وضع الجبهة على ما لا يصح السجود عليه وبيان صور المسألة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2209


ــ[135]ــ

   [ 1618 ] مسألة 10 : لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه (1) يجب عليه الجر ((1)) ولا يجوز رفعها ، لاستلزامه زيادة السجدة ولا يلزم من الجرّ ذلك ، ومن هنا يجـوز له ذلك مع الوضع على ما يصح أيضاً لطلـب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غير أ نّه أراد الرفع طلباً للاستقرار الحقيقي وتحرِّياً للفرد الأفضل، فيكون خارجاً عن محل الكلام .

   هذا كلّه إذا تمكّن من الجر ، وأمّا مع عدم التمـكّن فالظاهر البطـلان ، فان وجوب الجر ساقط بعد فرض العجز فهو مرفوع بحديث نفي الاضطرار ، ولا سبيل إلى الرفع لاطلاق النهي عنه في صحيحة معاوية الشامل للمقام حيث دلّت على أنّ الوظيفة ليست هي الرفع ، وإطلاقها يشمل العجز عن الجر ، فلا مناص من الحكم بالبطلان .

   والتصدِّي للتصحيح بدعـوى أنّ السـاقط خصوص جزئية الجر بمقتضى حديث نفي الاضطرار ، فلا موجب لعدم الاكتفاء بالباقي ، يدفعه أنّ الحديث لا يقتضي تعلّق الأمر بالباقي ، فان رفع الجزئية إنّما هو برفع منشأ الانتزاع وهو الأمر المتعلِّق بالمركب ، وبعد سقوطه يحتاج تعلّق الأمر بما عداه من الأجزاء إلى دليل مفقود كما تعرّضنا لذلك في الاُصول (2) فلا محيص عن الاستئناف وإعادة الصلاة .

   (1) أمّا إذا كان ذلك عن قصد وعمد فلا ينبغي الشك في البطلان سواء أقصد به الجزئية أم لا ، من جهة الزيادة العمدية الحاصلة بمجرد تحقّق السجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل يجب عليه الرفع والوضع ثانياً ، ولو كان الالتفات بعد رفع الرأس وجبت إعادة السجدة ، والأحوط في جميع ذلك إعادة الصلاة بعد إتمامها .

(2) مصباح الاُصول 2 : 267 .

ــ[136]ــ

الأفضل أو الأسهل ونحو ذلك ، وإذا لم يمكن إلاّ الرفع ، فان كان الالتفات إليه قبل تمام الذكر فالأحوط الإتمام ثمّ الإعادة ، وإن كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي كما لو التفت بعد رفع الرأس ، وإن كان الأحوط الإعادة أيضا .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على ما لا يصح من غير توقف على الرفع وتجديد الوضع كما عرفت في المسألة السابقة .

   وأمّا إذا كان سهواً فالظاهر وجوب الرفع والوضع ثانياً على ما يصح ، إذ لا يترتّب عليه عدا زيادة سجدة واحدة سهواً وهي غير قادحة بلا إشكال . وقد عرفت أنّ الجر على خلاف القاعدة ، إذ لا يتحقّق معه الاحداث المعتبر في الوضع المتقوّم به السجود ، وإنّما قلنا به في المسألة السابقة من أجل النص غير الشامل للمقام كما هو ظاهر ، فوجوب الرفع هنا مطابق للقاعدة السليمة عن المخصّص .

   ويؤيِّده :  ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) «أ نّه كتب إليه يسأله عن المصلِّي يكون في صلاة الليل في ظلمة فاذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على مسح أو نطع فاذا رفع رأسه وجد السجادة ، هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها ؟ فكتب إليه في الجواب : ما لم يستو جالساً فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» (1) .

   ونوقش فيها تارة من حيث السند ، إذ أنّ الطبرسي يرويها عن الحميري مرسلا .

   واُخرى : من حيث المضمون واضطراب المتن ، لعدم استقامة الجواب في حدّ نفسه ، إذ بعد فرض عدم استوائه في جلوسه الملازم لرفع رأسه فأيّ معنى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 354 /  أبواب السجود ب 8 ح 6 ، الاحتجاج 2 : 570 .

ــ[137]ــ

بعدئذ لقوله (عليه السلام) : «لا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» وهل هذا إلاّ من تحصيل الحاصل . على أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، فانّ المسؤول عنه هو الاعتداد بتلك السجدة وعدمه ، فالجواب بعدم البأس في رفع الرأس لا ينطبق عليه ، إذ لم يظهر بعدُ حكم الاعتداد الواقع في السؤال .

