مناقشات حول دلالة الروايات على الوجوب 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1928


ــ[253]ــ

وإنّما الموجود هي الرواية السابقة التي نقلها عنه صاحب الوسائل في باب 1 من زكاة الفطرة حديث 5 (1) . نعم ، قال في الحدائق : وظنّي أنِّي وقفت عليه في الكتاب المذكور حين قرأ بعض الاخوان عليّ الكتاب المذكور ولكن لا يحضرني موضعه الآن (2) .

   لكن الظاهر أنّ نسبة هذه الرواية إلى الصدوق مبنية على السهو وليست للصدوق رواية اُخرى تختص بالصلاة ، فذكر صاحب الوسائل هذه الرواية في المقام ونسبتها إليه سهو من قلمه الشريف سيّما مع ذكر الرواية الاُولى عقيبها مقتصراً في نسبتها إلى الشيخ مع وجودها في الفقيه أيضاً كما نقلها عنه في كتاب الزكاة على ما عرفت . وكيف ما كان فلا ينبغي الشك في أ نّه ليست هناك إلاّ رواية واحدة نقلها الشيخ بطريقين، والصدوق بطريق واحد وهي الرواية السابقة .

   إنّما الكلام في دلالتها على الوجوب ، وقد نوقش فيها من وجوه :

   أحدها :  الاشتمال على التشبيه المقتضي للمساواة في وجه الشبه ، وحيث إنّ الحكم في الصوم مبني على نفي الكمال بلا إشكال فكذا في الصلاة فلا تدل على نفي الصحّة فيها . بل قال بعضهم إنّ التفكيك بين المشبه والمشبّه به بالحمل على متمِّم الذات في أحدهما ومتمِّم الكمال في الآخر مستبشع جدّاً .

   وهذا الاشكال مذكور في كلمات القوم، وجوابه هو ما ذكره المحقِّق الهمداني(3) وصاحب الحدائق (4) (قدس سرهما) من عدم الضير في ذلك ، ولا بشاعة في التفكيك الثابت من قرينة خارجية ، غايته حمل الكلام على ضرب من التجوّز

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9 : 318 .

(2) الحدائق 8 : 459 .

(3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 367 السطر 15 .

(4) الحدائق 8 : 459 .

ــ[254]ــ

والمبالغة ، فان ظاهر الصحيحة أنّ الحكم في المشبّه به ، أعني الصلاة ـ  التي هي مبنى الاستدلال  ـ أمر مسلّم مفروغ عنه ، وأنّ اعتبار الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في صحّتها شيء ثابت لا ينكر وقد شبّه الصِّيام بها ، وظاهره أ نّه مثلها في اعتبار الزكاة في صحّتها غير أ نّه قد ثبت من الخارج اعتبارها في الكمال دون الصحّة ، فمن أجل ذلك يحمل الاعتبار في المشبّه الظاهر في الصحّة على التأكيد والمبالغة ، إذ لا يعـتبر أن يكون المشبّه كالمشبّه به في تمام الجهات بل من الجائز أن يكون وجه الشبه في المشبّه به حقيقياً ، وفي المشبّه مجازياً .

   وقد وقع نظـيره في المنع عن التطوّع في وقت الفريضة قياساً على صوم النافلة لمن عليه الفريضـة ، ففي صحيحة زرارة بعد منعه (عليه السلام) عن التنفل في وقت الفريضة قال (عليه السلام) : «أتريد أن تقايس ، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوّع، إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة»(1) فانّ المنع في المقيس عليه وهو الصوم مسلّم لا شبهة فيه ، وليس كذلك في المقيس لجواز التنفّل في وقت الفريضة ، غير أنّ الأفضل البدأة بها إذا بلغ الفيء الذراع لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : «فاذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة» (2) .

