الأخبار التي استدلّ بها على عدم وجوب التسليم 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1862


   وأمّا المقام الثاني :  أعني المانع عنه على تقدير تسليم المقتضي الملازم للقول بالاستحباب ، فقد استدلّ له بوجوه :

   أحدها :  الأصل ، فان مقتضاه البراءة عن اعتبار الجزئية وتشريع الوجوب .

   وفيه :  أنّ مقتضى الأصل في نفسه وإن كان هو ذلك لكنّه محجوج ومخرج عنه بما عرفت من الروايات الكثيرة المختلفة الدالّة على الوجوب والجزئية .

   ثانيها :  صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول الإمام التشهّد فيأخذ الرجل البول أو يتخوّف على شيء يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع ؟ قال : يتشهّد هو وينصرف ويدع الإمام» (1) . فانّه لو كان التسليم جزءاً من الصلاة بل أو واجباً لأمره (عليه السلام) بذلك ولم يقتصر على التشهّد مع الانصراف ، فمن عدم أمره (عليه السلام) بذلك يستكشف عدم جزئيته ووجوبه .

   والجواب :  أنّ هذه الصحيحة ـ على ما ذكره المحقِّق الهمداني (قدس سره)(2) ـ وإن كانت في موضع من التهذيب كما رقمت من دون الأمر بالتسليم إلاّ أ نّه في موضع آخر (3) وكذا في الفقيه (4) ذكر فيها أ نّه يسلِّم وينصرف .

   قال المحقِّق الهمداني (قدس سره) : والفقيه أضبط من التهذيب . وحينئذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 413 /  أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2 ، التهذيب 2 : 349 / 1446 .

(2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 377 السطر 28 .

(3) التهذيب 3 : 283 / 842 .

(4) الفقيه 1 : 261 / 1191 .

ــ[311]ــ

تكون الصحيحة من جملة أدلّة القائلين بالوجوب وتكون على عكس المطلوب أدل ، هذا أوّلاً .

   وثانياً : سلّمنا أنّ الصحيح هو ما ذكر في هذا الموضع من التهذيب كما في الوسائل ، فغايته أن تكون حال هذه الصحيحة حال الصحيحة الآتية ويكون الجواب هو الجواب عنها .

   ثالثها :  صحيح محمّد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) التشهّد في الصلوات ، قال : مرّتين ، قلت : كيف مرّتين ؟ قال : إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ثمّ تنصرف ... » (1) إلخ بعين التقريب المتقدِّم .

   والجواب :  أنّ تعلّق الأمر بالانصراف يقتضي أن لا يكون المراد منه ما هو الأمر العادي الّذي يقتضيه الطبع الأوّلي من التوجّه والرواح إلى مهمّاته وحوائجه ، وإلاّ فهذا لا يحتاج إلى الأمر به ، بل يكون المراد منه ما هو وظيفته الشرعية وقد عيّن مصداق ذلك في جملة من الروايات وفيها الصحاح وغيرها .

   منها :  صحيح الحلبي قال : «قال أبو عبدالله (عليه السلام) كلّ ما ذكرت الله (عزّ وجلّ) به والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) فهو من الصلاة ، وإن قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت» (2) ، المؤيّد برواية أبي كهمس عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن الركعتين الأوّلتين إذا جلست فيهما للتشهّد فقلت وأنا جالس : السلام عليك أ يُّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، انصراف هو ؟ قال : لا ، ولكن إذا قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 397 /  أبواب التشهّد ب 4 ح 4 .

(2) الوسائل 6 : 426 /  أبواب التسليم ب 4 ح 1 .

ــ[312]ــ

الانصراف» (1) فقد عيّن فيهما ما يتحقّق به الانصراف وهو السلام الخاص فتكون تانك الصحيحتان دالّتين على وجوب التسليم لا أ نّه يستفاد منهما عدم الوجوب كما هو المدّعى .

   ومنها :  صحيحه الآخر عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد قال : يسلّم من خلفه ويمضي لحاجته إن أحبّ» (2) فان مضمون هذه الصحيحة هو بعينه مضمون صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة ، وقد صرّح (عليه السلام) هنا بأنّ للمأموم أن يسلِّم عند إطالة الإمام للتشهّد ، فيكون المراد من الانصراف هناك هو التسليم أيضاً وتكون هذه مفسّرة لتلك .

   ومنها :  ذيل صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فان كان متسعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرف أجزأه» (3) فان عطف جملة «انصرف» على «سلّم» لا بدّ وأن يكون تفسيرياً ، إذ لا معنى لكون الانصراف موجباً للإجزاء ، والمراد أ نّه لدى الاستعجال يكفي التسليم ولا يلزمه الأوراد والأذكار المتعارفة المستحبّة ، فهذه الرواية أيضاً شاهدة على أنّ المراد من الانصراف ليس إلاّ التسليم .

