اختصاص الحكم بالمستمع دون السامع - الكلام في وثاقة محمّد بن عيسى بن عبيد 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1840


   الجهة الرابعة :  لا إشكال كما لا خلاف نصّاً وفتوىً في شمول الحكم للقارئ والمستمع ، وتقتضيه جملة وافرة من النصوص التي تقدّمت الاشارة إليها .

   وهل يعم السامع أيضاً ـ من غير اختيار وإنصات ـ أم أ نّها مسـتحبّة بالاضافة إليه ؟ حكي عن غير واحد من القدماء وجملة من المتأخِّرين الأوّل بل عن الحلِّي دعوى الاجماع عليه(3) ، واختاره في المتن ، لكن المحكي عن جماعة آخرين الثاني ، بل قيل إنّه مذهب الأكثر ، أو أ نّه المشهور ، بل عن الخلاف(4) والتذكرة(5) الاجماع عليه، وهذا هو الأقوى، فانّ مقتضى غير واحد من الأخبار وإن كان هو الاطلاق الشامل لصورتي السماع والاستماع ، لكن يجب تقييدها بالثاني بمقتضى صحيحة عبدالله بن سنان المصرِّحة بالتفصيل وتخصيص الحكم بالمستمع ، قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل سمع السجدة تقرأ

ــــــــــــــــ
(3) السرائر 1 : 226 .

(4) الخلاف 1 : 431 المسألة 179 .

(5) التذكرة 3 : 213 .

ــ[193]ــ

قال : لا يسجد إلاّ أن يكون منصتاً لقراءته مستمعاً لها أو يصلِّي بصلاته فأمّا أن يكون يصلِّي في ناحية ، وأنت تصلِّي في ناحية اُخرى فلا تسجد لما سمعت»(1) هذا .

   وقد نوقش في الصحيحة من وجوه :

   أحدها :  من حيث السند ، فانّ في الطريق محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبدالرّحمان ، وقد استثناه الصدوق تبعاً لشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد عن رجال نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى حيث قال : ما تفرد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا أعتمد عليه (2) ، وضعّفه الشيخ أيضاً صريحاً  (3) .

   أقول : الظاهر صحّة الرواية فانّ الاستثناء لم يصدر إلاّ من الصدوق وشيخه ابن الوليد ، فما في بعض الكلمات من إسناده إلى القميين في غير محله ، وحيث إنّ الصدوق تابع في ذلك لشيخه كما صرّح (قدس سره) بالتبعية (4) وأ نّه لا رأي له في ذلك مسـتقلاًّ ، فليس المسـتثني في الحـقيقة إلاّ ابن الوليد فحسـب ، لكـنّ المتأخِّرين عنه أنكروا عليه هذا الاستثناء وخطأوه في ذلك ، قال النجاشي بعد توصيف العبيدي بجلالة القدر وأ نّه ثقة عين ، وبعد حكاية الاستثناء المزبور ما لفظه: «ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون من مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى» ، انتهى (5) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 242 /  أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 1 .

(2) الفهرست : 140 / 601 ، رجال النجاشي : 333 / 896 .

(3) الفهرست : 140 / 601 ، رجال الطوسي : 391 / 5758 .

(4) الفقيه 2 : 55 / 241 .

(5) رجال النجاشي : 333 / 896 .

ــ[194]ــ

   وحكى الكشي(1) عن القتيبي أ نّه قال : كان الفضل بن شـاذان (رحمه الله) يحب العبيدي ويثني عليه ، ويمدحه ويمـيل إليه ، ويقول : ليس في أقرانه مثله وقد اعتمد عليه النجاشي كثيراً ووثّقه صريحاً كما سمعت ، وحكى عن شـيخه أبي العباس بن نوح إنكاره على ابن الوليد في الاسـتثناء قائلاً : فلا أدري ما رابه فيه ـ أي ما الّذي أوقعه في الريب ، لا ما رأيه كما في نسخة جامع الرواة ج 2 ص 64 فانّه غلط كما لا يخفى ـ لأ نّه كان على ظاهر العدالة والثقة (2) .

   وعلى الجملة : فلا يمكن التعويل على استثناء ابن الوليد المشعر بضعف الرجل في قبال توثيق النجاشي وغيره والثناء عليه بتلك المقالة الكاشفة عن كونه بمكانة من الوثاقة والجلالة حتّى كأ نّه من المتسالم عليه عند الأصحاب ولذا أنكروا عليه استثناءه متعجبين ناقمين كما مرّ. فلا يصلح ذاك الجرح لمعارضة مثل هذا التوثيق .