   ويمكن الجواب عن الأوّل : بأ نّها وإن كانت مرسـلة في هذا السند لكن الشـيخ رواها في كتاب الغيبة بسـند صحيح(1) كما نبّه عليه صاحب الوسائل (قدس سره) في المقام حيث قال : ورواه الشيخ في كتاب الغيبة بالاسناد الآتي وسنده (قدس سره) إلى الحميري بوساطة محمّد بن أحمد بن داود القمي الّذي هو من أجلاّء الأصحاب كما ذكره النجاشي(2) والشيخ (قدس سره) وإن لم يدركه لأ نّه توفي قبل ولادة الشيخ ، لكنّه يروي عنه بواسطة مشايخه كالغضائري وابن عبدون وغيرهما كما صرّح به في الفهرست(3) .

   وعن الثاني : بأنّ في الكلام تقديماً وتأخيراً حيث إنّ قوله (عليه السلام) «ما لم يستو ... » إلخ متعلِّق بقوله (عليه السلام) : «فلا شيء عليه» ، فكأ نّه قال هكذا : لا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة ما لم يستو جالساً . فرخص (عليه السلام) في رفع الرأس بمقدار يسير ومشروطاً  بأن  لا يستوي جالساً، لا أ نّه قبل الاستقرار رخص في رفع الرأس كي يكون من تحصيل الحاصل ، فليست الجملة شرطية ، بل القيد راجع إلى الذيل كما عرفت .

   ومنه يظهر الجواب عن عدم المطابقة للسؤال ، إذ بعد حكمه (عليه السلام) برفع الرأس طلباً للخمرة يظهر أ نّه لا يعتد بتلك السجدة وإلاّ لم يكن له الرفع حتّى يسيراً كما لا يخفى .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغيبة : 380 / 346 .

(2) رجال النجاشي : 384 / 1045 .

(3) الفهرست : 136 / 592 .

ــ[138]ــ

   فالانصاف : أنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة المتن من غير تشويش ولا يرد عليها شيء ممّا ذكر ، ولكنّها مع ذلك لا تصلح للمقام إلاّ تأييداً ، ولا يمكن الاستدلال بها ، فان موردها صلاة الليل الظاهرة في نافلته ، وهي لمكان الاستحباب قد يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرائض ، لابتنائها على الارفاق والتسهيل ، وربّما لا يعتبر فيها ما يعتبر في الفرائض كما يشهد به بعض المقامات ولعل المقام منها ، فلا يمكن التعدِّي عن موردها كما أشار إليه في الجواهر (1) .

   وكيف ما كان ، ففيما ذكرناه من التمسّك بالقاعدة التي مقتضاها وجوب الرفع مقدّمة لتحقيق السجود المأمور به غنى وكفاية ، ولا حاجة إلى هذه الرواية ، وقد عرفت أنّ غاية ما هناك زيادة سجدة واحدة وأ نّها حاصلة بمجرد الوضع السابق ، ولم تكن مترتِّبة على الرفع والوضع ثانياً ، وحيث إنّها سهوية لم تكن قادحة . فما ذكره في المتن من المنع عن الرفع معلِّلاً باستلزامه زيادة السجدة ولا يلزم من الجر ذلك في غير محلّه .

   كما أنّ قياسه المقام على ما لو سجد على ما يصح فأراد الجر طلباً للأفضل أو الأسهل الجائز بلا إشكال مع الفارق ، بداهة حصول السجود المأمور به في المقيس عليه من غير خلل فيه ، فالتصدِّي للجر طلباً للأفضل ممّا لا ضير فيه وقد دلّت عليه أيضاً رواية صحيحة، وأمّا في المقام فغير حاصل، لما عرفت من لزوم إحداث الوضع على ما يصح مباشرة ولم يتحقّق على الفرض ، والجر غير نافع في تحقيقه فانّه إبقاء للوضع السابق وليس إحداثاً لوضع جديد ، وإلاّ فلو بني على كفاية الجر في تحقيق السجود المأمور به كان اللاّزم الاكتفاء به حتّى في صورة العمد والاختيار ، فله أن يضع جبهته على ما لا يصح عالماً عامداً ثمّ يجره إلى ما يصح السجود عليه ، ولا يظن أن يلتزم به الفقيه .

