أدلّة جواز تقليد الميِّت ابتداءً 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2350

   أدلة المثبتين

   وقد استدلوا عليه بوجوه :

   منها : دعوى أن الآيات والروايات الواردة في حجية فتوى الفقيه غير مقيّدة بحال الحياة ، فمقتضى إطلاق الأدلة عدم الفرق في حجيتها بين الحياة والممات ، لأنها كما تشمل فتوى المجتهد الحي كذلك تشمل فتوى المجتهد الميت ، فالنتيجة هو التخيير لا  محالة .

   ويدفعه : أن الآيات والروايات على تقدير إطلاقهما وشمولهما فتوى الميت في نفسها لا يمكن التمسك بهما في المقام ، وذلك لما مرّ من أن العلماء أحياءهم وأمواتهم مختلفون في المسائل الشرعية ومع مخالفة فتوى الميت لفتوى الأحياء ، بل مخالفتها لفتوى الأموات بأنفسهم ، لا تشملها الاطلاقات بوجه لعدم شمول الاطلاق للمتعارضين ، هذا .

   على أن الأدلة القائمة على حجية فتوى الفقيه وجواز الرجوع إليه لا إطلاق لها من تلك الناحية ليشمل فتوى الميت في نفسها ، وذلك لأنها إنما دلت على وجوب الحذر عند إنذار المنذر والفقيه ، أو على السؤال من أهل الذكر ، أو على الرجوع إلى راوي الحديث أو الناظر في الحلال والحرام ، أو غير ذلك من العناوين الواردة في الأخبار ولا شبهة في أن القضايا ظاهرة في الفعلية ، بمعنى أن قولنا مثلاً : العالم يجب إكرامه ظاهره أن من كان متصفاً بالعلم بالفعل هو الّذي يجب إكرامه ، لا الأعم من المتلبس بالفعل ، ومن انقضى عنه التلبس . إذن مقتضى الأدلة المتقدمة أن من كان متصفاً بالانذار فعلاً أو بالفقاهة أو العلم أو غيرها من العناوين بالفعل ، هو الّذي يجوز تقليده . ولا إشكال

ــ[77]ــ

في أن الميت لا يتّصف بالانذار أو أهل الذكر أو بغيرهما من العناوين المتقدمة بالفعل ، وإنما كان منذراً أو فقيهاً سابقاً إذ لا إنذار للميت ، ولا أنه من أهل الذكر إلى غير ذلك من العناوين المتقدمة ، وقد عرفت أن الأدلة غير شاملة لمن لم يكن متصفاً بالعناوين المأخوذة في الموضوع بالفعل .

   وعلى الجملة ، أن الميت لما لم يكن منذراً أو متصفاً بغيره من العناوين المتقدمة بالفعل ، لم تشمله الأدلة القائمة على حجية فتوى المنذر ، ففتوى الميت خارجة عن مداليل الأدلة رأساً . ولا نريد بذلك دعوى أن الحذر يعتبر أن يكون مقارناً للانذار وحيث إن هذا لا يعقل في فتوى الميت فإن الحذر متأخر عن إنذاره لا محالة فلا تشمله المطلقات ، بل نلتزم بعدم اعتبار التقارن بينهما قضاءً لحق المطلقات لعدم تقييدها بكون أحدهما مقارناً للآخر .

   وإنما ندعي أن فعلية العناوين المذكورة وصدقها بالفعل ، هي المأخوذة في موضوع الحجية بحيث لو صدق أن الميت منذر بالفعل أو فقيه أو من أهل الذكر كذلك ، وجب الحذر من إنذاره وحكمنا بحجية فتواه وإن لم يكن الحذر مقارناً لانذاره ، كما إذا لم يعمل المكلف على طبقه بأن فرضنا أن المجتهد أفتى وأنذر وشمل ذلك زيداً مثلاً ثمّ مات المجتهد قبل أن يعمل المكلف على طبق فتواه ، فإنه حجة حينئذ ، لأن إنذاره المكلف إنما صدر في زمان كان المجتهد فيه منذراً بالفعل أي كان منذراً حدوثاً وإن لم يكن كذلك بحسب البقاء ، ويأتي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت أن هذا كاف في حجية الفتوى ، ومن هنا قلنا إن المقارنة بين الانذار والحذر غير معتبرة لاطلاق الأدلة من تلك الجهة . وأما إذا لم يصدق المنذر أو الفقيه أو بقية العناوين المتقدمة على الميت ولو بحسب الحدوث كما في التقليد الابتدائي ، نظير فتوى ابن أبي عقيل بالإضافة إلى أمثالنا فلا تشمله المطلقات لأن إنذاره ليس من إنذار المنذر أو الفقيه بالفعل .

