ما يمكن أن يستدل به على الوجوب 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1943


ــ[180]ــ

   والّذي يمكن أن يستدل به على الوجوب جملة من النصوص .

   الاُولى :  ما رواه الصدوق في كتاب الخصال عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «اجلسوا في الركعتين حتّى تسكن جوارحكم ثمّ قوموا فانّ ذلك من فعلنا»(1) فانّ الركعتين إشارة إلى الاُولى والثالثة ممّا لاتشهد فيه. وظاهر الأمر الوجوب .

   هذا ، وسند الرواية التي هي من حديث الأربعمائة معتبر وإن وقع في الطريق القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد ، فانّ الرجلين وإن لم يوثقا صريحاً في كتب الرِّجال ، أعني القاسم وجدّه الحسن دون غيرهما ممّن يسمّى بذلك لكن يكفي وقوعهما بعين هذا السند ـ أي القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد ـ في أسانيد كامل الزيارات ، ويؤكِّده أنّ الصدوق اختار في باب الزيارات رواية قال إنّها أصح الروايات التي وصلت إليّ (2) ، مع أنّ في طريقها أيضاً القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد ، فهذا توثيق منه (قدس سره) لهما . ولعلّه من أجل هذا وصف صاحب الحدائق هذه الرواية في المقام بالاعتبار فقال : بسند معتبر (3) وإلاّ فقد عرفت أنّ الرجلين غير موثقين في كتب الرِّجال ومن المعلوم عدم استناده إلى كتاب كامل الزيارات .

   وعلى الجملة :  فالرواية صحيحة السند لكنّها قاصرة الدلالة على الوجوب لمكان الاشتمال على التعليل بقوله (عليه السلام) «فانّ ذلك من فعلنا» فانّ هذا اللِّسان أقرب إلى الاستحباب كما لا يخفى على من له اُنس بالأخـبار ، إذ مع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 471 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 16 ، الخصال : 628 .

(2) الفقيه 2 : 360 .

(3) الحدائق 8 : 304 .

 
 

ــ[181]ــ

الوجـوب لا حاجة إلى هذا التعليل ، لكونه من أجزاء الصلاة حينـئذ لا من فعلهم (عليهم السلام) .

   الثانية :  صحيحة أبي بصير : «وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك ، وإذا كنت في الركعة الاُولى والثانية ـ ولا يبعد أنّ النسخة مغلوطة والصحيح الثالثة ـ فرفعت رأسك من السـجود فاسـتتمّ جالساً حتّى ترجع مفاصلك فاذا نهضت فقل : بحول الله وقوّته أقوم وأقعد، فانّ علـيّاً (عليه السلام) هكذا  كان يفعل»(1). وهذه كالسابقة في عدم الدلالة على الوجوب ، فانّ ظاهر الأمر وإن كان هو الوجوب لكن يصرفه عنه التعليل المذكور في الذيل ، فانّ الوجوب لا يناسب التعليل بالتأسِّي بفعل علي (عليه السلام) . فالدلالة قاصرة وإن صحّ السند كالسابقة ، فانّ داود الخندقي الواقع في السند هو داود بن زربي الخندقي الموثق .

   الثالثة : إطلاق صحيحة الأزدي قال (عليه السلام) فيها : «وإذا سجد فلينفرج وليتمكّـن ، وإذا رفع رأسـه فيلبث حتّى يسكن» (2) حيث أمر (عليه السلام) باللبث والسكون المساوق للجلوس مطمئناً . وظاهر الأمر الوجوب ، ومقتضى إطـلاقه عدم الفرق بين الرفع عن السجدة الاُولى أو الثانية . هذا ونسخة الوسائل ـ طبع عين الدولة ـ مشتملة على الغلط ، والصحيح ما هو الموجود في الطبعة الجديدة فلتلاحظ .

   وكيف كان ، فهذه الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة ، فلا بأس بالاعتماد عليها .

   الرابعة :  ما رواه زيد النرسي في كتابه قال : «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم فاجلس جلسة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 465 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9 .

(2) الوسائل 4 : 35 /  أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14 .

ــ[182]ــ

ثمّ بادر بركبتيك إلى الأرض قبل يديك وابسط يديك بسطاً واتك عليهما ثمّ قم فانّ ذلك وقار المؤمن الخاشع لربّه ولا تطيش من سجودك مبادراً إلى القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم» (1) .

