الكلام في الاجتزاء بالتشهد بغير الكيفية المعروفة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1697


ــ[262]ــ

ويجزئ على الأقوى ((1)) أن يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد (1) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنها :  صحيحة الحسن بن الجهم قال : «سـألته ـ يعني أبا الحسن (عليه السلام) ـ عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعـة قال : إن كان قال أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسـول الله فلا يعد وإن كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد» (2) وهي وإن كانت صحيحة من حيث السند ، إذ ليس فيه من يتأمّل لأجله إلاّ عباد بن سليمان الموجود في أسانيد كامل الزيارات ،

   لكن الدلالة قاصرة كسوابقها ، إذ أقصى دلالتها على عدم الوجوب إنّما هي بالاطلاق القابل للتقييد بموجب النصوص المتقدِّمة الدالّة على الوجوب . مضافاً إلى لزوم حملها على التقيّة أيضاً كالروايات المتقدِّمة لعين ما عرفت . على أنّ في هذه الصحيحة كلاماً من جهة اُخرى ستعرفها (3) .

   فتحصّل : أنّ شيئاً من هذه النصوص غير قابل للاعتماد عليه في نفي الوجوب فالمتعيِّن هو الوجوب .

   (1) بل قد اقتصر المحقِّق في الشرائع (4) على هذه الكيفية بحيث قد يلوح منه تعيّنها ، وإن كان اللاّزم حمل كلامه (قدس سره) على إرادة الاجتزاء بها ، إذ لا يحتمل إرادة التعيين بعد عدم القائل به ، وورود الكيفية المعروفة في النصوص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأحوط الاقتصار على الكيفيّة الاُولى .

(2) الوسائل 7 : 234 /  أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6 .

(3) في الصفحة 264 .

(4) الشرائع 1 : 107 .

ــ[263]ــ

المعتبرة المصرّحة في كلام غير واحد .

   وكيف ما كان ، فصريح جماعة الاجتزاء بهذه الكيفية ، بل نسب ذلك إلى الأشهر أو المشهور من أجل اقتصـارهم على الشهادتين من دون تعرّض لصورتهما ، فانّ مقتضى الاطلاق الاجتزاء بها أيضاً ، وإن كانت النسبة لا تخلو عن النظر ، لاحتمال أن يكون الاطلاق منزّلاً على ما هو المتعارف . وعلى أيّ حال فقد قال بهذا جماعة منهم المحقِّق في الشرائع صريحاً ، ومنهم الماتن وغيره والمتبع هو الدليل .

   وقد استدلّ لذلك أوّلاً :  بالمطلقات كصحيحة زرارة وصحيحة الفضلاء ومعتبرة سورة بن كليب(1)، حيث يظهر منها الاجتزاء في مقام الأداء بمطلق الشهادتين .

   ولكنّها كما ترى لا تصلح للاستدلال ، لعدم كونها في مقام البيان من حيث الكيفية ، ولا سيّما الثانية لورودها في مقام بيان حكم آخر وهو الاستعجال فاللاّم فيها للعهد إشارة إلى الشهادة المعهودة المتعارفة في الخارج ، فلا ينعقد إطلاق من هذه الجهة كي يتمسّك به بعد انصرافه إلى المتعارف .

   مع أ نّه لو كان فهو قابل للتقييد بمثل صحيحة محمّد بن مسلم الآتية (2) . هذا مضافاً إلى أنّ المراد بالشهادتين في هذه النصوص إن كان هو واقع الشهادة وما هو كذلك بالحمل الشائع ، وهو الّذي عليه مدار الاسلام ، ومن هنا استفيد الاطلاق ، فلازمه الاجتزاء بمجرّد قول : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، من دون ذكر كلمة أشهد ، لكفاية ذلك في مقام إظهار الاسلام ، مع أ نّه غير مجز في المقام قطعاً وغير مراد من هذه النصوص جزماً ، للزوم التلفظ بهذه الكلمة اتفاقاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 396 /  أبواب التشهّد ب 4 ح 1 ، 2 ، 6 .