   رابعها :  صدر هذه الصحيحة حيث علّق (عليه السلام) فيه المضي من الصلاة على خصوص الفراغ من الشهادتين ، ولو كان السلام جزءاً وواجباً لكان اللاّزم أن يكون هو المعلّق عليه لا التشهّد .

   والجواب :  أنّ عد هذه الصـحيحة من أدلّة القـول بالوجـوب أولى من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 426 /  أبواب التسليم ب 4 ح 2 .

(2) الوسائل 8 : 413 /  أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 3 .

(3) الوسائل 6 : 416 /  أبواب التسليم ب 1 ح 5 .

ــ[313]ــ

الاستدلال بها على خلافه ، وذلك أمّا بناءً على أن يكون المراد من الشهادتين هو الشهادتان مع توابعهما التي منها قول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كما عرفت استظهار ذلك من موثقتي أبي بصير المتقدِّمتين (1) فواضح ، إذ عليه يكون مضي الصلاة متوقّفاً على أداء الشهادتين والسلام المزبور معاً .

   وأمّا بناءً على إنكار ذلك فيكفي في الاستدلال بها ذيلها ، حيث يدل على أنّ الاهتمام بشأن السلام بمكان لا يجوز تركه حتّى مع فرض الاستعجال فكيف يمكن أن تكون الصحيحة دليلاً على عدم وجوب السلام . نعم ، لا بدّ حينئذ من التصرّف في كلمة المضي في الصدر وحملها بقرينة الذيل على مضي أجزائها غير المخرج ، وهو السلام الّذي به تتم الصلاة دون المضي المطلق .

   خامسها :  موثقة يونس بن يعقوب قال : «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) صلّيت بقوم صلاة فقعدت للتشهّد ثمّ قمت ونسيت أن اُسلِّم عليهم ، فقالوا : ما سلمت علينا ، فقال : ألم تسلِّم وأنت جالس ، قلت : بلى ، قال : فلا بأس عليك ولو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت : السلام عليكم» (2) بناءً على أن يكون «بلى» تصديقاً للنفي ، أي نعم ما سلّمت ، وقد حكم (عليه السلام) بنفي البأس عن ذلك فيكون دليلاً على عدم الوجوب .

   وفيه :  أنّ كلمة «بلى» تصديق للمنفي لا النفي بشهادة تصريح أهل اللغة وملاحظة موارد استعمالاتها كما في قوله تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) (3) أي أنت ربّنا .

   ولو سلّمنا استعمال بلى حتّى في تصديق النفي فلا نسلِّمه في المقام ، وإلاّ فما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 302 ، 303 .

(2) الوسائل 6 : 425 /  أبواب التسليم ب 3 ح 5 .

(3) الأعراف 7 : 172 .

ــ[314]ــ

معنى نفي البأس مع عدم التسليم ، وأيّ فائدة في هذا السؤال إذا لم يكن فرق في الحكم بين ما لو سلّم وما إذا لم يسلِّم وكان كل منهما محكوماً بعدم البأس، فلا بدّ وأن يكون المراد تصديق الاتيان بالسلام وهو قول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وأمّا السلام الأخير فالمفروض أ نّه قد نسيه فلا يمكن أن يكون التصديق راجعاً إليه . وإذا كانت الموثقة دالّة على نفي البأس في فرض الاتيان بالسلام ولو بغير الصيغة الأخيرة فكيف يمكن أن يستدل بها على عدم اعتبار السلام مع أ نّه على عكس المطلوب أدل ، هذا .

   ولا يبعد أن يكون قوله : «ولو نسيت» من تصرّف نسّاخ التهذيب ، وأن يكون في الأصل «ولو شئت» كما استظهره المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1) تبعاً لغيره ، مستشهداً بأنّ المذكور في قرب الاسناد (2) على ما قيل بلفظ «ولو شئت» بدل «ولو نسيت» .

   سادسها :  الروايات المستفيضة الدالّة على عدم بطلان الصلاة باتيان المنافي من الحدث والالتفات الفاحش وغيرهما قبل التسليم ، وذلك آية عدم الجزئية إذ لو كان التسليم جزءاً ولم يخرج المصلِّي قبله عن الصلاة لكان ذلك موجباً للبطلان كالاتيان بها قبل التشهّد .

   منها :  صحيح الحسن بن الجهم قال : «سألته يعني أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة ، قال : إن كان قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلا يعد ، وإن كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد» (3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 377 السطر 35 .

(2) قرب الاسناد : 309 / 1206 .

(3) الوسائل 7 : 234 /  أبواب القواطع ب 1 ح 6 .

