الآيات الناهية عن التقليد 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 7540


ــ[69]ــ

   الآيات الناهية عن التقليد

   ثمّ إن هناك آيات وردت في النهي عن التقليد وذمه كقوله عزّ من قائل : (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرّسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون )(1) وقوله : (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون )(2) وغير ذلك من الآيات إلاّ أنها أجنبية عمّا نحن بصدده ، فإن محل الكلام إنما هو التقليد في الأحكام الفرعية بالإضافة إلى العوام غير المتمكن من تحصيل العلم بالمسألة والآيات المباركة إنما وردت في ذم التقليد في الاُصول ، حيث كانوا يتبعون آباءهم في أديانهم ، مع أن الفطرة قاضية بعدم جواز التقليد من مثلهم ولو في غير الأصول وذلك لأنه من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله ومن قيادة الأعمى لمثله ، فالذم فيها راجع إلى ذلك . مضافاً إلى أن الاُمور الاعتقادية يعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يسوغ فيها الاكتفاء بالتقليد ، وليس في شيء من الآيات المتقدمة ما يدل على النهي عن التقليد في الفروع عن العالمين بها ، لمن لا يتمكن من العلم بالأحكام .

   وأمّا الآيات الناهية عن الظن ، فهي أيضاً كسابقتها في عدم الدلالة على حرمة التقليد لما بيّناه في محلّه من أن النهي في تلك الآيات ليس نهياً مولوياً ، وإنما هو إرشاد إلى ما استقل به العقل ، إذ الظن يقترن دائماً باحتمال الخلاف فالعمل به مقرون باحتمال العقاب لا محالة ، ودفع العقاب المحتمل مما استقل به من العقل ، والنهي في الآيات المباركة إرشاد إليه . ومن ثمة قلنا في محله إن حجية أي حجة لا بدّ من أن تنتهي إلى العلم ، إذ لو لم تكن كذلك لاحتمل معها العقاب والعقل مستقل بلزوم دفعه .

   وعلى الجملة ، أن دلالة آية النفر على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لا إشكال فيه ، ولا يعارضها شيء من الآيات المباركة .

   ومنها : الروايات الدالة على جواز العمل بالتقليد وحجية الفتوى في الفروع ، وهي كثيرة بالغة حدّ التواتر الاجمالي وإن لم تكن متواترة مضموناً . وبها يظهر أن الأدلة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة 5 : 104 .

(2) البقرة 2 : 170 .

ــ[70]ــ

اللفظية والسيرة والعقل مطبقة على جواز التقليد وحجية فتوى الفقيه . وتلك الأخبار على طوائف :

   الاُولى : الأخبار المشتملة على إرجاع الناس إلى أشخاص معينين أو إلى عنوان من العناوين المنطبقة عليهم ، كالارجاع إلى العمري وابنه ، ويونس بن عبدالرحمان وزكريا بن آدم ، ويونس مولى آل يقطين ، والارجاع إلى رواة حديثهم إلى غير ذلك من الروايات (1) . وحيث إن دلالتها على الارجاع إلى هؤلاء مطلقة فتشمل ما إذا كان ما يؤدّونه في مقام الجواب ، ما وصل إليه نظرهم من الجمع بين الروايتين المتعارضتين أو حمل المطلق على المقيد أو التمسك بالعام عند الشك في التخصيص أو غير ذلك من أنحاء الاجتهاد والاستنباط ، وما إذا كان جوابهم بنقل الألفاظ الّتي سمعوها عنهم (عليهم السّلام) .

   وأظهر منها قوله (عليه السّلام) في رواية إسحاق بن يعقوب : «وأما الحوادث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال : «سألته وقلت : من اُعامل ؟ وعمّن آخذ ؟ وقول من أقبل ؟ فقال : العمري ثقتي فما أدى إليك عني ، فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون» . قال : «وسألت أبا محمد (عليه السّلام) عن مثل ذلك فقال : العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني ، فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما فانهما الثقتان المأمونان» .

         عبدالعـزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطـين جميعاً عن الرضا (عليه السّلام) قال : «قلت : لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال : نعم» .

         عبدالعزيز بن المهتدي قال : «قلت للرضاع (عليه السّلام) إن شقتي بعيدة فلست أصل إليك في كل وقت ، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين ؟ قال : نعم» .

         علي بن المسيب الهمداني قال : «قلت للرضا (عليه السّلام) : شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني ؟ قال : من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا» .

         إسحاق بن يعقوب قال : «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السّلام) أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك ... إلى أن قال : وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» . وسائل الشيعة 27 : 138 / أبواب صفات القاضي ب 11 ، ح 4 ، 9، 27 ، 33 ، 35 .