(2) في ص 266 .

ــ[264]ــ

وإن اُريد بهما الشهادتان على كيفية خاصّة كما هو المتعيِّن ، فحيث لم تبيّن تلك الكيفية فلا محالة تنصرف النصوص إلى ما هو المعهود المتعارف الّذي هو غير هذه الصورة . فاللاّم في قوله (عليه السلام) «الشهادتان» للعهد الخارجي لا للجنس كي يراد به الكلِّي ، فلا ينعقد لها الاطلاق بوجه .

   وثانياً :  بالروايات الخاصّة وهي روايتان : إحداهما : صحيحة الحسن بن الجهم المتقدِّمة المشتملة على الكيفية المزبورة (1) .

   وفيه : مضافاً إلى لزوم حملها على التقيّة من أجل تضمنها ما لا نقول به كما مرّ ، وإلى إمكان أن يكون المراد التلفظ بذاك المضمون أي الشهادة بالوحدانية وبالرِّسالة بعبارتهما المتعارفة لا نفس هذه العبارة ، أ نّه يشكل الاعتماد عليها من أجل أنّ مقتضاها جواز الاقتصار على كلمة «أشهد» في الشهادة الاُولى من غير تكرّر هذه اللفظة في الشهادة بالرِّسالة والاكتفاء بالعطف ، فانّ الموجود في التهذيب ـ الطبع القديم والحديث ـ في باب الصلاة وفي باب التيمم (2) ، وكذا الاستبصار (3) كذلك ، أي بلا تكرار كلمة أشهد .

   بل قال المحقِّق الهـمداني (قدس سره) : إنّ عدّة من الكتب المعتبرة التي شـاهدناها منها الحدائق والوافي والاستبصار الّذي هو الأصل في نقلها بلا تكرار الشهادة ، وفي الجواهر أيضاً رواها في باب القواطع كذلك ، بل في نسخة الوسائل الموجودة عندي أيضاً كذلك ، ولكن اُثبت لفظ الشهادة في الثانية فيما بين الأسطر ، بحيث يستشعر منه كونه من الملحقات انتهى (4) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 234 /  أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6 .

(2) التهذيب 2 : 354 / 1467 ، 1 : 205 / 596 .

(3) الاستبصار 1 : 401 / 1531 .

(4) مصباح الفقيه (الصلاة) : 371 /  السطر 36 .

ــ[265]ــ

   والموجود في الوسائل الطبعة الحديثة وإن كان مشتملاً على التكرار ، إلاّ أ نّه يشكل الاعتماد عليه بعدما سمعت ، فيظن أ نّه زيادة من قلم النسّاخ ، ولا أقل من عدم العلم بالنسخة الصحيحة ، وهذا يستوجب قدحاً آخر في الصحـيحة إذ لو كانت النسخة الأصلية خالية عن التكرار فلازمها جواز الاقتصار على العطف ولم يقل به أحد من فقهائنا ، إذ لم ينقل القول بجواز حذف لفظ الشهادة من الثانية عن أحد من الأصحاب عدا ما ينسب إلى العلاّمة في القواعد (1) ، ولا ينبغي القول به ، فانّ العاري عن التكرار شهادة واحدة متعلِّقة بأمرين لا شهادتان ، ولا شك في وجوب الشهادتين في التشهّد نصّاً وفتوى ، وقد نطقت جملة من النصوص بأنّ الواجب الشهادتان غير المنطبق على الشهادة الواحدة المتعلِّقة بأمرين قطعاً ، ولا يكاد يتحقّق إلاّ بتكرار لفظ الشهادة والتلفظ بها مرّتين . إذن فالرواية ساقطة إذ لم يعمل بها أحد في موردها فلا بدّ من الحمل على التقيّة .