ــ[315]ــ

   أمّا الدلالة فظاهرة ، حيث دلّت صريحاً على أنّ الحدث إذا كان واقعاً بعد التشهّد فلا يكون موجباً للاعادة وبطلان الصلاة ، سواء أتى بالتسليم أم لا .

   وأمّا السند ، فقد تقدّم سابقاً وقلنا إنّ تعبير غير واحد عنها بالرواية وإن كان مشعراً بالضعف إلاّ أنّ الظاهر كونها صحيحة ، فانّ الحسن بن الجهم منصرف إلى الحسن بن الجهم بن بكير الزراري المعروف الموثق ، وأمّا ابن الجهم الآخر غير الموثق فهو غير معروف بحيث ينصرف اللفظ عنه عند الاطلاق . وأمّا عباد بن سليمان الواقع في السند فهو وإن لم يوثق صريحاً إلاّ أ نّه من رجال كامل الزيارات ، ويكفينا ذلك في اعتباره .

   ومنها :  صحيحة زرارة التي مضمونها عين مضمون الصحيحة السابقة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهّد ، قال : ينصرف فيتوضّأ ، فان شاء رجع إلى المسجد وإن شاء ففي بيته وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهّد ثمّ يسلِّم ، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته» (1) فان ذيلها دال على أنّ الحدث بعد الشهادة ليس بضائر ، ومقتضى ذلك أنّ التسليم ليس بجزء .

   ومنها :  حسنة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً ، وإن كنت قد تشهّدت فلا تعد» (2) فانّ هذه الرواية دلّتنا على أنّ الالتفات الفاحش الّذي هو من جملة المنافيات لا يوجب الاعادة إذا كان بعد التشهّد ، فلا بدّ وأن لا يكون السلام واجباً وجزءاً .

   والجواب عن هذه الصحاح الثلاث :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 410 /  أبواب التشهّد ب 13 ح 1 .

(2) الوسائل 6 : 424 /  أبواب التسليم ب 3 ح 4 .

ــ[316]ــ

   أمّا أوّلاً :  فلأن هذه الروايات كما تدل على عدم بطلان الصلاة بالحدث إذا كان قبل التسليم الكاشف عن عدم جزئيّته ، فكذلك تدل على عدم البطلان إذا كان ذلك قبل الصلاة على النبيّ المستلزم لعدم جزئيّتها أيضاً ، لأنّ التفصيل فيها واقع بين كون الحدث قبل التشهّد فيعيد ، وبعده فلا يعيد من دون ذكر للصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) . وما يتراءى في صحيح ابن الجهم من قول (صلّى الله عليه وآله) فهو ليس جزءاً من الرواية بل زيادة ناشئة من رعاية أدب الكتابة بشهادة عدم ذكره في التهذيب (1) وإنّما هو موجود في الوسائل فلاحظ .

   وعلى الجملة : فمقتضى الاطلاق عدم الاعادة حتّى فيما إذا كان الحدث قبل التصلية ، وهذا ممّا لا يلتزم به القائل بعدم جزئية التسليم ، فلا بدّ من طرح هذه الروايات .

   إلاّ أن يقال :  إنّ التصلية بما أ نّها من توابع التشهّد وملحقاته فالمراد من التشهّد التشهّد المنضم بها فلا يدل على عدم الاعادة إذا كان الحدث قبلها ، بل لا بدّ من فرض وقوعه بعدها ، ولكن هذا الجواب لو تمّ فهو جار بالنسبة إلى السلام أيضاً ، لأنّ قول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين على ما يستفاد من ظاهر بعض النصوص كما تقدّم (2) يكون من توابع التشهّد ، وأنّ التسليم المطلق ينصرف إلى السلام الأخير ، فلا تدل على عدم الاعادة إذا كان الحدث قبل تلك الصيغة ، بل لا بدّ من فرض وقوعه بعدها ، فاذا كانت الصحاح محمولة على أنّ المراد بالتشهّد هو المعنى الجامع ، فلا يفرق في ذلك بين التصلية وبين السلام بتلك الصيغة ، ومعه لا تكون هذه الروايات دالّة على عدم الجزئية .

   وأمّا ثانياً :  فمع الاغماض عمّا ذكرناه نقول : إن أمكن الالتزام بمضمون هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التهذيب 2 : 354 / 1467 .

(2) في ص 302 ، 303 .

ــ[317]ــ

الأخبار ودعوى أ نّها مخصّصة لما دلّ على مبطلية الالتفات والحدث فهو ، وإلاّ فهذه الأخبار الدالّة على عدم قدح الحدث ونحوه تكون معارضة لما دلّ على جزئية التسليم وأ نّه آخر الصلاة ، وواضح أنّ الترجيح مع روايات الجزئية لمخالفتها للعامّة ، وموافقة هذه الأخبار لهم ومنهم أبو حنيفة (1) القائل بجواز الخروج عن الصلاة بالحدث وغيره فتطرح وتحمل على التقيّة .