ــ[71]ــ

الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» (1) وذلك لأن الحوادث الواقعة قد لا تكون منصوصة فلا يمكن أن يجاب فيها إلاّ بالاجتهاد وإعمال النظر . وأما التعبير فيها برواة الحديث دون العلماء أو الفقهاء ، فلعل السرّ فيه أن علماء الشيعة ليس لهم رأي من عند أنفسهم في قبال الأئمة (عليهم السّلام) فإنهم لا يستندون إلى القياس والاستحسان والاستقراء الناقص وغير ذلك مما يعتمد عليه المخالفون ، وإنما يفتون بالروايات المأثورة عنهم (عليهم السّلام) فهم في الحقيقة ليسوا إلاّ رواة حديثهم .

   الثانية : الأخبار المشتملة على الأمر الصريح بافتاء بعض أصحابهم (عليهم السّلام) كقوله لأبان بن تغلب : «إجلس في (مسجد) مجلس المدينة وافت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك» (2) وقوله لمعاذ بن مسلم النحوي : «بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلت : نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج ، إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون ، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم وحبكم فاُخبره بما جاء عنكم ، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول جاء عن فلان كذا ، وجاء عن فلان كذا فادخل قولكم فيما بين ذلك فقال لي : إصنع كذا فإني كذا أصنع» (3) .

   وهذه الطائفة لا إشكال في دلالتها على جواز الافتاء في الأحكام ، كما أنها تدلنا على جواز التقليد والرجوع إلى مثل أبان أو معاذ ، إذ لو لم يجز تقليده بأن لم يكن فتواه حجة على السائل لم يكن فائدة في أمرهم (عليهم السّلام) بافتائه لأنه حينئذ لغو ومما لا أثر له .

   الثالثة : الأخبار الناهية عن الافتاء بغير علم وعن القضاء بالرأي والاستحسان والمقاييس ، وهي كثيرة عنون لها باباً في الوسائل وأسماه باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنية في نفس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 140 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9 .

(2) المروية في رجال النجاشي ص 7 ـ 8 .

(3) وسائل الشيعة 27 : 148 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 36 .

ــ[72]ــ

بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد ، بل ولو لم يأخذ فتواه ، فإذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها كفى في تحقق التقليد (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحكام الشرعية (1) . وهي تدل على حرمة الافتاء بمثل القياس والاستحسان وغيرهما مما هو متداول عند المخالفين لأنه من الافتاء بغير علم ، كما أنها تدل على جواز الافتاء عن مدرك صحيح كالأخبار المأثورة عنهم (عليهم السّلام) على ما هو المتعارف عند علماء الشيعة (قدّس الله أسرارهم) .

   (1) إن من يجوز تقليده إما أن يتحد وإما أن يتعدد ، وعلى الثاني إما أن يتفقوا في الفتوى وإما أن يختلفوا ، وعلى جميع هذه التقادير لا يرجع التقييد بالتعيين في كلامه (قدّس سرّه) إلى محصل وذلك :

   أمّا في صورة الاتحاد، فلوضوح أنه لا تعدد لمن يجوز تقليده ليجب تعيينه أو لا يجب.

   وأمّا عند التعدد مع الاتفاق في الفتوى ، فلما تأتي الإشارة إليه في المسألة الثامنة عشرة من أن الحجية إنما ترتبت على طبيعي فتوى الفقيه على نحو صرف الوجود وهذا ينطبق على القليل والكثير . إذن الحجة هو الجامع بين الفتويين أو الفتاوى سواء تساووا في الفضيلة أم اختلفوا ، فإن حال المقام حال الخبرين إذا دلّ كلاهما على حكم واحد ، حيث إن المجتهد إذا أفتى مستنداً إلى الجامع بينهما ، فقد استند إلى الحجة وإن لم يعيّن أحدهما ، إذ لا دليل على لزوم تعيين المستند بوجه ، بل التعيين أمر غير ممكن لأنه بلا مرجح ، فالحجة هو الجامع بين الروايتين .

   وأمّا عند التعدد مع الاختلاف في الفتوى ، فلما يوافيك في المسألة الثالثة عشرة من أن الوظيفة حينئذ هو الاحتياط ، لسقوط الفتويين أو الفتاوى عن الحجية بالتعارض فلا حجة ليجب تعيينها أو لا يجب .

   هذا كلّه إذا اُريد بالمعيّن ما يقابل المتعدد . وأمّا لو اُريد به ما يقابل المردد فالتقييد صحيح ، إلاّ أنه أمر لا حاجة إليه لأن المردد لا ماهية ولا وجود له ليكون قابلاً للحكم عليه بالحجية أو بغيرها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 35 / أبواب صفات القاضي ب 6 .

ــ[73]ــ

   [ 9 ] مسألة 9 : الأقوى جواز البقاء ((1)) على تقليد الميت ، ولا يجوز تقليد الميت ابتداء (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net