   ثانيتهما :  رواية إسحاق بن عمار الواردة في كيفية صلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المعراج وفيها : « ... ثمّ قال له ارفع رأسك ثبتك الله ، واشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ـ إلى أن قال ـ ففعل ... » إلخ (2) .

   وفيه : مضافاً إلى ضعف السند كما لا يخفى ، أ نّها قاصرة الدلالة ، إذ لم يذكر فيها أ نّه (صلّى الله عليه وآله) بأيّ صورة فعل وبأي كيفية أدّى الشهادتين ، بل غايتها أ نّه (صلّى الله عليه وآله) فعل ما اُمر به .

   فتحصّل :  أنّ شيئاً من هذه الروايات ـ لا المطلقات ولا غيرها ـ لا يمكن الاعتماد عليها في الاجتزاء بهذه الصورة ، فلم يبق في البين إلاّ أصالة البراءة عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القواعد 1 : 279 .

(2) الوسائل 5 : 468 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11 .

ــ[266]ــ

الكيفية المشهورة ولا بأس بها في حدّ نفسها .

   والمناقشة فيها بأنّ المقام من موارد الدوران بين التعيين والتخيير ، والمرجع فيها قاعدة الاشتغال ساقطة ، لما مرّ غير مرّة من أنّ الدوران المزبور هو بعينه الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلاّ في مجرّد العـبارة والمختار في تلك المسألة هي البراءة .

   وعلى الجملة : فلا ينبغي الشك في أنّ مقتضى الأصل العملي في المقام لو انتهى الأمر إليه هي البراءة ، لكنّه لا ينتهي إليه ، لوجود النص الصحيح المعيّن للكيفية المشهورة ، وهي صحيحة محمّد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) التشهّد في الصلوات ؟ قال : مرّتين ، قال : قلت كيف مرّتين ؟ قال : إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ... » إلخ(1) وظاهر الأمر الوجوب التعييني وبذلك يخرج عن مقتضى الأصل المزبور .

   ومنه تعرف أ نّه لو سلّم الاطلاق في تلك المطلقات لا بدّ من تقييدها بهذه الصحيحة المؤيّدة برواية الأحول(2) وقد عرفت(3) أنّ اشتمال هذه الرواية على ما ثبت استحبابه من الخارج لا يقدح في دلالتها على الوجوب فيما عداه ، غير أ نّها ضعيفة السند بالأحول نفسه فلا تصلح إلاّ للتأييد .

   وتؤيِّدها أيضاً : موثقة سماعة قال : «سألته عن رجل كان يصلِّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ، قال : إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اُخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً ، وليدخل مع الإمام في صلاته كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 397 /  أبواب التشهّد ب 4 ح 4 .

(2) الوسائل 6 : 393 /  أبواب التشهّد ب 3 ح 1 .

(3) في ص 258 .

ــ[267]ــ

هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صـلاته كما هو ويصلِّي ركعة اُخرى ويجلس قدر ما يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، ثمّ ليتم صلاته معه قدر ما استطاع فانّ التقية واسعة» (1) .

   ولا يضرّها الاضمار بعد أن كان المضمر مثل سماعة الّذي لا يروي إلاّ عن الإمام (عليه السلام) وإنّما ذكرناها بعنوان التأييد ، لامكان الخدش في الدلالة من جهة كونها مسوقة لبيان حكم آخر وهو التفرقة بين الإمام العادل وغيره ، فمن الجائز أن لا تكون ناظرة إلى تعيّن هذه الكيفية ، ويكفي نكتة لذكرها كونها المتعارف المعهود ، فلا تدل على الوجوب ، لعدم كونها في مقام التعيين من حيث الكيفية . فالعمدة في الاستدلال إنّما هي الصحيحة المؤيّدة بالرواية والموثقة .

   ومن جميع ما ذكرناه تعرف : أنّ تعيّن الكيفية المشهورة في التشهّد لو لم يكن أقوى فلا ريب أ نّه أحوط ، هذا كلّه في التشهّد .
ــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 405 /  أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net