   والظاهر أنّ الرواية صحيحة السـند ، فان زيداً موجـود في أسـانيد كامل الزيارات وإن لم يوثق صريحاً في كتب الرِّجال ، وأمّا كتابه فلم يرو عنه محمّد ابن علي بن بابويه ، وقال لم يروه محمّد بن الحسن بن الوليد ، وكان يقول وضعه محمّد بن موسى السمان الهمداني(2) ، ولكن ابن الغضائري ـ  وكذا من تأخّر عنه ـ خطأ ابن الوليد في نسبة الوضع وقال هذا غلط فانِّي رأيت كتابه مسموعاً من محمّد بن أبي عمير (3) ، وقال الشيخ أيضاً إنّ كتابه رواه عنه ابن أبي عمير (4) وكذا النجاشي اعتمد على كـتابه وقال : رواه جماعة منهم ابن أبي عمير (5) . فالظاهر أنّ نسبة الوضع في غير محلها ، ولم يعلم أنّ ابن الوليد بأيّ استناد حكم بالوضع ، ولو سلّم فمن أين علم أنّ الواضع هو محمّد بن موسى مع أنّ الكتاب مروي عنه بطريق ابن أبي عمير كما سمعت ولم يكن في الطريق هذا الرجل ، فلعل الواضع شخص آخر .

   وكيف ما كان ، فلا ينبغي التشكيك في صحّة السند ، لكن الدلالة قاصرة لمـكان التعـليل المذكور في الذيل من كونه من وقار الصـلاة الكاشـف عن الاستحباب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك 4 : 456 /  أبواب السجود ب 5 ح 2 .

(2) الفهرست : 71 / 290 ، الخلاصة : 347 / 1377 .

(3) الخلاصة : 347 / 1377 .

(4) الفهرست : 71 / 290 .

(5) رجال النجاشي : 174 / 460 .

ــ[183]ــ

   الخامسة :  رواية الأصبغ بن نباتة (1) .

   وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن الحزور فانّه لم يوثق ، أنّ الدلالة لمكان التعليل بالتوقير قاصرة لمناسبته الاستحباب كما مرّ .

   السادسة :  ما رواه الشيخ باسناده عن سماعة عن أبي بصير قال «قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إذا رفعت رأسك في (من) السجدة الثانية من الركعة الاُولى حين تريد أن تقوم فاستو جالساً ثمّ قم»(2) وهذه كما ترى ظاهرة الدلالة إنّما الكلام في السند وقد عبّر عنها في الجواهر بالموثقة (3) ، وتبعه غير واحد ولكن صاحب الحدائق عبّر عنها بما رواه الشيخ عن أبي بصير(4) المشعر بالضعف وهو كذلك ، فانّ سماعة وإن كان ثقة كأبي بصير لكن طريق الشيخ إليه غير معلوم مع الفصل الطويل بينهما ، فلم يعلم الواسطة ، لعدم ذكر الاسناد هنا وإن كان قد يذكره في الروايات الاُخرى عنه ، ولم يتعرّض لسماعة في الفهرست كي يذكر طريقه إليه فتصبح الرواية مرسلة لا محالة (5) .

   السابعة :  صحيحة عبدالحميد بن عواض عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «رأيته إذا رفع رأسـه من السجدة الثانية من الركعة الاُولى جلس حتّى يطمئن ثمّ يقوم» (6) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 347 /  أبواب السجود ب 5 ح 5 .

(2) الوسائل 6 : 346 /  أبواب السجود ب 5 ح 3 ، التهذيب 2 : 82 / 303 .

(3) الجواهر 10 : 184 .

(4) الحدائق 8 : 303 .

(5) لكن يمكن التصحيح بوجه آخر ، وهو أنّ طريق الصدوق إليه صحيح ، وقد صحّ طريق الشيخ أيضاً إلى جميع كتب الصدوق ورواياته كما أشار إليه الاُستاذ في المعجم [ 17 : 350 / 11319 ] .

(6) الوسائل 6 : 346 /  أبواب السجود ب 5 ح 1 .

ــ[184]ــ

   وفيه : أ نّه حكاية فعل صادر عنه (عليه السلام) وهو أعم من الوجوب فلا يدل عليه .

   فتحصّل : أنّ شيئاً من الروايات المتقدِّمة لا يمكن الاستدلال بها على الوجوب لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو عدا صحيحة الأزدي باطلاقها .

   وبازاء هذه الأخبار موثقة زرارة قال : «رأيت أبا جعفر وأبا عبدالله (عليهما السلام) إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا» (1) فانّها كما ترى صريحة في عدم الوجوب ، وبها يرفع اليد عن إطلاق صحيح الأزدي ويقيّد برفع الرأس عن السجدة الاُولى ، أو يحمل على الاستحباب كما يحمل عليه بقية الأخبار المتقدِّمة لو سلّم دلالتها على الوجوب .

   والمناقشة في الموثقة بدلالتها على مواظبتهما (عليهما السلام) على الترك مع وضوح رجحان الجلوس على الأقل فيكشف عن أ نّه كان لعذر وراء الواقع وهو التقيّة ، وإلاّ فلا معنى للالتزام بترك المستحب سيّما وهو من توقير الصلاة كما مرّ ، فلا تدل على عدم الوجوب ،

   سـاقطة ، إذ لم يظهر وجه الدلالة على المواظبة وليست فيها كلمة «كان» المشعرة بالدوام والاستمرار ، ولفظة «إذا» وقتية محضة لا دلالة فيها على الدوام بوجه ، سواء أكانت متعلِّقة بـ «رأيت» أم بـ «نهضا» فالرواية صادقة مع الرؤية مرّة واحدة ، ولا قرينة في البين على حمل الفعل على التقيّة بعد أن كان الطبع الأوّلي مقتضياً للجري على الحكم الواقعي كما لا يخفى .