   ثمّ إن بما سردناه ظهر الجواب عن الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معيّنين كزكريا بن آدم ، ومحمّد بن مسلم ، وزرارة وأضرابهم حيث إن ظهورها في إرادة الارجاع إلى الحي غير قابل المناقشة ، لأنه لا معنى للارجاع إلى الميت والأمر بالسؤال أو الأخذ منه ، وذلك لوضوح أن الارجاع فيها إنما هو إلى هؤلاء الأشخاص

ــ[78]ــ

بأنفسهم ، لا أن الارجاع إلى فتاواهم ليقاس ذلك بالأخبار ويدعى أن الفتوى كالرواية لا يفرق الحال في حجيتها بين أن يكون المفتي حياً أو ميتاً ، كما هو الحال في راوي الحديث . إذن لا موضوع للارجاع بعد موتهم فهذا الوجه غير تام .

   ومنها : السيرة ، بتقريب أن العقلاء قد جرت سيرتهم على رجوع الجاهل إلى العالم ، ولا يفرّقون في ذلك بين العالم الحي والميت ، ومن هنا لو مرض أحدهم وشخّص مرضه لرجعوا في علاجه إلى القانون وغيره من مؤلفات الأطباء الأموات من غير نكير ، وحيث لم يردع عن هذه السيرة في الشريعة المقدسة فنستكشف أنها حجة وممضاة شرعاً .

   ويرد على هذا الوجه : أن جريان السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقاً وإن كان غير قابل للمناقشة ، إلاّ أنها لو لم تكن مردوعة بما يأتي من أن الأدلة الواردة في حجية فتوى الفقيه ظاهرة في فتوى أحيائهم ، لا تقتضي جواز تقليد الميت في نفسها وذلك لما مرّ من أن العامّي فضلاً عن غيره لا تخفى عليه المخالفة بين العلماء الأموات والأحياء في المسائل الشرعية بل بين الأموات أنفسهم ، ومع العلم بالمخالفة لا تشمل السيرة فتوى الميت بوجه ، لأن الأدلة ومنها السيرة غير شاملة للمتعارضين .

   ومنها : الاستصحاب ، وذلك للقطع بحجية فتوى الميت قبل موته فإذا شككنا في بقائها على حجيتها وعدمه ، إستصحبنا حجيتها وبه يثبت أن العمل على فتوى الميت مؤمّن من العقاب . نعم ، لولا هذا الاستصحاب تعيّن الرجوع إلى فتوى الحي بمقتضى قاعدة الاشتغال لأنها المتيقنة من حيث الحجية ، وهذا بخلاف فتوى الميت للشك في حجيتها بموته .

   والجواب عن ذلك : أنا لو أغمضنا عن أنه من الاستصحابات الجارية في الأحكام لوضوح أن الشك إنما هو في سعة الحجية المجعولة وضيقها ، وقد بيّنا في محله عدم جريان الاستصحاب في الأحكام ، وفرضنا أن لنا يقيناً سابقاً بحجية فتوى الميت بالإضافة إلى الجاهل المعدوم في عصره ، بأن بنينا على أن حجية فتوى الميت إنما جعلت في الشريعة المقدسة على نحو القضايا الحقيقية ، وموضوعها الجاهل المقدّر الوجود لتشمل الجاهل الموجود في عصر المجتهد الميت والجاهل المعدوم الّذي سيوجد