   فيكشف هذا كشفاً قطعياً عن عدم تحقّق السجود المأمور به من أجل فقده

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 10 : 162 .

ــ[139]ــ

شرط الاحداث ، وأ نّه لا يكاد يمكن تحصيله إلاّ بالرفع ، وأنّ ما وقع سجود عرفي بحت لا يمكن تتميمه بالجر ، وبما أ نّه لم يكن من أجزاء الصلاة فيقع على صفة الزيادة لا محالة من لدن وقوعه سواء أتعقب بالرفع أم لا ، فالزيادة حاصلة على كل حال ، وحيث إنّه كان مستنداً إلى السهو فزيادته غير قادحة .

   وملخص الكلام مع تنقيح المقام : أنّ من وقعت جبهته على ما لا يصح فقد يكون الالتفات قبل رفع الرأس ، واُخرى بعده فهنا فرعان .

   أمّا الفرع الأوّل ففيه قـولان : وجوب الجر كما اختاره في المتن تبعاً للجواهر(1) بل نسب ذلك إلى المشهور، ووجوب الرفع كما اختاره في الحدائق(2) . ومبنى القولين ـ بعد وضوح عدم نص في البين عدا التوقيع الّذي عرفت حاله ، فلا بدّ من الجري على ما تقتضيه القواعد ـ أنّ اعتبار السجود على ما يصح هل من شرائط المكان وقيد معـتبر في محل الجبهة سواء أحصل ذلك حدوثاً أم بقاءً ، أو انّه قيد ملحوظ في نفس السجود وأنّ اللاّزم هو الوضع على ما يصح ابتداءً ووقوع الجبهة عليه حدوثاً ، ولا يكفي بقاءً واستدامة .

   فعلى الأوّل : تعيّن الجر ، إذ السجود الحاصل وإن لم يكن بعدُ شرعياً ومن أجزاء الصلاة إلاّ انّه لمكان صلوحه لذلك ولو بمعونة الجر لفرض كفاية البقاء لم يكن موصوفاً بالزيادة ، وانّما يتّصف بها بعد الرفع والوضع ثانياً ولأجل ذلك لا يجوز الرفع لاستلزامه زيادة السجدة عمداً ، إذ كان في وسعه الاقتصار على هذه السجدة وتتميمها ، فباختياره زاد سجدة اُخرى . فلا مناص من وجوب الجر حذراً عن هذا المحذور المترتِّب على الرفع كما علّله به في المتن .

   وعلى الثاني : تعيّن الرفع ، إذ بعد فرض اعتبار الاحداث فهذا السجود غير قابل للاصلاح، ولا يمكن عدّه من أجزاء الصلاة إذ لا ينفعه الجر كما مرّ، ولازمه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 10 : 159 .

(2) الحدائق 8 : 287 .

ــ[140]ــ

اتِّصافه بالزيادة حينما وقع سواء أتعقبه الرفع والوضع أم لا ، فالزيادة حاصلة على كل حال ، وحيث إنّها سهوية لم تكن قادحة . فلا مناص من تعيّن الرفع والاتيان بالسجدة المأمور بها ، هذا .

   ولأجل أنّ المتعيِّن هو المبنى الثاني لما استفيد من النصوص من اعتبار الحدوث لمكان التعبير بالسقوط والوضع ونحوهما الظاهر في ذلك فالأقوى هو الرفع وعدم كفاية الجر ، وإلاّ لانتقض بصورة العمد الّذي لا يظن أن يلتزم به الفقيه كما مرّت الاشارة إليه .

   هذا كلّه مع التمكّن من الجر، وأمّا مع العجز عنه فبناءً على المختار من وجوب الرفع عند التمكن فمع العجز بطريق أولى كما لا يخفى .

   وأمّا بناءً على المسلك الآخر فالمشهور وجوب الرفع حينئذ، بل في المدارك(1) دعوى الاجماع عليه وهو الظاهر من عبارة المتن وإن احتاط بالاعادة بعد الاتمام ، إذ يبعد ارادته الاتمام من غير رفع وإلاّ لم يكن وجه لقوله : وإذا لم يمكن إلاّ الرفع ، بل كان الأحرى أن يقول : وإذا لم يمكن الجر ، فيظهر من هذا التعبير المشعر بالعناية بالرفع لزوم مراعاته ، وهو الّذي ادّعى في المدارك الاجماع عليه كما عرفت . وحينئذ ينافيه ما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الثامنة والعشرين من فصل مسجد الجبهة (2) من الجزم بالبطلان . على انّه (قدس سره) صرّح في المقام بالاكتفاء لو كان التذكّر بعد اسـتكمال الذكر مع انّه (قدس سره) جزم بالبطلان هناك وإن خصّه بالسعة .

