الأقوال في كيفية الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2221


   وأمّا كيفية الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فهل يتعيّن فيها أن تكون بصيغة اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صرّح به جمع ، بل نسب إلى الأكثر أو الأشهر كما عن الذكرى (2) ، أو المشهور كما عن المفاتيح (3) ، أم يجتزأ بكل صـيغة تأدّت مثل : صلّى الله على محمّد وآله ، أو : صلّى الله على رسوله وآله ونحوهما ، كما هو ظاهر جمع آخرين منهم المفيد في المقنعة (4) ، فانّه (قدس سره) ذكر في تشهّد نافلة الزوال بصورة : صلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ، ثمّ عطف عليها التشهّد الأوّل من صلاة الظهر ، ثمّ تعرّض للتشهّد الثاني من الظهر

ــــــــــــــ
(2) الذكرى 3 : 413 .

(3) مفاتيح الشرائع 1 : 151 .

(4) المقنعة : 108 .

ــ[268]ــ

والعصر والعشاء والمغرب وكذا الغداة، وذكر فيها تشهّداً طويلاً يقرب ما تضمنته موثقة أبي بصير الطويلة (1) وأتى فيها بصيغة : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، فانّه لا يحتمل ذهابه (قدس سره) إلى التفصيل في الكيفية بين التشهّد الأوّل والثاني ، أو بين النافلة وغيرها ، فانّها في الجميع على نسق واحد قطعاً . فيظهر من ذلك أ نّه (قدس سره) بان على التخيير ويرى الاجتزاء بكلتا الصورتين .

   وممّن صرّح بالتخيير أيضاً : العلاّمة في النهاية (2) ، فانّه بعد أن حكم بوجوب اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، قال : ولو قال صلّى الله على محمّد وآله ، أو قال : صلّى الله عليه وآله ، أو صلّى الله على رسوله وآله ، فالأقرب الإجزاء . وكيف ما كان فالمسألة خلافية والمتبع هو الدليل ، ولا ينبغي الشك في الاجتزاء بالصورة المعروفة المتداولة : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، غير أ نّه قد يستدل على وجوبها وتعيّنها بالخصوص بوجوه :

   أحدها :  رواية ابن مسعود عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) المرويّة من طرق العامّة أ نّه «قال : إذا تشهّد أحدكم في صلاة فليقل : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد» (3) قالوا : إن ضعفها منجبر بعمل المشهور .

   وفيه : مضافاً إلى منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا، أنّ صغرى الانجبار ممنوعة من وجهين :

 أحدهما :  أ نّه لم يعلم ذهاب المشهور إليه كي يتحقّق الإنجبار بعملهم ، غايته أنّ هذا القول هو الأشهر لا أ نّه المشهور ، نعم نسبه إليهم في المفاتيح كما سمعت لكنّه لم يثبت سيّما بعد تصريح الشهيد في الدروس (4) بأ نّه الأشهر كما مرّ الّذي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 393 /  أبواب التشهّد ب 3 ح 2 .

(2) نهاية الإحكام 1 : 500 .

(3) مستدرك الحاكم 1 : 269 ، سنن البيهقي 2 : 379 .

(4) [ بل الذكرى كما تقدّم آنفا ] .

ــ[269]ــ

يظهر منه أنّ القائل بكلا القولين كثير وإن كان أحدهما أكثر .

   ثانيهما :  أ نّه مع التسليم لم يثبت اعتماد المشهور على هذه الرواية الضعيفة . نعم ، ذكروها في كتب الاستدلال لكنّه لم يعلم استنادهم إليها في الفتوى ، ولعلّهم استندوا إلى بعض الوجوه الآتية .

   الثاني :  رواية عبدالملك بن عمرو الأحول المتضمِّنة لهذه الصيغة (1) .

