلتاهما ضعيفتان سنداً ولم يتضح وجه لتعبير صاحب الحدائق(4) عن الاُولى بالموثقة .

   على أنّهما قاصرتان دلالة أيضاً ، نظراً إلى أنّهما قد تضمّنتا تنزيل الجمع المقرون بالتطوع منزلة التفريق ، وله أثران كل منهما يصلح أن يكون التنزيل بلحاظه أحدهما عدم سقوط الأذان ، والثاني استحبابه في نفسه ، حيث إنّه يستحب إيقاع كل صلاة في وقت فضيلتها وهو أمر مرغوب فيه عند الشارع ، وقد دلت النصوص الكثيرة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يفرّق بين الصلاتين ، فكان الناس ينصرفون إلى بيوتهم ثم يرجعون لاقامة الصلاة الثانية ، فدلّت هذه على حصول التفريق بتخلل النافلة من دون حاجة إلى الصبر وانتظار دخول الوقت كما هو المتعارف في عصرنا بالاضافة إلى العشاءين ، فيكون مفادها مفاد ما في غير واحد من الأخبار من أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان ، ولا يمنعك إلا سبحتك وهي النافلة . وقد ذكرنا في مبحث الأوقات أنّ التحديد بالقدم والقدمين أو الذراع والذراعين إشارة إلى ذلك(5) .

   وكيف ما كان : فلم يعلم أنّ التنزيل في الروايتين بلحاظ أيّ من الأثرين ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي : 187/498 .

(2) الخلاصة : 354/1402 .

(3) مجمع الرجال 3 : 152 .

(4) الحدائق 7 : 379 .

(5) شرح العروة 11 : 156 .

ــ[278]ــ

ولعله بلحاظ الثاني الذي هو أظهر الأثرين وأبرزهما كما لا يخفى ، فتكونان حينئذ أجنبيتين عن محل الكلام .

   وأمّا الثالثة : فهي أجنبية عن محل الكلام بالكلية ، إذ ليس مفادها ما عدا أنّه (عليه السلام) هو وجدّه جمعا بين الصلاتين في ليلة مطيرة ولم يتنفلا بينهما ، وأمّا أنّ التنفّل هل هو قادح في الجمع أو لا ، فلا إيعاز إلى ذلك فضلا عن الدلالة ، فانّها حكاية فعل مجمل العنوان كما لا يخفى .

   والمتحصل : أنّه لم ينهض ما يدل على أنّ الاتيان بالنافلة بمجرده يستوجب التفريق المنافي للجمع المحكوم بسقوط الأذان معه على القول به .

   والذي ينبغي أن يقال : إنّ سقوط الأذان تارة يكون لأجل الجمع واُخرى لجهات اُخرى .

   أمّا الجمع : فقد عرفت أنّ كبرى السقوط تحت هذا العنوان لا دليل عليها وإن ذهب إليها المشهور ، فلا مجال للبحث عن أنّ تخلل النافلة قادح أم لا .

   وأمّا المسلوس فقد تقدم أنّ سقوط الأذان فيه رخصة لا عزيمة ، ومعه لا جدوى للبحث عن قدح تخلل النافلة وعدمه كما لا يخفى . وإنّما تظهر النتيجة فيما إذا كان السقوط على سبيل العزيمة كما في عرفات ومزدلفة حيث نطقت صحيحة ابن سنان بجريان السنّة على سقوط الأذان حسبما تقدّم(1) لكنّ الغالب في عرفات سقوط النافلة ، لكون الحاج مسافراً ، ووضوح سقوط نوافل الظهرين في السفر .

   وأمّا لو كان حاضراً فتنفّل أو تنفّل بين العشاءين في المزدلفة ، فهل يكون هذا التخلل قادحاً في سقوط الأذان ؟

   مقتضى إطلاق صحيح ابن سنان المشار إليه هو العدم ، إذ لم يؤخذ فيه عنوان الجمع كي يتوهم انثلامه بالتنفل ، بل المأخوذ فيه القيام إلى الثانية بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 271 .

ــ[279]ــ

والأقوى أنّ السقوط في الموارد المذكورة رخصة لا عزيمة(1) وإن كان الأحوط الترك ، خصوصاً في الثلاثة الاُولى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الاُولى ، ولا شبهة في صدق هذا العنوان ولو تنّفل ، ولا سيّما إذا تنفّل جالساً ، إذ النافلة تعدّ من توابع الاُولى ، فلا تقدح في صدق المبادرة إلى الثانية عرفاً والقيام اليها .

   يبقى الكلام في أنّ التنفّل المزبور هل هو مشروع في المزدلفة ؟ فإنّ النصوص في ذلك متعارضة ، ومقتضى قوله (عليه السلام) في صحيحة منصور : «ولا تصلّ بينهما شيئاً»(1) هو العدم ، لكن صريح صحيحة أبان(2) هو الجواز .

   ويمكن الجمع بحمل الاُولى على نفي التأكيد ، حيث إنّ المقام مقام توهم تأكد الاستحباب كما لا يخفى ، ومع التعارض والتساقط فالمرجع إطلاقات الأمر بالتنفل بين العشاءين .

   (1) بل قد عرفت اختلاف الحال فيها ، وأنّه في المورد الثاني والثالث عزيمة وفي الخامس رخصة ، وفي غيرها لم يثبت السقوط من أصله فلاحظ .
ــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 14 : 15/ أبواب الوقوف بالمشعر ب 6 ح 3 ، 5 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net