نسيان التسليم وتذكره بعد إتيان المنافي 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3460


   بقي شيء :  وهو أنّ السيِّد الماتن (قدس سره) ذكر أنّ التسليم وإن كان جزءاً لكنّه ليس بركن ، فلو تركه عمداً بطلت صلاته تحقيقاً لما تقتضيه الجزئية . وأمّا لو تركه سهواً فان كان التذكّر بعد الاتيان بشيء من المنافيات عمداً وسهواً كالحدث ، أو بعد فوات الموالاة لا يجب تداركه ، لحديث لا تعاد المستفاد منه عدم جزئية غير الخمس حال النسيان ، وإنّما تختص جزئيّتها بحال الالتفات والذكر فيكون الحدث واقعاً قهراً خارج الصلاة لا أثناءها ، فالصلاة في هذا الفرض محكومة بالصحّة غايته الاتيان بسجدتي السهو ولو احتياطاً للنقصان بترك التسليم .

   وإن كان التذكّر قبل ذلك أتى به لبقاء محل تداركه ، ومعه لا يجري حديث لا تعاد كما لا يخفى ، ولا شيء عليه إلاّ أ نّه إذا كان قد تكلّم فتجب عليه حينئذ سجدتا السهو لعدم كونه منافياً ومبطلاً إلاّ حال العمد دون السهو .

   وأورد عليه شيخنا الاُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة (1) وتبعه غير واحد من تلامذته فحكموا بالبطلان فيما إذا كان التذكّر بعد الحدث أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى مع تعليقات عدّة من الفقهاء 2 : 593 .

ــ[320]ــ

الاستدبار ، أو فوات الموالاة ممّا يكون منافياً ولو سهواً ، نظراً إلى أنّ المستفاد من روايات التحليل أنّ المخرج والمحلل منحصر في خصوص السلام لا غير وليس لاعتقاد المصلِّي خروجه عن الصلاة من جهة نسيان السلام أيّ أثر في التحليل والخروج عنها ، فما دام لم يسلِّم فهو بعد باق في الصلاة ، ولا مجال للاستناد بحديث لا تعاد للحكم بالخروج وحصول التحليل ، وعليه فلو أحدث قبل السلام المنسي أو استدبر أو استمرّ النسيان إلى أن فاتت الموالاة كان كل ذلك واقعاً أثناء الصلاة لا محالة دون خارجها ، ولأجله يحكم ببطلان الصلاة .

   وذكر (قدس سره) في آخر كلامه وتبعه بعض تلامذته : أ نّه بماذا يجمع بين هذه الدعوى ـ أي مخرجية الاعتقاد ـ وما التزم به من وجوب سجود السهو عليه لو تكلّم عند نسيانه ، فهل التكلّم بعد الخروج عن الصلاة موجب لسجود السهو ؟

   أقول :  الصحيح هو ما ذكره الماتن ، ولا يرد عليه شيء ممّا ذكر . أمّا الأخير فواضح الدفع ، بل لم نكن نترقب صدوره من شيخنا الاُستاذ (قدس سره)، فانّ السيِّد الماتن (قدس سره) إنّما التزم بسجدة السهو للتكلّم فيما إذا كان التذكر قبل الاتيـان بالمنافي وقبل فوات الموالاة الّذي حكم (قدس سره) حينئذ بوجوب الاتيان بالسلام لبقاء المحل ، فيكون التكلّم عندئذ واقعاً أثناء الصلاة لا محالة فتجب سجدة السهو لأجله .

   وأمّا حكمه (قدس سره) بالصحّة وعدم التدارك الراجع إلى مخرجية الاعتقاد على حد تعبير شيخنا الاُستاذ (قدس سره) فهو فيما إذا كان التذكر بعد الاتيان بالمنافي أو بعد فوات الموالاة بحيث لم يبق محل للتدارك ، وهذا فرض آخر غير الفرض الأوّل الّذي حكم فيه بسجود السهو للتكلّم ، ولم يلتزم بالسجود للتكلّم في هذه الصورة ، فأحد الحكمين في فرض ، والآخر في فرض آخر ولا تنافي بينهما بوجه كي يحتاج إلى الجمع بين الدعويين كما هو أوضح من أن يخفى .

