3 ـ الترتيب بين الأذان والاقامة وبين فصولهما 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الثالث : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1634


   الثالث : الترتيب بينهما بتقديم الأذان على الاقامة(2) .

ـــــــــــــــــــــــــــ
   (2) يقع الكلام تارة في رعاية الترتيب بين نفس الأذان والاقامة ، واُخرى بين فصولهما ، فهنا جهتان :

   أمّا الجهة الاولى : فلا إشكال كما لا خلاف في لزوم الترتيب بينهما ، بل عن كشف اللثام دعوى الاجماع عليه (2) . ويمكن الاستدلال له مضافاً إلى الارتكاز القطعى بين المتشرعة ، وإلى الترتيب الذكري بينهما في لسان الأدلة بتقديم الأذان على الاقامة فيها برمّتها ، الكاشف ولو بمعونة الارتكاز المزبور عن المفروغية ، بل كونه من ارسال المسلم ، بجملة من النصوص :

   منها : ما ورد في استحباب الفصل بينهما حيث تضمن روايتين تدلان على المطلوب :

   إحداهما : صحيحة البزنطي قال : «قال : القعود بين الأذان والاقامة في الصلوات كلها إذا لم يكن قبل الاقامة صلاة»(3) فانّ فرض وقوع النافلة قبل الاقامة وجعلها بدلا عن القعود الفاصل بينها وبين الأذان يدل بوضوح على تقدمه عليها .

ـــــــــــــ
(2) كشف اللثام 3 : 377 .

(3) الوسائل 5 : 397/ أبواب الأذان والاقامة ب 11 ح 3 .

ــ[330]ــ

وكذا بين فصول كل منهما(1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ثانيتهما : موثقة عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال : «سألته عن الرجل ينسى أن يفصل بين الأذان والاقامة بشيء حتى أخذ في الصلاة أو أقام للصلاة ، قال : ليس عليه شيء  . . .» إلخ(1) حيث دلت على أنّ الدخول في الاقامة مصداق لنسيان الفصل كالدخول في نفس الصلاة ، وهذا كما ترى لا ينسجم إلا مع لزوم تأخرها عن الأذان .

   ومنها : موثقته الاُخرى أنه قال : «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الأذان حرفاً فذكره حين فرغ من الأذان والاقامة قال : يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله ، وليقل من ذلك الحرف إلى آخره ، ولا يعيد الأذان كله ولا الاقامة»(2) فانّه لولا تأخر محل الاقامة لم يكن وجه لقوله (عليه السلام) : «ولا الاقامة» ، إذ مع التقدم لا مجال لتوهم الاعادة كما لا يخفى .

   ومنها : ولعلها أوضح من الكل ، صحيحة زرارة المتضمنة لتطبيق قاعدة التجاوز على الشك في الأذان بعد الدخول في الاقامة قال : «قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الأذان وقد دخل في الاقامة ، قال يمضي ـ إلى أن قال ـ يازرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»(3) فانّه لولا تأخر محل الاقامة عن الأذان لم يكن مجال للتطبيق المزبور .

   (1) وأمّا الجهة الثانية : فتدل على الاعتبار مضافاً إلى الاجماع وما عرفته من الارتكاز ، جملة من الأخبار :

   منها : النصوص البيانية المتضمنة لكيفية الأذان والاقامة ، فانّ ظاهرها بعد اتحاد ألسنتها تحديد الفصول على النهج الخاص ووضع كل فصل في ظرفه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 398/ أبواب الأذان والاقامة ب 11 ح 5 .

(2) الوسائل 5 : 442/ أبواب الأذان والاقامة ب 33 ح 4 .

(3) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل ب 23 ح 1.

ــ[331]ــ

ومحله المقرر له ، المساوق للزوم رعاية الترتيب وعدم التخلف عنه فلا تسوغ مخالفته .

   ومنها : صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال : من سها في الأذان فقدم أو أخّر أعاد على الأول الذي أخّره حتى يمضي على آخره»(1) .

   ونحوها موثقة عمار : « . . .فان نسي حرفاً من الاقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه ثم يقول من ذلك الموضع إلى آخر الاقامة»(2) وهما صريحتان في المطلوب ، وفي أنّه لو خالف الترتيب رجع وتدارك من موضع المخالفة ، فالحكم مما لا ينبغي الاشكال فيه .

   وإنما الكلام في أمرين : أحدهما : أنّه لو تذكر نسيان بعض الفصول بعد فوات الموالاة فهل يلزم الاستئناف ، أو أنّه يرجع إلى الفصل الذي نسيه فيأتي به وبما بعده ؟

   ذهب جماعة منهم السيّد الماتن إلى الأوّل ، وهو الأصح نظراً إلى البطلان بفوات الموالاة العرفية فلا مناص من الاعادة . وذهب جماعة آخرون ومنهم صاحب الجواهر(3) إلى الثاني استناداً إلى الاطلاق في صحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين آنفاً ، وبذلك يرتكب التقييد في دليل اعتبار الموالاة بين الفصول .