   وفيه :  أ نّها وإن كانت تامّة من حيث الدلالة ، وقد عرفت أنّ اشتمالها على ما ثبت استحبابه من الخارج لا يضر بدلالتها على الوجوب فيما عداه ، لكنّها ضعيفة السند وإن عبّر عنها المحقِّق الهـمداني (2) بالموثقـة لعدم ثبوت وثاقة الأحول كما مرّ ، فلا يمكن الاعتماد عليها .

   الثالث :  رواية إسحاق بن عمار الحاكية لصلاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المعراج المشتملة على الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) بهذه الصورة(3) .

   وفيه :  أ نّها ضعيفة السـند جدّاً من جهة محمّد بن علي ماجيلـويه شيخ الصدوق أوّلاً .  وثانياً : من جهة محمّد بن علي الكـوفي أبي سمينة (4) المشهور بالكذب على ما ذكره الفضل بن شاذان في جملة جماعة ، بل قال هذا أشهرهم(5) وكذا النجاشي (6) .

   الرابع :  السيرة القائمة بين المسلمين خلفاً عن سلف .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 393 /  أبواب التشهّد ب 3 ح 1 .

(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 367 السطر 27 .

(3) الوسائل 5 : 468 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11 .

(4) لكن في المعجم 18 : 58 / 11427 أ نّه غير أبي سمينة .

(5) رجال الكشي : 546 / 1033 .

(6) رجال النجاشي : 332 / 894 .

ــ[270]ــ

   وفيه :  أنّ السيرة وإن كانت ثابتة كما يظهر بمراجعة الأخبار أيضاً ، إلاّ أنّ القائم منها على الفعل لا يكشف إلاّ عن عدم الحرمة دون الوجوب ، فغايتها الجواز وأ نّه أحد الأفراد أو أفضلها ، كما أنّ القائم منها على الترك لا يكشف إلاّ عن عدم الوجوب دون التحريم .

   وبعبارة اُخرى : لا تزيد السيرة على عمل المعصوم (عليه السلام) ، وكلاهما لا يدلاّن على الوجوب .

   الخامس :  وهو العمدة ، موثقة أبي بصير الطويلة المتضمِّنة للصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) بهذه الصيغة (1) .

   لكن الاسـتدلال بها إنّما يستقيم بناءً على مسلكنا من أنّ الوجوب والاستحباب غير مدلولين لصيغة الأمر وإنّما يستفادان من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه ، حيث إنّ الترخيص فيه قد ثبت من الخارج بالاضافة إلى جملة من الأدعية والأذكار الواردة في هذه الموثقة ، ولم يثبت بالنسبة إلى هذه الكيفية ، فيسـتقل العقل حينئذ بكون الأمر في الأوّل للاسـتحباب ، وفي الثاني للوجوب ، ولا منافاة بين الأمرين ولا ضير في التفكيك بين الموردين .

   وأمّا بناءً على المسلك المشهور من استفادتهما من اللفظ بحسب الوضع أو الاستعمال ، فلا مناص من الالتزام بأنّ الأمر هنا مستعمل في جامع الطلب فلا يدل على الوجوب .

   فظهر من جميع ما سردناه : أنّ الوجوه المستدل بها لتعيّن هذه الكيفية كلّها مخدوشة إلاّ الوجه الأخير وهي موثقة أبي بصير بناءً على مسلكنا ، وأمّا على مسلك القوم فليس لهم الاستدلال بها أيضا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 393 /  أبواب التشهّد ب 3 ح 2 .

ــ[271]ــ

   وأمّا القول الآخر ، أعني الاكتفاء بمطلق الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقد استدلّ له أيضاً بوجوه :

   أحدها :  أصالة البراءة عن تعيّن الكيفية الخاصّة . ونوقش فيها : بأنّ المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير والمرجع في مثله قاعدة الاشتغال . وفيه : ما أسلفناك مراراً من أنّ هذا الدوران هو بعينه الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلاّ في مجرد العبارة ، والمختار فيه هو أصالة البراءة .