 
 

ــ[321]ــ

   وأمّا أصل المطلب وأنّ من نسي السلام حتّى أتى بالمنافي هل تصح صلاته أم تبطل ؟ فالظاهر الصحّة كما ذكره الماتن (قدس سره) ودعوى أنّ المنافي حدث في الأثناء لانحصار المحلل في السلام مدفوعة :

   أوّلاً :  أ نّه لم تثبت ولا رواية واحدة من أخبار التحليل ، لضعفها بأجمعها كما سبق (1) ، وإنّما الثابت أنّ اختتام الصلاة بالتسليم وأ نّه الجزء الأخير ، لا أنّ تحليلها به ، وحيث إنّ الجزئية منفية لدى النسيان بحديث لا تعاد ، فالتسليمة لا جزئية لها بالنسبة إلى الناسي ، ولا يكون اختتام الصلاة بها بالاضافة إليه . وعليه فالحدث واقع خارج الصلاة لا محالة دون أثنائها .

   وثانياً :  سلّمنا تمامية تلك الأخبار ، لكن ليس معنى محللية التسليم حصر الخروج عن الصلاة بالسلام بحيث لو أتى بالمنافي لا يخرج به إلاّ إذا سبقه السلام ، فلو أراد التكلّم وجب عليه أن يسلِّم ويتكلّم ، فانّ هذا ليس بمراد قطعاً ، كيف ومن ارتكب المنافي بطلت صلاته المستلزم للخروج عنها ، أفهل يحتاج بعدئذ إلى المحلل ، بل معناه أنّ المصلِّي ما دام كونه مصلِّياً لا يحلِّله إلاّ التسليم . وأمّا إذا فرضنا أ نّه خرج عن الصلاة إمّا بالابطال أو بغيره بحيث لا يطلق عليه عنوان المصلِّي وقتئذ فهو غير محتاج إلى المحلِّل بالضرورة .

   وعليه فالحدث ونحوه من سائر المنافيات الصادرة سهواً واقعة خارج الصلاة بعد ملاحظة أنّ السلام المنسي لا جزئية له حال النسيان بمقتضى حديث لا تعاد كما عرفت ، فببركة الحديث يحكم بخروج الحدث ونحوه عن كونه حدثاً في الصلاة ، إذ لا مانع من شمول الحديث بالاضافة إلى السلام المنسي إلاّ الحكم بالبطلان من ناحية وقوع الحدث في الصلاة ، لكن هذه المانعية غير معقولة لاستلزام الدور ، لوضوح أنّ البطلان المزبور موقوف على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 295 .

ــ[322]ــ

عدم شمول الحديث للسلام المنسي ، إذ مع الشمول لا جزئية للسلام فلا يكون الحدث في الأثناء فلا بطلان ، فلو كان عدم الشمول مستنداً إلى البطلان ومتوقفاً عليه كان هذا من الدور الظاهر ، فهذه المانعية ساقطة .

   ولم يكن ثمة مانع آخر عن شمول الحديث بالاضافة إلى السلام المنسي عدا ما يتوهّم من توقف الشمول على إحراز صحّة الصلاة من بقية الجهات مع قطع النظر عن نفس الحديث ، وهذا غير ممكن في المقام من غير ناحية الشمول كما لا يخفى .