 وكيف ما كان ، فسـواء أراده الماتن أم لا ، يتوجّه على القائلـين بالرفع ما اعترضه شـيخنا الأنصـاري (قدس سره) (3) من أ نّه بعد البناء على استلزامه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المدارك 3 : 409 .

(2) شرح العروة 13 : 182 المسألة [ 1376 ] .

(3) كتاب الصلاة : 170 .

 
 

ــ[141]ــ

لزيادة السجدة كما اعترف به الماتن وغيره ، فمن الضروري عدم الفرق في ذلك بين صورتي التمكن من الجر وعدمه .

   وعليه فكيف يمكن الالتزام في المقام بوجوب الرفع تحصيلاً لقيد معتبر في السجود وهو الوضع على ما يصح ، وهل يمكن المصير إلى إيجاد مانع مقدّمة لتحصيل شرط ، فلا مناص إمّا من إنكار المبنى فيلتزم بوجوب الرفع في كلتا الصورتين ـ كما هو الصحيح ـ أو البناء على البطلان في المقام فانّه المتعيِّن لو سلّم الاستلزام المزبور ، فالتفكيك مع الاعتراف بالمبنى غير ظاهر الوجه .

   هذا ، وقد يحتمل في المقام قول ثالث وهو البناء على صحّة الصلاة وإتمامها على هذه الحالة من دون رفع ، فانّ الجر ساقط لفرض العجز ، والرفع موجب للزيادة ، فيدور الأمر بين الصحّة والاتمام كذلك وبين البطـلان ، لكن الأخير منفي بحديث لا تعاد ، إذ الخلل لم ينشأ من قبل السـجود كي يندرج في عقد الاستثناء ، وإنّما هو في قيد معتبر فيه وهو الوضع على ما يصح ، فيشمله عموم المستثنى منه ، فذات السجود قد اُتي به ، وإنّما الخلل في واجب آخر معتبر فيه فليس حاله إلاّ كالاخلال بالذكر أو الاطمئنان ، أو وضع سائر المساجد الّذي هو مشمول لعموم الحديث بلا ارتياب ، فيتعيّن الحكم بالصحّة .

   ولعل فتوى الماتن بها لو كان الالتفات بعد استكمال الذكر حيث قال : وإن كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي ، ناظر إلى هذا القول غير الجاري فيما لو كان التذكر قبل الاستكمال ، لعدم تكفّل الحديث لتشريع الذكر حال فقد القيد ولأجله فصّل (قدس سره) بين الصورتين وإلاّ فلم يظهر وجه للتفكيك أصلاً كما لا يخفى .

   ولكنّه لا يتم أمّا أوّلاً :  فلأنّ السجود بمفهومه العرفي وإن كان هو مطلق وضع الجبهة على الأرض ، لكن الّذي اعتبره الشارع في الصلاة هو حصّة خاصّة منه وهو الوضع على ما يصح السجود عليه فهو الجزء بخصوصه دون غيره

ــ[142]ــ

فالاخلال بهذا القيد إخلال بذات الجزء ، فلو سجد على ما لا يصح فقد ترك الجزء نفسه ، إذ ما أتى به لم يكن جزءاً ، وما هو الجزء لم يأت به ، ومن الواضح أنّ السجود المستثنى في حديث لا تعاد ـ وكذا الركوع ـ لا يراد به إلاّ السجود المعدود من أجزاء الصلاة ، أعني السجود الشرعي المأمور به دون ذاته بما له من المفهوم العرفي ، ومن هنا لو انحنى مقداراً تحقّق معه الركوع العرفي ولم يبلغ الحد الشرعي نسياناً ثمّ تذكّر لا ينبغي الشك في بطلان الصلاة ، ولا مجال لتصحيحها بالحديث ، مع أنّ المتروك حينئذ إنّما هو قيد الركوع وحدّه الشرعي لا ذاته ، وقياسه بالذكر ونحوه في غير محله ، إذ تلك الاُمور واجبات معتبرة حال السجود وليست قيداً مأخوذاً في ذات المأمور به .