ــ[79]ــ

بعد موته ، ولم ندّع أن اليقين بالحجية إنما هو بالإضافة إلى الجاهل الموجود في زمانه وإلاّ فلا يقين بحجية فتواه على من يريد تقليده ابتداءً بعد موته ، ولم نناقش بأن الحجية إنما ترتبت على الرأي والنظر ، ولا رأي بعد الممات كما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه) (1) بأن قلنا إن الرأي حدوثه يكفي في حجيته بحسب البقاء ولا يعتبر إستمراره في حجيته بعد الممات ، وأغمضنا عمّا هو الظاهر من الأخبار والآيات المتقدّمتين ، من أن الحجة إنما هو إنذار المنذر بالفعل لا من كان منذراً سابقاً وليس بمنذر بالفعل ، كما إذا قلنا إن الرجوع إنما يجب إلى فتوى المجتهد وأقواله ولا يجب الرجوع إلى ذات المجتهد ونفسه ، حتى تنتفي حجيته بموته كما هو الحال في الرواية إذ الحجية إنما تثبت للرواية ولم تثبت للراوي في ذاته ومن هنا لا تسقط عن الحجية بموته .

   لم يمكننا المساعدة على جريان الاستصحاب في المقام ، وذلك لأن المراد بالحجية المستصحبة إن كان هو الحجية الفعلية فلا يقين بحدوثها، لأن المتيقن عدم الحجية الفعلية بالإضافة إلى العامّي المتأخر عن عصر المجتهد الميت ، لوضوح أن الفعلية إنما تتحقق بوجود المكلف العامّي في عصر المجتهد ، والمفروض عدم تحققه فليست فتاوى الميت حجة فعلية على العامّي غير الموجود في عصره لتستصحب حجيتها الفعلية .

   وإن اُريد بها الحجية التعليقية ، أعني الحجية الانشائية فهي وإن كانت متيقنة على الفرض ، إلاّ أنها ليست بمورد للاستصحاب وذلك للشك في سعة دائرة الحجية المنشأة وضيقها وعدم العلم بأنها هي الحجية على خصوص من أدرك المجتهد وهو حي أو أنها تعم من لم يدركه كذلك .

   وبعبارة اُخرى إنا نشك في أن حجية رأي المجتهد وفتواه مقيدة بحالة حياته أو أنها غير مقيدة بها ، فلا علم لنا بثبوت الحجية الانشائية بعد الممات ليمكن استصحابها حتى على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام ، وذلك لأن الاستصحاب في المقام أسوء حالاً من الاستصحابات الجارية في الأحكام ، لأن تلك الاستصحابات إنما تدعى جريانها في الأحكام بعد تحقق موضوعاتها وفعليتها كحرمة وطء الحائض بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول : 477 .

ــ[80]ــ

نقائها وقبل الاغتسال ، لأن الحرمة في المثال فعلية بوجود الحائض فعلى القول بجريان الاستصحاب في الأحكام لا مانع من استصحابها للقطع بثبوتها ، وهذا بخلاف المقام لأن الشك فيه إنما هو في سعة الحكم المنشأ وضيقه من دون أن يكون فعلياً في زمان ، ومعه لا يمكن إستصحابه لعدم العلم بثبوت الجعل في زمان الشك فيه .

   ومن هنا منعنا جريان الاستصحاب في أحكام الشرائع السابقة وعدم النسخ في الشريعة المقدسة ، ولو على القول بجريانه في الأحكام لرجوع الشك حينئذ إلى سعة جعل الحكم وضيقه ، وما عن المحدث الاسترابادي من أن استصحاب عدم النسخ من الضروريات (1) أمر لا أساس له ، فلو وصلت النوبة إلى الشك في النسخ لمنعنا عن جريانه كما عرفت ، إلاّ أنه إنما لا يعتنى باحتماله لاطلاق الأدلة المثبتة للأحكام أو لما دلّ على استمرار أحكام محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يوم القيامة .

   والمتحصل : أن ما استدل به على جواز تقليد الميت من الابتداء لا يمكن تتميمه بوجه .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net