أدلة استحباب القنوت - استحباب القنوت في جميع النوافل حتى الشفع 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1850


   فانّها صريحة في أنّ الحكم الواقعي هو ثبوت القنـوت في جميع الفرائض وأنّ التخصيص بالجهرية مبني على التقيّة .

   ومنها :  موثقة محمّد بن مسلم قال : «سـألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القنوت في الصلوات الخمس ، فقال : اقنت فيهنّ جميعاً . قال : وسألت أبا عبدالله (عليه السلام) بعد ذلك عن القنوت ، فقال لي: أمّا ما جهرت به فلا تشك (شك)»(2) .

   ومنها :  موثقة زرارة عن أبي جعـفر (عليه السلام) «قال : القنوت في كل الصلوات(3) قال محمّد بن مسلم فذكرت ذلك لأبي عبدالله (عليه السلام) فقال: أمّا ما لا يشك فيه فما جهر فيه بالقراءة» (4) فانّ التعبير بنفي الشك لا يناسب إلاّ التقيّة كما لا يخفى .

   خامسها :  ـ وهو العمدة ـ موثقة عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إن نسي الرجل القنوت في شيء من الصلاة حتّى يركع فقد جازت صلاته وليس عليه شيء ، وليس له أن يدعه متعمداً» (5).

   فانّ النهي عن الترك عامداً ظاهر في الوجوب ، فهي واضحة الدلالة على وجوب القنوت في جميع الصلوات كما أ نّها تامّة السند .

   إلاّ أ نّه لم يكن بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور ، وكذا ظهور سائر الأخبار المتقدِّمة ـ لو سلّم ظهورها في الوجوب ـ لقرائن عديدة تشهد بذلك وتستوجب

ـــــــــــــ
(2) الوسائل 6 : 262 /  أبواب القنوت ب 1 ح 7 .

(3) ، (4) الوسائل 6 : 265 /  أبواب القنوت ب 2 ح 4 ، 5 .

(5) الوسائل 6 : 286 /  أبواب القنوت ب 15 ح 3 .

ــ[365]ــ

الحمل على الاستحباب .

   الاُولى :  صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرِّضا (عليه السلام) «قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) في القنوت : إن شئت فاقنت وإن شئت فلا تقنت ، قال أبو الحسن (عليه السلام) : وإذا كانت التقيّة فلا تقنت وأنا أتقلد هذا» (1) .

   ورواها الشـيخ بسند آخر عن البزنطي عنه (عليه السلام) إلاّ أ نّه قال : «القنوت في الفجر» (2) .

   والظاهر تعدّد الرواية وتكرّر الواقعة لاختلاف المتن والسند وإن اتّحد الجواب فسأله تارة عن القنوت في مطلق الصلوات ، واُخرى في خصوص صلاة الفجر ولعلّه لذهاب جماعة من العامّة (3) إلى مشروعيّته فيها فأجاب (عليه السلام) في الموردين بعدم الوجوب والتعليق على المشيئة ما لم يكن مورداً للتقيّة ولو لحضور من لا يقول بالمشروعية في الفجر من العامّة .

   وكيف ما كان ، فسواء اتّحدت الرواية أم تعدّدت فهي صريحة في عدم الوجوب إمّا مطلقاً أو في خصوص صلاة الفجر المستلزم لعدم الوجوب في غيرها بطريق أولى ، بداهة أنّ القنوت فيها أهم ، ومن ثمّ ورد الأمر فيها بالخصوص في غير واحد من النصوص ، فاذا لم يكن فيها للوجوب ففي غيرها بالأولوية .

   ومن الواضح الجلي عدم السبيل إلى حملها على التقية ، لصراحتها في التخيير ونفي الوجوب في غير مورد التقية ، فبهذه القرينة القاطعة يرفع اليد عمّا كان ظاهراً في الوجوب ويحمل على الاستحباب .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 269 /  أبواب القنوت ب 4 ح 1 .

(2) التهذيب 2 : 161 / 634 .

(3)  حلية العلماء 2:134، المبسوط للسرخسي 1:165، الفقه على المذاهب الأربعة 1:269 .

ــ[366]ــ

   الثانية :  رواية عبدالملك بن عمرو قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القنوت قبل الركوع أو بعده ؟ قال : لا قبله ولا بعده» (1) .