   ويندفع : بمنع الاطلاق ، لوضوح قصر النظر في الروايتين على الخلل من ناحية الترتيب فقط من غير نظر إلى سائر الشرائط ، فتبقى هي وإطلاق أدلتها المقتضي لرعايتها حسب القواعد ، فلو أحدث ناسي الترتيب أثناء الاقامة وقلنا فيها باعتبار الطهارة لم يكن بدّ من الاعادة ، ولا سبيل إلى التصحيح استناداً إلى الاطلاق المزعوم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 441/ أبواب الأذان والاقامة ب 33 ح 1 .

(2) الوسائل 5 : 442/ أبواب الأذان والاقامة ب 33 ح 2 .

(3) الجواهر 9 : 91 .

ــ[332]ــ

   ثانيهما : لو تذكر أثناء الاقامة أو بعد الفراغ منها نسيان حرف من فصول الأذان ، ففي موثقة عمار أنّه لا شيء عليه ، قال : «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ، أو سمعته يقول : إن نسي الرجل حرفاً من الأذان حتى يأخذ في الاقامة فليمض في الاقامة وليس عليه شيء» إلخ(1) دلت بظاهرها على سقوط المنسي عن الجزئية بالتجاوز عن المحل كمن تذكر فوت القراءة بعد الدخول في الركن .

   ولكن موثقته الاُخرى دلت على التدارك ، قال : «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الأذان حرفاً فذكره حين فرغ من الأذان والاقامة ، قال : يرجع إلى الحرف الذي نسيه فليقله وليقل من ذلك الحرف إلى آخره . . .» إلخ(2) .

   فربما يتراءى التنافي بينهما ، ويجمع تارة بالحمل على عدم أهمية الأذان فتجزئ الاقامة وحدها ، واُخرى بحمل الأمر بالرجوع وتدارك الأذان على الاستحباب ، ولكن الظاهر عدم التنافي لنحتاج إلى العلاج لاختلاف مورد الموثقتين ، فانّ مورد الاُولى ما لو كان التذكر أثناء الاقامة ، ومورد الثانية ما لو كان بعد الفراغ عنها ، ولا مانع من التفكيك بالالتزام بالسقوط في الأوّل دون الثاني .

   ولعل الوجه فيه أنّه يلزم من التدارك في المورد الأول إما الفصل بين فصول الاقامة بالجزء المنسي من الأذان لو اقتصر عليها ، أو الغاء الفصول السابقة لو استأنفها ، وأما في المورد الثاني فلا يلزم منه شيء من هذين المحذورين ولا غيرهما عدا ما ذكره في الجواهر من لزوم تأخير الجزء المنسي من الأذان عن الاقامة فيختل الترتيب المعتبر بينهما(3) .

   ويندفع : بأنّ غايته ارتكاب التخصيص في دليل اعتبار الترتيب الذي ليس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 5 : 442/ أبواب الأذان والاقامة ب 33 ح 2 ، 4 .

(3) لاحظ الجواهر 9  : 90 .

ــ[333]ــ

فلو قدّم الاقامة عمداً أو جهلا أو سهواً أعادها بعد الأذان(1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو بعزيز في الفقه بعد مساعدة الدليل ، ووضوح عدم كونه من المستقلات العقلية غير القابلة له .

   هذا ومما يوهن الجمعين المزبورين قوله (عليه السلام) في الموثقة الاُولى : «فليمض في الاقامة» فانّ ظاهر الأمر بالمضي عدم مشروعية التدارك وأنّ وظيفته الفعلية هو ذلك ، فكيف يمكن الحمل على جواز المضي فضلا عن استحباب التدارك .

   (1) رعاية للترتيب المعتبر بينهما . وهذا لا إشكال فيه فيما إذا كان التذكر أثناء الاقامة .

   وأمّا إذا كان بعد الفراغ عنها ، فهل له تدارك الأذان على النهج المزبور ، أو أنّه لا سبيل إليه لتجاوز المحل وسقوط الأمر ؟

   يظهر الثاني من المحقق الهمداني(قدس سره)(1) . وتقريبه بتوضيح منا : أن الترتيب المعتبر شرعاً بين شيئين ، قد يكون ملحوظاً في كل من السابق واللاحق ، فيعتبر التقدم في الأوّل كما يعتبر التأخر في الثاني وهذا كما في أجزاء الواجب الارتباطي ، حيث يعتبر في الركوع مثلا تقدمه على السجود كما يعتبر فيه تأخره عن الركوع ، وهكذا الحال في سائر الأجزاء المتخللة ما بين الأول والأخير ، ونحوها عمرة التمتع بالاضافة إلى حجه فانّهما أيضاً من هذا القبيل كما لا يخفى .