   وعلى الجملة : فالاخلال بالقيد في المقام إخلال بنفس السجود لا بواجب آخر ، فيندرج في عقد الاستثناء دون المستثنى منه .

   وأمّا ثانياً :  سلّمنا أنّ المراد بالسجود في الحديث هو ذاته ومعناه العرفي دون الشرعي ، إلاّ أنّ الحديث لا يشمل الاخلال العمدي وإن كان عن عذر كما في المقام ، حيث إنّ الوظيفة هي الجر حسب الفرض غير أ نّه عاجز عنه ، فهو يخل به ويتركه عن عمد والتفات وإن كان مضطرّاً إليه ، والحديث إنّما يجري فيما إذا كان الالتفات بعد تحقّق الاخلال ومضي محل التدارك ، سواء أكان الالتفات أثناء الصلاة أم بعدها ، ولا يعم ما إذا كان ملتفتاً إلى الترك حين الاخلال بالجزء أو الشرط وإن كان معذوراً فيه ، لاختصاص الحديث بغير صورة العمد ، ومن هنا لو شرع في الصـلاة فمنعه عن القراءة مثلاً مانع أو نسي صورتها فتركها ملتفتاً لا ينبغي الشك في عدم شمول الحديث له ووجوب إعادة الصلاة .

   والمتحصِّل ممّا مرّ : سقوط هذا القول وأنّ الأقوى وجوب الرفع سواء أتمكن من الجر أم لا ، وسواء أكان الالتفات قبل استكمال الذكر أم بعده قبل رفع الرأس .

ــ[143]ــ

   وأمّا الفرع الثاني :  أعني ما إذا كان الالتفات بعد رفع الرأس ، فقد ظهر ممّا مرّ لزوم التدارك تحصيلاً للسجود المأمور به ولا ضير فيه بعد عدم قادحية الزيادة السهوية في السجدة الواحدة كما مرّ ، ولكن المشهور هو الاكتفاء بذلك وعلّله في الجواهر (1) بأنّ المتروك خصوصية معتبرة في السجود وهي كونه على ما يصح دون أصله ، فيشمله عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد المقتضي للصحّة . فالمقام نظير ما لو أخلّ بالذكر أو الاطمئنان أو وضع سائر المساجد سهواً المحكوم بالصحّة بلا إشكال عملاً بالحديث .

   أقول :  الظاهر لزوم التدارك كما عرفت ، لوقوع الخلل في نفس السجود المأمور به .

   وتوضيح المقام : أ نّه لا ريب أنّ أجزاء الصلاة قد لوحظت على صفة الانضمام والارتباط ، فكل جزء إنّما يعتبر في المركب مقيّداً بالمسبوقية أو الملحوقية ، أو المقارنة مع الجزء الآخر بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء ، فالقراءة مثلاً المعدودة من أجزاء الصلاة هي المسبوقة بالتكبيرة والملحوقة بالركوع ، والمقارنة للقيام دون المجرّدة عن شيء منها ، فالاخلال بهذا القيد يستوجب الاخلال بذات الجزء لا محالة ، ومن هنا لو نسي القراءة وتذكّر بعد الدخول في الركوع كان محل التدارك باقياً بالنظر الدقيق ، لعدم الدخول بعدُ في الجزء المترتِّب فانّه الركوع المتّصف بمسبوقيته بالقراءة ولم يتحقّق ، والمتحقِّق ركوع غير مسبوق ولم يكن جزءاً ، إلاّ أنّ الاخلال بهذا القيد الناشئ من اللحاظ المزبور غير قادح في الصحّة بلا إشكال ، وإلاّ لزم اللغوية في حديث لا تعاد ، لعدم الفرق حينئذ بين الخمسة المستثناة وغيرها ، إذ الاخلال بغير الخمس عندئذ يستوجب الاخلال بالخمس بطبيعة الحال ، فترك القراءة مثلاً ملازم لترك الركوع ، وترك التشهّد ملازم لترك السجود ، لعدم مسبوقية الركوع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 10 : 162 .

ــ[144]ــ

بالقراءة ، وعدم ملحوقية السجود بالتشهّد ، وهكذا .