   ويندفع بعدم الدليل على هذه الدعوى عدا لزوم اللغوية من شمول الحديث لو لم تكن الصحّة محرزة من سائر الجهات ، فلا بدّ من فرض صحّة الصلاة ظاهراً أو واقعاً من النواحي الاُخر حذراً من اللغوية المترتبة على جريان القاعدة مع فرض البطلان من ناحية اُخرى ، لكن اللغوية ترتفع في خصوص المقام بالحكم بصحّة الصلاة فعلاً ، ولو كان ذلك من ناحية نفس الحديث ، إذ يثبت به أنّ التسليم ليس جزءاً من الصلاة حال النسيان ، ونتيجته عدم وقوع الحدث أثناء الصلاة فتحرز بذلك الصحّة الفعلية ولو كان ذلك ناشئاً من نفس الحديث كما عرفت ، فلا تلزم اللغوية من شموله للمقام بوجه كما هو واضح جدّاً . فهذه الدعوى أيضاً ساقطة .

   وأوضح منها فساداً : ما قد يدعى من أنّ الحدث مهما وقع فهو في الأثناء لأنّ الخروج عن الصلاة معلول للحدث ، فهو في مرتبة متأخِّرة عنه لتأخّر المعلول عن العلّة بحسب المرتبة ، ففي المرتبة السابقة على الخروج كان الحدث واقعاً أثناء الصلاة لا محالة ، لتقدّم العلّة فمن أجله يحكم بالبطلان .

   إذ فيه : ما لا يخفى ، ضرورة أنّ المعلول وإن كان متأخِّراً عن العلّة رتبة لكنهما متقارنان زماناً ، فزمان الحدث هو بعينه زمان الخروج من غير سبق

ــ[323]ــ

ولحوق ، ولا شكّ أنّ أدلّة البطلان ناظرة إلى وقوع المنافي في الأثناء بحسب الزمان ، إذ لا أثر للتأخّر الرتبي المبني على التدقيق العقلي في الحكم الفقهي المحوّل إلى الفهم العرفي كما لا يخفى .

   وثالثاً :  لو سلّم كل ما ذكر فانّما يتم لو قلنا بأنّ الحدث مانع قد اعتبر عدمه في نفس الصلاة بما لها من الأجزاء والأكوان المتخلِّلة بينها ، ولكن لا يبعد دعوى اختصاص الاعتبار بذوات الأجزاء كما يقتضيه قوله (عليه السلام) «لا صلاة إلاّ بطهور» (1) ، أي نفس هذه الأجزاء التي تتألّف منها الصلاة مشروطة بالطهارة ، أو أنّ الحدث مانع عنها فلو وقع الحدث أثناء الصلاة كما بين الركوع والسجود لم يكن ثمة مانع من التوضي والاتمام إلاّ ما دلّ على قاطعية الحدث وإلاّ فمجرّد اعتبار المانعية الراجع إلى الاشتراط المزبور لا ينافي ذلك كما هو الحال في اشتراط الطمأنينة في الأجزاء القابل للتدارك لدى الاخلال ، فعدم إمكان التدارك والاتمام في المقام ليس إلاّ من أجل دليل اعتبار القاطعية للحدث .

وعليه ففي مفروض الكلام ، أعني ما لو أحدث بعد التشهّد وقبل السلام ، لم يكن هناك مانع من تدارك الطهارة من ناحية الشرطية أو مانعية الحدث ، وإنّما المانع ما دلّ على أنّ الحدث قاطع وأ نّه بعد حصوله لا تنضم الأجزاء اللاّحقة بالسابقة ، فليكن الأمر كذلك ، إذ هذا لا ضير فيه في المقام بعد أن كانت التسليمة اللاّحقة جزءاً غير ركني منفياً بحديث لا تعاد ، فعلى تقدير تسليم جميع ما مرّ لا يتم ذلك في مثل الحدث قبل السلام فانّه لو أضرّ فانّما هو من حيث القطع ولا محذور فيه كما عرفت .

   ورابعاً :  لو سلّم هذا أيضاً فلا نسلِّمه في الفصل الطويل بمقدار لا يمكن معه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 365 /  أبواب الوضوء ب 1 ح 1 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net