جواز السجود في الأوقات التي تكره الصلاة فيها - وجوب السجود لدى التذكر لمن نسيها 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1769


ــ[203]ــ

   إنّما الكلام فيما إذا سمع السجدة في الأوقات التي تكره فيها الصلاة، وهي بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وكذا قبل الغروب ، فهل الفورية ثابتة هنا أيضاً أو أ نّها تؤخّر إلى ما بعد خروج الوقت ؟

   مقتضى الاطلاقات هو الأوّل ، لكن قد يتخيّل الثاني استناداً إلى موثقة عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لاتستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس وبعد صلاة الفجر، فقال: لا يسجد»(1) .

   وفيه أوّلاً :  أنّ أمارة التقيّة عليها ظاهرة لقوله : «في الساعة التي لا تستقيم الصلاة ... » إلخ ، فان عدم الاستقامة المساوق لعدم الصحّة هو مذهب العامّة وقد تقدّم في بحث الأوقات(2) الأخبار الناهية عن الصلاة في هذا الوقت ، معلّلة بأنّ الشمس تطلع بقرني الشيطان ، فاذا صلّى الناس في هذا الوقت فرح إبليس وأخبر أتباعه أ نّهم يسجدون لي ، فلأجله منع عن السجود فيه في هذه الموثقة للاشتراك في علّة المنع . وبيّنا هناك أنّ هذه الروايات كلّها محمولة على التقيّة وأنّ التعليل جار على مذهبهم ومطابق لعقيدتهم ، إذ هو مذكور في رواياتهم وإلاّ فالشمس لا تزال في حالة الطلوع على صقع من الأصقاع من غير اختصاص بزمان أو مكان .

   وثانياً :  أنّ النسبة بين الموثقة وبين الاطلاقات الآمرة بالسجود عموم من وجه ، لاطلاق هذه من حيث العزيمة وغيرها واختصاصها بالوقت الخاص على عكس المطلـقات ، فتتعارضان في مادّة الاجتماع وهي سماع العزيمـة في الوقت المزبور فيجب السجود بمقتضاها ، ولا يجب بمقتضى الموثقة ، لكن الترجيح مع المطلقات ، لكون الدلالة فيها بالعموم ، وفي الموثقة بالاطلاق ولا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 105 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 3 .

(2) شرح العروة 11 : 361 .

ــ[204]ــ

شك في تقدّم الأوّل ، فان من تلك المطلقات صحيحة محمّد بن مسلم المشتملة على صيغة العموم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مراراً في المقعد الواحد ، قال : عليه أن يسجد كلّما سمعها ، وعلى الّذي يعلّمه أيضاً أن يسجد» (1) .

   على أ نّه يمكن أن يقال : إنّ الموثقة خاصّة بغير العزيمة ، فهي أجنبية عمّا نحن فيه ـ والنسبة هي التباين لا العموم من وجه ـ وذلك بقرينة قوله : «لا تستقيم الصلاة فيها ... » إلخ ، فانّ المراد بهذه الصلاة إنّما هي النافلة ، إذ هي التي يتوهّم أ نّها لا تستقيم وإلاّ فلا شك في استقامة الفريضة ، لامتداد وقتها من الفجر إلى طلوع الشمس ، ولا يحتمل خفـاء مثل هذا الحـكم الواضح على مثل عمار فبمناسبة الحكم والموضوع يكون المراد من السجدة هي المستحبّة . وقد أشرنا آنفاً إلى أنّ الأخبار الناهية كلّها محمولة على التقيّة ، وعليه فهذه السجدة كالنافلة مستحبّة في هذا الوقت أيضا .

   ويشهد لما ذكرناه من الاختصاص بغير العزيمة : ذيل الموثقة حيث ذكر فيها هكذا «وعن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم ... » إلخ ، فانّ التقييد بالعزيمة في هذا السؤال يكشف عن أنّ المراد بالسجدة في السؤال الأوّل ما يقابلها ، فسأل أوّلاً عن حكم غير العزيمة ثمّ عن حكمها .