   بقي في المقام روايتان : إحداهما :  موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يصلِّي ثمّ يجلس فيحدث قبل أن يسلِّم قال : تمّت صلاته ... » إلخ (2) حيث دلّت على صحّة الصلاة مع وقوع الحدث في الأثناء وقبل التسليم الكاشف عن عدم جزئيّته .

   والجواب عنها :  هو ما ذكرناه في سائر الأخبار ، ويزيد هذه أ نّه لم يذكر فيها وقوع الحدث بعد التشهّد كما في تلك الأخبار ، بل المذكور وقوعه قبل التسليم . وقد ذكرنا فيما مرّ أنّ التسليم لدى الاطلاق منصرف إلى السلام الأخير .

   وعليه فتحمل الموثقة على ما إذا كان الحدث واقعاً بعد قول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . فالجواب عن هذه الرواية أوضح ممّا مرّ .

   وعين هذا الجواب يجري في الرواية الثانية ، وهي موثقة غالب بن عثمان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يصلِّي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهّد ثمّ ينام قبل أن يسلِّم ، قال : تمّت صلاته» (3) .

   هذا ولم يبق من الروايات التي يمكن الاستدلال بها لنفي الوجوب والجزئية عدا روايتين والاستدلال بهما ضعيف غايته .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجموع 3 : 481 ، المغني 1 : 623 .

(2) الوسائل 6 : 424 /  أبواب التسليم ب 3 ح 2 .

(3) الوسائل 6 : 425 /  أبواب التسليم ب 3 ح 6 .

ــ[318]ــ

   الاُولى :  صحيحة زرارة في حديث عن أحدهما (عليهما السلام) قال «قلت له : من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين ، قال : يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهّد ولا شيء عليه» (1) وهذه الصحيحة وإن كان ظاهرها الاتيان بالركعتين متّصلتين ، إلاّ أنّ في قوله «بفاتحة الكتاب» إشعاراً بالانفصال ، ولا أقل من أ نّها مقيّدة بذلك ببقية الأخبار . وعلى أيّ حال فقد دلّت على عدم وجوب التسليم لعدم ذكر له فيها بعد التشهّد .

   وفيه :  أنّ هذه الرواية بعين هذا السند رواها الكليني بلفظ «ثمّ يسلِّم ولا شيء عليه» بدل «يتشهّد» (2) ولا يبعد أ نّهما رواية واحدة ، وعلى تقدير التعدّد تتقيّد إحداهما بالاُخرى كما لا يخفى .

   الثانية :  صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبدالله (عليه السلام) إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين واجعله أماماً ، واقرأ في الاُولى منهما سورة التوحيد (قُل هو الله أحد ) ، وفي الثانية (قُل يا أ يُّها الكافرون ) ثمّ تشهد واحمد الله واثن عليه وصلّ على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) واسأله أن يتقبّل منك» (3) فانّ الاقتصار على التشهّد وعدم ذكر التسليم بعده يكشف عن عدم وجوبه .

   وفيه :  أ نّه (عليه السلام) لم يكن في مقام بيان أجزاء الصلاة ، ولذا لم يذكر الركوع والسجود مع أ نّهما أولى بالذكر ، وإنّما النظر فيها معطوف على بيان خصوصية هذه الصلاة وهي إيقاعها في مقام إبراهيم واشتمالها على سورة الجحد والتوحيد ، فعدم التعرّض للتسليم غير المختص بهذه الصلاة لا يدل على عدم الوجوب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 220 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 3 .

(2) الوسائل 8 : 220 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 4 ، الكافي 3 : 350 / 3 .

(3) الوسائل 13 : 423 /  أبواب الطواف ب 71 ح 3 .

ــ[319]ــ

   على أنّ الظاهر أنّ قوله (عليه السلام) : «ثمّ تشهد ... » إلخ ناظر إلى ما بعد السلام ، وأ نّه بعد الفراغ من الصلاة يأتي بهذه الأعمال من التشهّد والحمد والثناء وغيرها من المذكورات ، وذلك من جهة كلمة «ثمّ» الظاهرة في التفريع على صلاة ركعتين ، فليس التشهّد المزبور من التشهّد الصلاتي في شيء .

   فتلخص من جميع ما ذكرناه : أنّ القول بالاستحباب استناداً إلى هذه الروايات ضعيف جدّاً ، لعدم تمامية الاستدلال بشيء منها ، فلا مناص من القول بالوجوب . وأمّا ما نسب إلى المشهور من الاستحباب فالمراد به التسليم الأخير .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net