   وقد يكون ملحوظاً في اللاحق فقط دون السابق ، وهذا كما في المترتبتين كالظهرين والعشاءين حيث إنّ صحة العصر والعشاء مشروطة بالتأخر عن الظهر والمغرب فلو تقدّمتا عمداً بطلتا ، وكذا سهواً لولا النص الخاص وحديث لا تعاد ، دون العكس فلو اقتصر على الظهر أو المغرب وترك اللاحقة رأساً صحتا وإن كان آثماً في الترك .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 221 السطر 28 .

ــ[334]ــ

   وقد يكون ملحوظاً في السابق فقط دون اللاحق كما في نافلة الظهرين حيث يعتبر تقدمها على الفريضة لا تأخر الفريضة عنها ، فلو خالف الترتيب وقدّم الفريضة فقد فوّت بذلك محل النافلة وامتنع تداركها ، إذ بعد وقوعها صحيحة المستلزم لسقوط أمرها لم يبق مجال لاعادتها لكي يأتي بالنافلة قبلها ، هذا .

   ولا شبهة أنّ الأذان بالقياس إلى الاقامة من القسم الأخير ، حيث يعتبر فيه التقدم على الاقامة ، ولا يعتبر فيها التأخر عنه ، فلو قدّمها فقد فات محل الأذان وامتنع التدارك حسبما عرفت .

   ودعوى بطلان الاقامة السابقة بالأذان اللاحق فله الاتيان بها بعده مدفوعة بعدم المقتضي للبطلان بعد وقوعها صحيحة ، فان الانطباق قهري والاجزاء عقلي ، والشيء لا ينقلب عما وقع عليه فكيف يوجب الأذان فسادها ، إلا أن يدل دليل شرعي تعبدي على اشتراط الاقامة بأن لا يقع بعدها الأذان ، ولا تكاد تفي الأدلة باثباته .

   وبالجملة : فالاشكال في أمثال هذه الموارد إنّما هو في جواز تدارك المتروك بعد الاتيان بما تأخر عنه في الرتبة ، حيث إنّ قضية الترتيب المعتبر بينهما تعذره بفوات محله ، إلا إذا قلنا بجواز الاعادة للاجادة ، والا فمقتضى القاعدة عدم المشروعية .

   أقول : ما أفاده (قدس سره) من عدّ المقام من القسم الأخير وجيه ، لكن ما استنتجه من فوات المحل وامتناع التدارك خاص بالعملين المستقلين المتعلّقين لأمرين نفسيين كما مثّل به من صلاة الظهرين ونافلتهما دون مثل المقام ، حيث إنّ الأذان والاقامة لم يكونا كذلك لكي يدعى فوات محل الأذان ، بل هما معاً يعدّان من مقدمات الصلاة ومتعلقاتها ، وما دام المصلي لم يتلبس بالصلاة فهو مأمور بالاتيان بهما بمقتضى الاطلاقات الناطقة بأنّه لا صلاة إلا بأذان وإقامة ، الشاملة حتى لمن أتى بالاقامة وحدها ، فلو بدا له في الأذان وأراد أن يتداركه لا قصور في شمول الاطلاقات له ، غاية الأمر مع إعادة الاقامة رعاية

ــ[335]ــ

وكذا لو خالف الترتيب فيما بين فصولهما ، فانّه يرجع إلى موضع المخالفة ويأتي على الترتيب إلى الآخر (1) . وإذا حصل الفصل الطويل المخلّ بالموالاة يعيد من الأول (2) من غير فرق أيضاً بين العمد وغيره (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــ

للترتيب ، لما عرفت من عدم كون الأمر بهما نفسياً(1) ليسقط ، وإنّما هو من أجل المقدمية للصلاة . ومن ثم لو أتى بهما وأخلّ بالموالاة المعتبرة بينهما وبين الصلاة بطلتا وكأنه لم يأت بهما ، وعليه الاستئناف متى أراد الصلاة ، لعدم الاتصاف بالمقدمية مع الاخلال المزبور هذا أوّلا .

   وثانياً : سلّمنا أنّ الأمر نفسي مستقل ، لكن الأذان المأتي به بعد الاقامة لمكان اشتماله على كلام الآدمي يستوجب استحباب إعادة الاقامة للأمر بها لدى تخلل التكلم بينها وبين الصلاة في بعض النصوص كما سيجيء إن شاء الله تعالى(2) ، فيستكشف من استحباب الاعادة بقاء محل الأذان وعدم فواته كما لا يخفى .

   (1) كما اُشير إليه في صحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين(3) .

   (2) كما تقدم(4) .

   (3) لاعتبار الموالاة في كلتا الصورتين كما ستعرف .
ــــــــــــــــ

(1) تقدم في ذيل الشرط الأول من هذا الفصل [في ص 323] ما ينافيه فلاحظ .

(2) في ص 354 .

(3) في ص 331 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net