   ونحوها روايتـه الاُخرى قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) قنوت الجمعة في الركعة الاُولى قبل الركوع ، وفي الثانية بعد الركوع ؟ فقال لي : لا قبل ولا بعد» (2) . فقد استدلّ بهما غير واحد على عدم الوجوب بتقريب أنّ السؤال لم يكن عن المشروعية ، كيف وهي واضحة جليّة في الجمعة وفي غيرها ، بل عن الوجوب وقد تضمنتا صريحاً نفيه على سبيل الاطلاق .

   ويندفع :  ـ مضافاً إلى ضعف السند فان عبدالملك لم يوثق ـ بقصور الدلالة إذ السؤال لم يكن لا عن الوجوب ولا عن المشروعية ، بل عن محل القنوت وأ نّه قبل الركوع أو بعده ، فالاجابة عنه بالنفي المطلق بعد وضوح ثبوت المشروعية ولو في الجملة نصّاً وفتوى ، محمولة على التقيّة لا محالة ، فلا يمكن الاستدلال بهما .

   الثالثة :  معتبرة وهب بن عبد ربّه عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له» (3) .

   ولا يقدح اشتمال السند على محمّد بن عيسى بن عبيد فانّه ثقة على الأقوى ونحوها معتبرته الاُخرى المتقدِّمة (4) فان في تقييد الترك الممنوع عنه بالرغبة دلالة واضحة على أنّ ترك القنوت في نفسه لا ضير فيه ، وإنّما الضير في إسناد هذا الترك إلى الإعراض والرغبـة عنه كما عليه المخالفون البانون على عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 269 /  أبواب القنوت ب 4 ح 2 .

(2) الوسائل 6 : 272 /  أبواب القنوت ب 5 ح 9 .

(3) الوسائل 6 : 263 /  أبواب القنوت ب 1 ح 11 .

(4) الوسائل 6 : 265 /  أبواب القنوت ب 2 ح 2 .

ــ[367]ــ

المشروعية ، وهذا كما ترى من شؤون الاستحباب ، ضرورة أنّ الجزء الوجوبي لا سبيل لتركه سواء أكان مقروناً بالرغبة أم لا كما تقدّم .

   الرابعة : كثرة الأسئلة عن القنوت الصادرة من أكابر الرواة وأعاظم أصحاب الأئمّة كزرارة ومحمّد بن مسلم وصفوان وأضرابهم من الأعيان والأجلاّء ، فان نفس هذه الأسئلة المتكاثرة خير دليل بل أقوى شاهد على عدم الوجوب ، بداهة أ نّه لو كان واجباً لكان أمراً جليّاً وواضحاً بعد شدّة الابتلاء به وأقله في كل يوم خمس مرّات، فكيف يحتمل خفاء مثله عن مثلهم . وهل هذا إلاّ كالسؤال عن وجوب الركوع أو السجود .

   ويرشدك إلى ذلك : ما في صحيحة صفوان الجمال قال : «صلّيت خلف أبي عبدالله (عليه السلام) أيّاماً فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر» (1) فانّ القنوت لو كان واجباً لم يكن أيّ وجه للتعرّض إليه وتخصيصه بالذكر من بين سائر الأجزاء ، فانّه نظير أن يقول صلّيت خلف أبي عبدالله (عليه السلام) أيّاماً فكان يركع في كل صلاة الّذي فيه من البشاعة ما لا يخفى .

   إذن فيكشف التعبير المزبور كشفاً باتاً عن استحباب القنوت في نفسه ، وأ نّه (عليه السلام) كان مهتماً بهذا الأمر المندوب ومواظباً عليه .

   الخامسة :  اختلاف أجوبتهم (عليهم السلام) عن تلك الأسئلة ، فتارة : نفوا القنوت قبل الركوع وبعده ، واُخرى : أمروا به في خصوص الفجر ، وثالثة : بضميمة الجمعة والعشاء والعتمة والوتر ، ورابعة : في خصوص الصلوات الجهرية ، وخامسة : في كل فريضة أو نافلة ، فان خير محمل لهذا الاختلاف هو كشفه عن ابتناء الحكم على الاستحباب مع نوع من التقيّة واختلاف في مراتب الفضيلة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 261 /  أبواب القنوت ب 1 ح 3 .