   بل التحقيق : أنّ اسـتثناء ابن الوليد لا يكشف عن جرح وقدح في نفس الرجل ، فانّ النجاشي قد تعرّض لنقل هذا الاستثناء في موضعين من كتابه .

   أحدهما :  في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى ، فعدّ من جملة ما اسـتثناه ابن الوليد من رواياته ما يرويه محمّد بن عيسى بن عبيد باسناد منقطع . وهذا كما ترى كالصريح في أنّ منشأ الاستثناء كون الرواية مقطوعة وليست هي بحجّة حينئذ بلا خلاف ولا إشـكال وإن كان الراوي في أعلى درجات الوثاقة ، فلا إشعار في هذه العبارة فضلاً عن الدلالة على قدح في العبيدي نفسه .

   الثاني :  في ترجمة محمّد بن عيسى بن عبيد نفسه ، فحكى عن ابن الوليد أ نّه قال : ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا أعتمد عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال الكشي : 537 / 1021 .

(2) رجال النجاشي : 348 / 939 .

ــ[195]ــ

والظاهر من هذه العبارة أنّ سبب الاستثناء في نظر ابن الوليد وجود خلل في طريق العبيدي إلى كتب يونس لعلّة مجهولة لدينا ، لا وجود الخلل والضعف في نفس العبيدي وإلاّ لم يكن وجه لتخصيص الاستثناء بما يرويه عن يونس ، بل كان اللاّزم الاستثناء على سبيل الاطلاق للغوية التقييد حينئذ ، فالتقييد المزبور أقوى شـاهد على أنّ الرجل لم يكن بنفسه ممقوتاً عند ابن الوليد . فلا مجال للانكار عليه بالعبائر المتقدِّمة من أ نّه مَن مثل العبيدي ، أو ليس في أقرانه مثله ، وكأ نّهم استفادوا من كلامه قدحاً في الرجل فانكروا عليه .

   وكيف ما كان ، فالانصاف أنّ استثناء ابن الوليد لا يدل على قدح في الرجل حتّى يعارض به توثيق النجاشي ، والعلّة التي كانت في نظره في وجه الخلل في طريقه إلى كتب يونس مجهولة لدينا كما عرفت فلا يمكن التعويل عليها ، وقد عرفت أنّ الصدوق تابع له وأ نّه لم يتبعه غيره من القميين .

   والّذي يكشف عمّا ذكرناه كشفاً قطعياً : أنّ الصدوق الّذي هو تابع لشيخه في الاستثناء المزبور كما صرّح به لم يذكر في كتاب الفقيه رواية عن محمّد بن عيسى عن يونس مع روايته عن محمّد بن عيسى بنفسه ـ غير ما يرويه عن يونس ـ كثيراً ، فلو كان الاستثناء كاشفاً عن قدح في الرجل لما نقل رواية عنه أصلاً ، فالتفكيك أقوى شاهد على أنّ الخلل في طريقه إلى يونس لا فيه نفسه وحيث إنّ ادّعاء الخلل اجتهاد من شيخه من غير أن يكون عليه دليل ظاهر فهو أعرف بما قال ، ولا يلزمنا اتباعه .

   وأمّا تضعيف الشيخ فهو أيضاً متّخذ من عبارة ابن الوليد ومستند إليه، لقوله في ترجمته : يونسي ، أي من تلاميذ يونس ، فكأنّ الخلل إنّما هو في طريقه إليه كما عرفت من ابن الوليد ، وكذا تضعيف العلاّمة في بعض كتبه وغيره مستند إليه ، وبعد وضوح المستند وعدم صلاحيته للاسـتناد لخطئهم فيه كما ذكرنا فهو غير قابل للاعتماد ، فالأقوى وثاقة الرجل لتوثيق النجاشي السليم عمّا يصلح

ــ[196]ــ

للمعارضة ، فمن أجل ذلك يحكم بصحّة الرواية ، فالمناقشة السندية ساقطة .

   الوجه الثاني من وجوه المناقشة : أ نّها قد تضمّنت جواز قراءة الإمام للعزيمة الممنوع عنها بلا إشكال ، فهي محمولة على التقيّة فتسقط عن الحجّية .