   وعلى الجملة : ظاهر التشبيه هو الاتِّحاد والمساواة بين المشبّه والمشبّه به في أنّ الاعتبار في كليهما من حيث الدخل في الصحّة ، لكن ثبت من الخارج خلافه بالاضافة إلى المشبّه وأنّ إعطاء الزكاة من كمال الصوم لا من مقوّماته ، ولم يثبت هذا في المشبّه به وهو الصلاة فيحمل الاعتبار في الأوّل على ضرب من التجوز والمبالغة ، وأنّ نفي الصوم عمّن لم يزك نظير نفي الصلاة في قوله (عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 4 : 264 /  أبواب المواقيت ب 50 ح 3 .

(2) الوسائل 4 : 141 /  أبواب المواقيت ب 8 ح 3 .

ــ[255]ــ

السلام) : لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد (1) . وأمّا في الثاني فيبقى النفي على ظاهره من الحمل على المعنى الحقيقي المساوق لنفي الذات الكاشف عن الدخل في الصحّة ، وأنّ الصلاة الفاقدة للصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في حكم العدم ومحكومة بالبطلان ، لعدم الموجب للتصرّف في هذا الظهور بعد عدم ثبوت خلافه من الخارج ، وقد عرفت عدم اعتبار المساواة بين المشبّه والمشبّه به من تمام الجهات .

   الثاني :  أنّ غايتها الدلالة على وجوب الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) دون الآل لعدم التعرّض لذلك .

   والجواب عنه ظاهر ، فانّ هذه الصحيحة وغيرها من بعض روايات الباب وإن لم تدل عليه إلاّ أ نّه قد ثبتت الملازمة الخارجية بينهما المستفادة من جملة وافرة من النصوص المرويّة من طرق العامّة والخاصّة وفي بعضها النهي عن الصلاة البتراء ، وهي بأجمعها مذكورة في باب 42 من الذكر من كتاب الوسائل (2) ، وذكر أكثرها السيوطي (3) وغيره من العامّة ، حتّى أنّ ابن حجر وهو من أنصب النصاب روى في صواعقه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أ نّه «قال : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟ قال : تقولون اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد» (4) .

   فالمستفاد من هذه النصوص تبعية الآل ودخول العترة في كيفية الصلاة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5 : 194 /  أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1 .

(2) الوسائل 7 : 201 /  أبواب الذكر ب 42 .

(3) الدرّ المنثور 6 : 646 .

(4) الصواعق المحرقة : 225 .

ــ[256]ــ

عليه وأ نّه كلّما ورد الأمر بالصلاة عليه لا تتأدّى الوظيفة إلاّ مع ضمّ الآل ولا يجزئ تخصيصه بالصلاة وحده ، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر .

   وهذه الملازمة بمكان من الوضوح لدى الفريقين حتّى قال الشافعي ونعم ما قال :

كفاكم من عظيم القدر أ نّكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له (1)

   غير أنّ بعض المعاندين من النصّاب (خذلهم الله تعالى) أصرّوا على تركه عناداً للحق وأهله ، وقد ذكر الصـدوق (2) عن بعض مشايخه وهو الضبي (ضاعف الله في عذابه) أنِّي ما رأيت أنصب منه كان يقول : اللّهمّ صلّ على محمّد منفرداً (بقيد الانفراد) .

   وكيف ما كان ، فهذه النصوص إن دلّت على النهي عن التفكيك وحرمة الصلاة عليه من دون ضمّ الآل ، ويؤكِّده التعبير بـ «أبعده الله» في لسان بعضها فالأمر واضح ، وإلاّ فلا أقل من دلالتها على عدم الأمر بالصلاة عليه وحده وأ نّه مهما تعلّق الأمر بالصلاة عليه فلا ينفك عن ضمّ الآل ولا يتحقّق بدونه الامتثال . على أنّ الحكم من المتسالم عليه بين الأصحاب ولا قائل بالفصل من أحد .