ــ[368]ــ

   توضيح المقام :  أ نّه لا ريب في استقرار بناء المخالفين على ترك هذه السنّة عملاً والتجنّب عنها خارجاً ، وإن أذعن بعضهم بها اجمالاً واعترف بشرعيتها في صلاة الفجر كما يظهر ذلك من صحيحة البزنطي المتقدِّمة (1) . إذن فالنصوص المانعة على اختلاف ألسنتها محمولة على التقيّة ، لا بمعنى الاتقاء من الرواة والسائلين ، كيف وجلّهم لولا كلّهم من أصحابهم وخواصّهم ، بل حملة أسرارهم نظراء زرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما، بل حفاظاً عليهم وحماية للحمى وصيانة لهم ، مخافة الوقوع في مخالفة التقيّة ولو أحياناً ومن حيث لا يشعرون . ومن ثمّ كانوا (عليهم السلام) يقتصرون على بيان ما هو الأهم والأفضل ، فنهى في صحيحة يونس بن يعقوب المتقدِّمة(2) عن القنوت إلاّ في الفجر ، لكونه في صلاة الفجر أهم، وخصّت هي وصلاة المغرب بالذكر في صحيحة الأشعري المتقدِّمة (3) لكـونه فيهما أفضل من سائر الصلوات الخمس ، وورد الأمر به في الصلوات الجهرية خاصّة لكونه فيها أفضل من غيرها .

   وهذا كما ترى أقوى شاهد على أنّ القنوت في حدّ نفسه لم يكن واجباً وإلاّ لأمروا به بقول مطلق إلاّ في مواضع التقيّة كغيره من الواجبات المنافية لها كالمسح على الخفين والوضوء منكوساً ونحوهما. وهذا بخلاف ما لو كان مستحبّاً فانّه قد يحسن ترك هذا المستحب حذراً عن الوقوع ولو أحياناً في ورطة التقيّة .

   وعليه فالجمع بين شتات الأخبار يستدعي الحمل على اختلاف مراتب الاستحباب الموجب للاهتمام بمراعاة التقيّة تارة وعدمه اُخرى حسبما عرفت .

   فاتّضح من جميع ما تقدّم: أنّ الأقوى ما عليه المشهور من استحباب القنوت في عامّة الصلوات ، وإن كان الاستحباب في بعضها آكد منه في البعض الآخر .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 365 .

(2) ، (3) في ص 363 .

ــ[369]ــ

بل جميع النوافل (1) حتّى صلاة الشفع على الأقوى (2) ، ويتأكّد في الجهرية من الفرائض(3) ، خصوصاً في الصبح والوتر ، والجمعة (4) بل الأحوط عدم تركه في الجهرية بل في مطلق الفرائض ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) اجماعاً كما عن غير واحد ، وتشهد له صحيحة عبدالرّحمان بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن القنوت ، فقال : في كل صلاة فريضة ونافلة» (1) ، وموثقة محمّد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : القنوت في كل ركعتين في التطوّع أو الفريضة» (3) وغيرهما .

   (2) مرّ التعرّض لذلك مستوفى في المسألة الاُولى من فصل أعداد الفرائض ونوافلها (4) .

   (3) للأمر بها بالخصوص في بعض النصوص المحمولة على تأكّد الاستحباب كما تقدّم (5) .

   (4) لتخصيصها بالذكر في صحيحة سعد الأشعري المتقدِّمة (6) ، لكن ينبغي إضافة المغرب لورودها فيها أيضاً ، ولم يعرف وجه لاهمال الماتن لها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 263 /  أبواب القنوت ب 1 ح 8 .

(2) وأما روايته الاُخرى «القنوت في كل صلاة في الفريضة والتطوّع» في باب 1 من أبواب القنوت حديث12، فهي ضعيفة السند بطريقيها كما لايخفى. فتوصيفها بالصحيحة ـ كما عن بعضهم ـ في غير محله . على أنّ الموجود في الفقيه [ 1 : 207 / 934 ] مغاير لهذا المتن وإن كان ظاهر عبارة الوسائل هو الاتِّحاد .

(3) الوسائل 6 : 265 /  أبواب القنوت ب 2 ح 3 .

(4) شرح العروة 11 : 68 .

(5) في ص 362 .

(6) في ص 363 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net