   فلازمه الحكم بالبطلان لدى الاخلال بأيّ جزء على الاطلاق ، حتّى الذكر حال الركـوع ، لعدم مقارنته معه . مع أنّ الحديث خصّ البطـلان من ناحية الخمس فقط، كما أ نّه يلغو حينئذ قوله (عليه السلام) : لا تعاد الصلاة من سجدة وإنّما تعاد من ركعة(1) لاستلزام الاخلال بالسجدة الاخلال بالركعة كما عرفت .

   فبهذه القرينة القطعية يستكشف أنّ القيد الّذي يستوجب الاخلال به البطلان في الخمس ولا يستوجبه في غيرها هو القيد غير الناشئ من ناحية الانضمام والارتباط ، وأنّ الموجب للبطلان في الخمس هو الاخلال بها في أنفسها إمّا بتركها رأساً ، أو بترك القيد المعتبر في تحقّقها بما هي كذلك مع قطع النظر عن لحاظ الارتباط والانضمام ، وهذا ظاهر جدّا .

   وعليه فبما أنّ وضع الجبهة على ما يصح من القيود الشرعية المعتبرة في ذات السجود المأمور به بما هو كذلك ، فالاخلال به إخلال بنفس السجود ، فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، إذ المراد من السجود في الحديث ـ وكذا الركوع ـ هو السجود الشرعي دون العرفي ، لما مرّ قريباً من النقض بمن اقتصر على الركوع العرفي ولم يبلغ الحدّ الشرعي في انحنائه نسياناً ، فانّ صلاته حينئذ محكومة بالبطلان بلا إشكال ، مع تحقّق الركوع العرفي منه .

   نعم ، من ناحية الزيادة لا يعتبر أن يكون الزائد سجوداً أو ركوعاً شرعياً بل يكفي العرفي ، لاستفادة ذلك ممّا دلّ على النهي عن تلاوة العزيمة في الصلاة معلِّلاً بأ نّه زيادة في المكتوبة (2) حيث طبّق (عليه السلام) عنوان الزيادة على سجود التلاوة ، مع أ نّه سجود عرفي قطعاً ، لعدم اعتبار الوضع على ما يصح

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 319 /  أبواب الركوع ب 14 ح 2 (نقل بالمضمون) .

(2) الوسائل 6 : 105 /  أبواب القراءة ب 40 ح 1 .

ــ[145]ــ

السجود عليه في هذا السجود ، بل يكفي كيف ما اتّفق .

   وعلى الجملة :  السجود المذكور في الحديث شرعي من حيث النقص ، وإن كان عرفياً من ناحية الزيادة . فالاخلال بكل قيد معتبر فيه شرعاً إخلال بنفس السجود ، ولا ريب أنّ الوضع على ما يصح من هذا القبيل ، فتركه تركه إذ ما أتى به من الوضع على ما لا يصح لم يكن جزءاً ، وما هو الجزء لم يأت به فلا يمكن الاكتفاء به ، لعدم اندراجه في عقد المستثنى منه ، بل لا بدّ من إعادة السجود وتداركه تحصيلاً للمأمور به ، غاية ما هناك لزوم زيادة سجدة واحدة وحيث إنّها سهويّة من حين تحقّقها لم تقدح كما مرّ غير مرّة .

   يبقى الجواب عمّا ذكره (قدس سره) من موارد النقض ، أمّا عن الذكر فظاهر فانّه جزء مستقل معتبر حال السجود ولم يكن قيداً مأخوذاً في تحقّق السجود الشرعي إلاّ باعتبار فرض الارتباط الّذي عرفت عدم العبرة بالقيد الناشئ من هذه الجهة، فهو جزء بحياله ولا يستوجب الاخلال به إخلالاً بالسجود الشرعي بوجه ، فانّه متقوّم بوضع الجبهة على ما يصح ، سواء أكان معه ذكر أم لا ، فلا يقاس ذلك بخصوصية كون المسجد ممّا يصح ، فانّها دخيلة في تحقّقه دونه .

   ومنه يظهر الجواب عن سائر المحال فانّها واجبات في هذا الحال وليست بمقوّمات السجود الشرعي بما هو سجود ، فليس الاخـلال بها إخلالاً به كما لا يخفى .

   وأمّا النقض بالطمأنينة ، فلا مجـال له أيضاً بناءً على مسلك المشهور من انحصار مستندها بالاجماع ، إذ هو دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال الذكر ، فمع النسيان لم يكن معتبراً من أصله كي يكون الاخلال به إخلالاً بالسجود .