   ومنه تعرف أنّ دعوى معارضتها بصحيحة عبدالحميد السابقة أيضاً ساقطة إذ بعد عدم دلالتهما على المواظبة فلا تنافي بين صدور الفعل منه مرّة وقد رآه عبدالحميد ، وصدور الترك اُخرى وقد رآه زرارة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 346 /  أبواب السجود ب 5 ح 2 .

ــ[185]ــ

   هذا ، وقد يستدل على الاستحباب بخبر رحيم قال: «قلت لأبي الحسن الرِّضا (عليه السلام)  جعلت فداك أراك إذا صلّيت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الاُولى والثالثة فتستوي جالساً ثمّ تقوم ، فنصنع كما تصنع ؟ فقال : لا تنظروا إلى ما أصنع أنا اصنعوا ما تؤمرون» (1) قال في الوسـائل : أوّل الحديث يدل على الاستحباب ، وآخره على نفي الوجوب .

   وفيه : أنّ الرواية وإن كانت معتبرة سنداً ، فانّ رحيم الّذي هو من أصحاب الرِّضا (عليه السلام) هو الملقب بعبدوس الخلنجي أبو أحمد وهو موجود في أسانيد كامل الزيارات، وهو كاف في توثيقه وإن لم يوثق في كتب الرِّجال لكن الدلالة قاصرة ، فانّها محمولة على التقيّة ، وإلاّ فلماذا منعه (عليه السلام) عن أن يصنع كما صنع ، مع أنّ جلسة الاستراحة لا إشكال في رجحانها واستحبابها لكونها من توقير الصلاة كما مرّ . فيعلم من ذلك أنّ سند المنع هو التقيّة إمّا من نفس الراوي كما احتمله في الحدائق(2) ، أو من أجل الابتلاء بالعامّة والوقوع في خلاف التقيّة ، فلم تكن الرواية واردة في مقام بيان الحكم الواقعي قطعا .

   وقد ظهر من جميع ما سردناه أنّ الأقوى عدم وجوب جلسة الاستراحة وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه .

 بقي هنا شيء : وهو أنّ صاحب المدارك (قدس سره) بعد أن استدلّ للوجوب برواية أبي بصير المتقدِّمة التي في سـندها سماعة ـ وهي الرواية السادسة من الروايات المتقدِّمة ـ وعارضها بموثقة زرارة المتقدِّمة بقوله : والسندان متقاربان قال (قدس سره)  بعد ذلك:  ويدل  على  الاستحباب صحيحة عبد الحميد بن عواض(3)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 347 /  أبواب السجود ب 5 ح 6 .

(2) الحدائق 8 : 304 .

(3) المدارك 3 : 413 .

ــ[186]ــ

ـ وهي الرواية السابعة ـ واعترض عليه في الحدائق(1) متعجِّباً بأن الصحيحة حكاية فعل وهو أعم من الوجوب والاستحباب فأين الدلالة عليه .

   وأجاب عنه المحـقِّق الهمـداني (قدس سره) (2) بكلام متين وحاصلـه : أنّ الاعتراض ناش عن الغفلة وعدم التفطن إلى مراد صاحب المدارك ، فانّه بعد أن نفى في المدارك احتمال الوجوب بمقتضى موثقـة زرارة احتاج في إثبات الاستحباب إلى دليل فاستدلّ له بالصحيحة . فالاستدلال بها إنّما هو بعد القطع بعدم احتمال الوجوب بمقتضى الموثقة المؤيّدة بالأصل ، فتعجـبه في غير محله وهذا الاشكال غير وارد على صاحب المدارك .

   نعم ، يرد عليه الاشـكال من وجهـين : أحدهما :  أنّ ما ذكره من أنّ سند الروايتين متقاربان في غير محله ، بل هما متباعدان ، فان رواية أبي بصير ضعيفة من جهة الارسال كما عرفت(3) ، ورواية زرارة موثقة ، فلا تعارض لعدم التكافؤ في السند .

   الثاني : أ نّه لا حاجة في إثبات الاستحباب إلى دليل آخر لا صحيحة عواض ولا غيرها ، بل يكفي فيه نفس الدليلين من غير حاجة إلى ثالث ، فان أحدهما تضمن الأمر وهي رواية أبي بصير ـ  مع قطع النظر عمّا ذكرناه من الضعف  ـ والآخر وهي الموثقة تضمنت تركه (عليه السلام) ، وبضم إحداهما إلى الاُخرى يثبت الاستحباب لا محالة .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 8 : 305 .

(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 352 السطر 5 .

(3) وقد عرفت امكان التصحيح من وجه آخر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net