   الثالث :  أ نّه لا دلالة فيها على تعيين الموضع ولزوم الصلاة في كلا التشهّدين فلا تدل إلاّ على الاجتزاء بها في أحدهما كما هو مذهب ابن الجنيد (3) .

   والجواب : أ نّا لو كنّا نحـن وهذه الصحـيحة مع الاغماض عن القرائن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ديوان الإمام الشافعي : 115 .

(2) عيون أخبار الرِّضا 2 : 279 / 3 .

(3) حكاه عنه في الذكرى 3 : 412 .

ــ[257]ــ

الخارجية لما دلّتنا على مذهب ابن الجنيد أيضاً فضلاً عن مسلك المشهور ، إذ لا إشعار فيها بنفسها على تعيين الموضع فضلاً عن الدلالة ، إذ غايتها الأمر بالصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أثناء الصلاة وعدم خلوّها عنها، فلتكن هي في ضمن الركوع أو السجود ونحوهما ، إلاّ أ نّه بعد ملاحظة القرينة الخارجية وهي السيرة القطعية والتعارف المعهود من المتشرِّعة خلفاً عن سلف القائم على أنّ محلّها التشهّدان معاً لا غيرهما المؤيّد بالمرسلتين الواردتين في كيفيّة صلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المعراج(1) يتمّ المطلوب ويصحّ الاستدلال بها على المسلك المشهور .

   وهذا نظير الأمر بالقراءة في الصلاة بقوله (عليه السلام) : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» (2) ، أو كل صلاة لا فاتحة فيها فهي خداج (3) ونحو ذلك ، فانّه وإن لم يعيِّن موضع القراءة في هذه النصوص إلاّ أ نّه مستفاد من التعارف الخارجي الموجب لانصراف الأمر إلى ما هو المعهود المتعارف المتداول بين المصلِّين .

   والمتحصِّل من جميع ما سردناه : أنّ الصحيحة ظاهرة الدلالة على وجوب الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وآله في التشهّدين ، لسلامتها عن جميع تلك المناقشات .

 ويتأكّد الوجوب ويتأيّد: برواية الأحول «قال : التشهّد في الركعتين الأوّلتين : الحمد لله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وتقبّل شفاعته وارفع درجته» (4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 5: 465/ أبواب أفعال الصلاة ب1 ح10، 11 [ ولكنّ الروايتين مسندتان ].

(2) المستدرك 4 : 158 /  أبواب القراءة ب 1 ح 5 .

(3) الوسائل 6 : 39 /  أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 6 .

(4) الوسائل 6 : 393 /  أبواب التشهّد ب 3 ح 1 .

ــ[258]ــ

فانّها وإن كانت ضعيفة السند من جهة الأحول ، ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد ، إلاّ أ نّها ظاهرة الدلالة على الوجوب .

   والمناقشة فيها باشتمالها على المستحب ساقطة ، لما مرّ غير مرّة من عدم دلالة اللفظ على الوجوب أو الاستحباب وإنّما هما مستفادان من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه ، وحيث اقترن الحديث بالترخيص في بعض فقراته الثابت من الخارج ولم يقـترن في غيرها فيستقل العقل فيما عدا الثابت بالوجوب الّذي هو اعتبار نفسي متعلِّق بجعل المادّة على ذمّة العبد وعاتقـه من دون أن يكون ذلك مدلولاً للفظ نفسـه كي يقـتضي الاختلاف من جهة استعماله في الوجوب والاستحباب .

   وبهذا البيان تظهر صحّة الاستدلال على وجوب الصلاة بموثقة أبي بصير الطويلة (1) فانّها وإن اشتملت على جملة من المستحبّات ، لكن الترخيص في تركها قد ثبت من الخارج ولم يثبت فيما عداها ، فيسـتقل العقل بالوجـوب فالجواب عن المناقشة السابقة الجارية في المقام هو الجواب بعينه .
ـــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 393 /  أبواب التشهّد ب 3 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net