   والجواب عنه أوّلاً :  أنّ الإمام المذكور لم يفرض كونه إمام الحق ، فمن الجائز كونه من المخالفين وهم يجوّزون العزيمة في الصلاة ، ولا يرون وجوب السـجود فان سجد الإمام تبعه تقيّة ، وإلاّ يومئ برأسه كما ورد في بعض النصوص (1) من أنّ من سمع العزيمـة وهو في الصـلاة يومئ برأسـه إيماءً ، ولا محـذور في حمل الصحيحة على ذلك ، غايته ارتكاب التقييد بما إذا سجد الإمام ، وإلاّ فالوظيفة هي الايماء كما عرفت ، ولا ضير فيه .

   وثانياً :  مع التسليم ، فغايته سقوط هذه الفقرة عن الحجِّية غير القادحة في حجِّية الباقي الّذي هو مبنى الاستدلال فانّها إلى قوله (عليه السلام) «مستمعاً لها» صريحة الدلالة وإن سلّم الاجمال فيما بعده .

   الوجه الثالث : أ نّها مطلقة بالاضافة إلى العزيمة وغيرها لعدم تقييدها بالأوّل وعليه فالنسـبة بينها وبين النصوص المتقدِّمة الدالّة على الوجوب في العزيمة الشاملة باطلاقها للسامع والمستمع عمـوم من وجه ، لاختصاص الصحيحة بالسامع وعمومها للعزيمة وغيرها على عكس تلك النصوص ، فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي السامع للعزيمة ، فلا يجب السجود بمقتضى هذه الصحيحة ويجب بمقتضى تلك المطلقات ، وحيث إنّ الترجيح للثاني لمكان الشهرة المؤيّدة باجماع السرائر تعيّن الوجوب .

   والجواب أوّلاً :  أنّ الظاهر من الصحيحة ولو بمناسبة الحكم والموضوع أنّ المراد بالسجدة فيها خصوص العزيمة لقوله (عليه السلام) : «لا يسجد» متعقّباً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 243 /  أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4 .

ــ[197]ــ

بالاستثناء ، إذ لا يحتمل أن يراد بالنهي المنع ، لثبوت الاستحباب لدى سماع السجدة مطلقاً بلا ارتياب ، بل المراد به نفي الوجوب لوروده في مقام توهّم الأمر كما يكشف عنه اسـتثناء صورة الاستماع المحـكومة بالوجوب ، فيكون حاصل المعنى : أنّ من سمع السـجدة لا يجب عليه السـجود إلاّ مع الانصات والاستماع . وهذا كما ترى لا ينطبق إلاّ مع إرادة العزيمة خاصّة لعدم احتمال الوجوب في غيرها .

   وعليه ، فالنسبة بينها وبين المطلقات عموم وخصوص مطلق لا من وجه ، فيلتزم بالتخصيص بحمل تلك المطلقات على صورة الاستماع خاصّة .

   وثانياً :  على تقدير التسليم ، فحيث إنّ التعارض في مادة الاجتماع بالاطلاق فيسقطان ، ويرجع حينئذ إلى أصالة البراءة ، ولا مجال للرجوع إلى المرجحات . مع أنّ إجماع السرائر مضافاً إلى وهنه معارض بمثله كما تقدّمت الاشارة إليه(1) .

   الوجه الرابع :  أنّ أقصى ما يسـتفاد منها نفي الوجـوب في السامع المصلِّي فيحتاج ثبوت الحكم في غير المصلِّي إلى إثبات عدم القول بالفصل كي يتعدّى من أحدهما إلى الآخر .

   والجواب :  أنّ هذا إنّما يتّجه لو كان قوله (عليه السلام) : «فامّا أن يكون يصلّي ... » إلخ راجعاً إلى صدر الكلام حتّى يقيّد به إطلاقه كي يكون المعنى حينئذ أ نّه لا يسجد السامع إذا كان القارئ يصلِّي في ناحية وأنت تصلِّي في ناحية اُخرى ، لكنّه ليس كذلك قطعاً ، بل هذه الجملة بمقتضى الظهور العرفي من متمِّمات الجملة المتّصلة بها ، أعني قوله (عليه السلام) «أو يصلِّي بصلاته» فأراد (عليه السلام) بيان أنّ المصلِّي يسجد إذا كان مأموماً يصلِّي بصلاة القارئ وأمّا إذا كان منـفرداً فلا ، بل يومئ ، وقد أشرنا إلى وجه السـجود إذا  كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 192 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net