   نعم ، يتّجه النقض بها بناءً على مسلكنا من الاستناد فيها إلى الدليل اللفظي

ــ[146]ــ

وهو صحيح الأزدي(1) ـ حسبما تقدّم(2) ـ الشامل باطلاقه لحالتي العمد والسهو إذ ظاهر قوله (عليه السلام) : «إذا سجد فلينفرج وليتمكن» اعتبار التمكن في تحقّق السجود الشرعي كاعتبار الوضع على ما يصح ، من غير فرق بين العمد والسهو ، لكونه إرشاداً إلى الشرطية المطلقة كما مرّ ،

   لكن دقيق النظر يقضي بعدم ورود النقض على هذا المسلك أيضاً ، فانّ المستفاد من قوله (عليه السلام) «إذا سجد فليتمكن» ، وكذا قوله (عليه السلام) «إذا ركع فليتمكن» أنّ السجود أمر مفروض الوجود خارجاً، وحيث إنّه متقوّم بالوضع ـ فلا يكفي مجرّد المماسة ـ والوضع متقوّم بالاعتماد المنوط بالاستقرار ولو آناً ما ، إذ بدونه ضرب لا وضع كما لا يخفى ، إذن فالاسـتقرار في الجملة مأخوذ في مفهوم السجود عرفاً ، وبذلك يفترق عن الركوع ، وعليه فالأمر بالتمكين في الصحيحة لما كان بعد فرض تحقّق السجود ، فهو لا جرم ناظر إلى مرحلة البقاء وأ نّه يعتبر فيه التمكين وعدم الاضطراب ، وأن لا يكون سجوده نقراً كنقر الغراب ، وهذا كما ترى واجب آخر موضوعه البقاء ولا مساس له بنفس السجود المتقوّم تحقّقه بالحدوث ، فلا يكون الاخلال به إخلالاً بذات السجود ، بل إنّ وزانه وزان الذكر ووضع سائر المحال في كونها واجبات مستقلّة مندرجة في عقد المستثنى منه لحديث لا تعاد .

   والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن : عدم الاعتداد بما يقع من الجبهة على ما لا يصح سهواً ، ولزوم التدارك باعادة السجود ، سواء أكان التذكّر قبل رفع الرأس أم بعده ، فيجب الرفع في الأوّل ، والتكرار في الثـاني ، ولا يترتّب عليه أيّ محذور عدا الزيادة السهوية في السجدة الواحدة غير القادحة بلا إشكال.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 35 /  أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14 .

(2) في ص 93 .

ــ[147]ــ

   هذا كلّه فيما إذا اتّفق ذلك في سجدة واحدة .

   ولو اتّفق في السجدتين معاً ، بأن التفت في السجدة الثانية ، أو بعد رفع الرأس عنها أنّ سجدتيه كانتا على ما لا يصح ، فالظاهر هو البطلان ، بل لا ينبغي الاشكال فيه ، إذ لو اقتصر عليهما فقد نقص السجود المأمور به فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، ولو تداركهما لزم الزيادة في السجدتين القادحة ولو سهواً بلا ريب ، فيشمله الحديث أيضاً لاطلاقه من حيث الزيادة والنقص كما تقرّر في محله . نعم ، الزيادة حاصلة في السجود العرفي كما لا يخفى ، لكن أشرنا فيما سبق أنّ المراد بالسجود والركوع في الحديث هو الشرعي منهما من حيث النقص ، والعرفي من ناحية الزيادة فتذكّر . فلا مناص من الحكم بالبطلان .

   نعم ، يمكن أن يقال في المقام بالاقتصار في مقام التدارك على إحدى السجدتين ، إذ المتروك حينئذ ليس إلاّ سجدة واحدة ولا ضير فيها ، فيحكم بالصحّة استناداً إلى قوله (عليه السلام) : لا تعاد الصلاة من سجدة المراد بها السجدة الواحدة قطعاً وإنّما تعاد من ركعة (1) لكنّه ساقط جدّاً ، لما أشرنا إليه قريباً من أنّ هذا الحديث كحديث «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» لا يكاد يشمل الاخلال العمدي وإن كان عن عذر ، بل يختص مورده بما إذا كان الالتفات بعد تحقّق الاخلال خارجاً ، ولا يعم ما لو كان ملتفتاً حين الاخلال كما في المقام وإن كان معذوراً فيه ، فانّ ذلك قضيّة مادة الاعادة وتمام الكلام في محلّه .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 319 /  أبواب الركوع ب 14 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net