   إلاّ أنّ الرجوع إلى الأصل فرع عدم الدليل ، وقد عرفت قيام الدليل على وجوب تلك الكيفية وهي موثقة أبي بصير بالتقريب المتقدِّم ، فلا تنتهي النوبة إلى الأصل .

   الثاني :  إطلاق الأمر بالصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) الوارد في الروايات .

   وفيه أوّلاً : منع الاطلاق، لعدم ورود تلك النصوص إلاّ لبيان أصل الاعتبار لا كيفيته، فان عمدتها كانت صحيحة زرارة (1) المتضمِّنة لتشبيه الصيام بالصلاة في اعتبار الزكاة فيه كاعتبار الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيها ، فكما لا تعرّض فيها لبيان كيفية الزكاة فكذا لا تعرّض لكيفية الصلاة ، فهي غير مسوقة إلاّ لبيان الاعتبار في الموردين في الجملة ولا نظر فيها لبيان الكيفية في شيء من الموردين .

   وثانياً :  لو سلّم الاطلاق فهو مقيّد بموثقة أبي بصير المشتملة على تلك الكيفية الخاصّة .

 الثالث والرابع :  صحيحة الحسن بن الجهم (2) ، وموثقة سماعة (3) فقد ذكر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 407 /  أبواب التشهّد ب 10 ح 2 .

(2) الوسائل 7 : 234 /  أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6 .

(3) الوسائل 8 : 405 /  أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2 .

ــ[272]ــ

فيهما في بيان الكيفية هكذا : «صلّى الله عليه وآله» .

   وفيه :  أنّ هذه الجملة غير موجودة في التهذيب ولا الاستبصار(1) ، بل غير موجودة في الموثقة حتّى في الوسائل وإنّما ذكرت في بعض كتب الاسـتدلال فيطمأن بل يجزم عادة بأنّ هذه الزيادة من الكاتب على حسـب العادة من الصلاة عليه عند كتابة اسمه (صلّى الله عليه وآله) كالتلفظ به ، وليست جزءاً من الروايتين .

   الخامس :  ما رواه الصدوق في العلل وكذا الكليني بسند صحيح عن أبي عبدالله (عليه السلام) في علّة تشريع الصـلاة ، وفيها « ... فقال يا محمّد صلّ عليك وعلى أهل بيتك ، فقلت : صلّى الله عليّ وعلى أهل بيتي وقد فعل ... » إلخ (2) فيظهر منها عدم اعتبار الكيفية المشهورة في أداء الوظيفة ، ولا تعارضها رواية إسحاق بن عمار الواردة في هذا المورد المشتملة على تلك الكيفية لضعف سندها كما مرّ (3) .

   وفيه :  أ نّها وإن كانت صحيحة السند لكنّها قاصرة الدلالة ، فان من أمعن النظر فيها ولاحظها صدراً وذيلاً يكاد يقطع بأن ما فعله (صلّى الله عليه وآله) في المعراج لم يكن بنفسه صلاة ، وإنّما اُمر بأجزائها شيئاً فشيئاً كالتمهيد للتشريع وبعد ذلك شرعت الصلاة على طبقها ، ألا ترى قوله (صلّى الله عليه وآله) : «وطالبتني نفسي أن أرفع رأسي ... » إلخ وقوله (صلّى الله عليه وآله) : «فخررت لوجهي ... » إلخ وقوله (صلّى الله عليه وآله) : «ثمّ قمت ... » إلخ وهكذا غيرها من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 2 : 354 / 1467 ، الاستبصار 1 : 401 / 1531 ، التهذيب 3 : 51 / 177 .

(2) الوسائل 5 : 465 /  أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10 ، علل الشرائع : 312 / 1 ، الكافي 3 : 482 / 1 .

(3) في ص 269 .

ــ[273]ــ

الاُمور التي صدرت منه (صلّى الله عليه وآله) من تلقاء نفسه ثمّ صارت علّة للتشريع من غير أن يتعلّق بها الأمر ابتداء .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net