   فظهر من جميع ما ذكرناه : أنّ الأقوى جواز فعلها في جميع الأوقات كلّها وإن كانت ممّا يكره فيه النوافل .

   وتؤيِّده : رواية دعائم الاسلام (2) المصرّحة بالتعميم .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 245 /  أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1 .

(2) الدعائم 1 : 215 ، المستدرك 4 : 318 /  أبواب قراءة القرآن ب 35 ح 2 .

ــ[205]ــ

نعم ، لو نسيها أتى بها إذا تذكّر (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) هل الفورية المعتبرة في السجدة لدى السماع أو التلاوة تجعلها من قبيل الواجبات الموقّتة التي يسقط معها الوجوب عند خروج الوقت ويكون قضاءً بعدئذ لو ثبت كالظهرين ونحوهما ، فكما أنّ الأمر فيهما محدود بما بين الزوال والغروب وموقّت بذلك فيسقط لو تركهما حتّى خرج الوقت ، فكذا الأمر في المقام موقّت بالفورية العرفية فيسقط لو لم يسجد في هذا الوقت ، أو أ نّه لا توقيت في المقام وإنّما الفورية واجب آخر من قبيل تعدّد المطلوب ، فلو أخلّ بها نسياناً أو عصياناً كان التكليف الأوّل باقياً ويقع أداءً مهما امتثله ، فهو نظير صلاة الزلزلة الحادث وجوبها بحدوث السبب والباقي مدى العمر من غير توقيت ؟

   اختار في الحدائق(1) الثاني ، وهذا إنّما يتّجه بناءً على مسلكه من الاستناد في الفورية إلى الاجماع ، فانّه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن وهو حال التذكّر ، فمع النسيان يبقى التكليف الأوّل على حاله من غير توقيت فيه ، فيجب الاتيان مهما تذكّر .

   وأمّا بناءً على المختار من الاستناد إلى الأدلّة اللفظية ، وهي النصوص الدالّة على الفورية التي تقدّمت (2) ، فحيث إنّها مطلقة تشمل حالتي التذكّر وعدمه فهي تقيِّد الأمر الوارد في المطلقات على الاطلاق وتجعله من قبيل الموقتات لكشفها عن أنّ الواجب حصّة معيّنة وهي المحدودة بالفورية العرفية ، فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف بعد انتهاء الحد وخروج الوقت ولو كان ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 8 : 340 .

(2) في ص 202 .

ــ[206]ــ

من أجل النسيان ، إلاّ أ نّه مع ذلك نحكم بالوجوب لدى التذكّر لورود النص الخاص في المقام ، وهي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتّى يركع ويسجد ، قال : يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم»(1) . ويؤيِّدها ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن نوادر البزنطي عن محمّد بن مسلم أيضاً (2) لكنّها ضعيفة السند ، لجهالة طريق الحلِّي إلى كتاب البزنطي كما مرّت الاشارة إليه قريباً . فمن أجل تلك الصحيحة يحكم ببقاء الأمر الأوّل ووجوب السجود متى تذكر .

   وربّما يستدل للحكم بالاستصحاب .

   وفيه أوّلاً : أ نّه لا مجال للأصل بعد وجود الدليل كما عرفت .

   وثانياً : أنّ الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها .

   وثالثاً : أ نّه لو تمّ فانّما يسلّم في موارد العصيان دون النسيان ، لانقطاع التكليف وسقوط الأمر الأوّل قطعاً حتّى واقعاً ، فانّ التكاليف الواقعية مرفوعة عن الناسي ، ومن هنا ذكرنا في محلّه (3) أنّ إسناد الرفع في حديث الرفع واقعي بالاضافة إلى الناسي والمكره والمضطر وظاهري بالنسبة إلى الجاهل . ومعه لا مجال للاستصحاب ، لعدم الشك في البقاء بعد القطع بالارتفاع ، فلو ثبت فهو تكليف جديد لا أ نّه بقاء للتكليف السابق .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 104 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 39 ح 1 .

(2) الوسائل 6 : 244 / أبواب قراءة القرآن ب44 ح2، السرائر 3 (المستطرفات): 558 .

(3) مصباح الاُصول 2 : 265 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net