موضع القنوت في صلاة العيدين - محل القنوت وعدده في صلاة الجمعة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2283


ــ[373]ــ

إلاّ في صلاة العيدين (1) ففيها في الركعة الاُولى خمس مرّات وفي الثانية أربع مرّات وإلاّ في صلاة الآيات ففيها مرّتان : مرّة قبل الركوع الخامس ، ومرّة قبل الركوع العاشر ، بل لا يبعد استحباب خمس قنوتات فيها في كل زوج من الركوعات ، وإلاّ في الجمعة (2) ففيها قنوتان : في الركعة الاُولى قبل الركوع وفي الثانية بعده ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صلاة واحدة ـ حال بقية الصلوات في أنّ محل القنوت قبل الركوع . وهذا ممّا لا شبهة فيه غير أنّ جمعاً من الأصحاب كالمحقِّق في المعتبر(1) والعلاّمة في التذكرة(2) والشهيدين في الدروس والروضة (3) صرّحوا بأنّ لها قنوتاً آخر بعد الركوع استناداً إلى ما روي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أ نّه «كان إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال : هذا مقام من حسناته نعمة منك ... » إلخ (4) .

   لكن الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بالارسال وبسهل بن زياد ، قاصرة الدلالة على استحباب القنوت المصطلح ، بل غايته إرادة مطلق الدُّعاء الّذي هو مسـنون في كثير من مواضع الصلاة كالسجدة الأخيرة وما بين السجدتين وغيرهما مع وضوح عدم إطلاق إسم القنوت عليها .

   (1) سيأتي الكلام فيها وفي صلاة الآيات في محلهما إن شاء الله تعالى .

   (2) حيث إنّ الماتن لم يتعرّض لصلاة الجمعة مستقلاً فيجدر بنا التعرّض لحكمها في المقام من حيث القنوت تبعاً للمتن فنقول :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعتبر 2 : 241 .

(2) التذكرة 3 : 259 .

(3) الدروس 1 : 170 ، الروضة البهية 1 : 284 .

(4) الكافي 3 : 325 / 16 ، التهذيب 2 : 132 / 508 .

ــ[374]ــ

   لا ينبغي التأمّل في مشروعية القنوت في صلاة الجمعة في الجملة كما في سائر الصلوات للاطلاقات ، مضافاً إلى النصوص الخاصّة كما ستعرف . وما ورد من نفيه في رواية عبدالملك بن عمرو وصحيحة داود بن الحصـين (1) محمول على التقية أو نفي الوجوب كما تقدّم (2) .

   وإنّما الكلام في محله وعدده ، واستيعاب البحث يستدعي التكلّم تارة في صلاة الجمعة منفرداً ، أي صلاة الظهر الرباعية من يوم الجمعة ، واُخرى جماعة التي هي ذات ركعتين مع الخطبتين ، وهنا أيضاً يبحث تارة عن حكم الإمام ، واُخرى عن وظيفة المأمومين ، فالكلام يقع في جهات ثلاث :

   أمّا الجهة الاُولى :  فالمشهور أنّ حالها حال سائر الصلوات في أنّ فيها قنوتاً واحداً قبل الركوع من الركعة الثانية ، إلاّ أنّ حريزاً روى عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال: وعلى الإمام فيها ـ أي في الجمعة ـ قنوتان ـ  إلى أن قال  ـ : ومن صلاها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الاُولى قبل الركوع» (3) .

   قال الصدوق في الفقيه بعد نقل الحديث ما لفظه : وتفرّد بهذه الرواية حريز عن زرارة ، انتهى (4).

   فالرواية باعتبار ذيلها شاذّة لم يروها غير حريز ، بل لم يعلم عمله بها وإن رواها في كتابه .

   وكيف ما كان ، فمضافاً إلى شذوذها وعدم وضوح العامل بها ، معارضة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 272 /  أبواب القنوت ب 5 ح 9 ، 10 .

(2) في ص 366 .

(3) الوسائل 6 : 271 /  أبواب القنوت ب 5 ح 4 .

(4) الفقيه 1 : 266 .

ــ[375]ــ

موردها بنصوص دلّت على أنّ محل القنوت إنّما هو الركعة الثانية لا الاُولى كصحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في قنوت الجمعة : إذا كان إماماً قنت في الركعة الاُولى ، وإن كان يصلِّي أربعاً ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (1) .

   وصحيحة عمران الحلبي قال : «سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصلِّي الجمعة أربع ركعات أيجهر فيها بالقراءة؟ قال : نعم ، والقنوت في الثانية»(2) .

   أضف إلى ذلك : العمومات الناطقة بذلك كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع» (3) .

   إذن فصحيحة حريز مطروحة بعد عدم نهوضها لمقاومة ما عرفت. والصحيح ما عليه النص والفتـوى من أنّ محل القنوت في صلاة الظهر من يوم الجمعة للمنفرد إنّما هو الركعة الثانية قبل الركوع كما في سائر الصلوات .

   وأمّا الجهة الثانية :  أعني حكم الإمام في صلاة الجمعة ، ففيه أقوال أربعة :

   الأوّل :  ما هو المشهور بين الأصحاب من أنّ فيها قنوتين : أحدهما : في الركعة الاُولى قبل الركوع . وثانيهما : في الثانية بعده .

   الثاني :  ما نسب إلى أبي الصلاح(4) وابن أبي عقيل(5) من أ نّهما قبل الركوع في كل من الركعتين .

 الثالث :  ما اختاره المفيد (6) من أنّ القنوت واحد ومحله قبل الركوع من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 6 : 270 /  أبواب القنوت ب 5 ح 1 ، 3 .

(3) الوسائل 6 : 266 /  أبواب القنوت ب 3 ح 1 .

(4) لاحظ الكافي في الفقه : 123 ، 151 .

(5) حكاه عنه في المختلف 2 : 238 .

(6) المقنعة : 164 .

ــ[376]ــ

الركعة الاُولى .

   الرابع :  ما نسب إلى الصدوق (1) وابن إدريس (2) من أ نّه واحد ومحله الركعة الثانية قبل الركوع كما في سائر الصلوات .

   أمّا القول الأوّل :  الّذي هو المشهور المنصور ، فتشهد له جملة من النصوص كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال : على الإمام فيها ـ  أي في الجمعة  ـ قنوتان : قنوت في الركعة الاُولى قبل الركوع ، وفي الركعة الثانية بعد الركوع ... » إلخ (3) .

   وموثقة سماعة قال : «سألته عن القنوت في الجمعة ، فقال : أمّا الإمام فعليه القنوت في الركعة الاُولى بعد ما يفرغ من القراءة قبل أن يركع ، وفي الثانية بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود ... » إلخ (4) .

   وموثقة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : سأله بعض أصحابنا وأنا عنده عن القنوت في الجمعة ، فقال له : في الركعة الثانية ، فقال له : قد حدثنا به بعض أصحابنا أ نّك قلت له : في الركعة الاُولى ، فقال : في الأخيرة وكان عنده ناس كثير، فلمّا رأى غفلة منهم قال : يا أبا محمّد في الاُولى والأخيرة فقال له أبو بصير بعد ذلك قبل الركوع أو بعده ؟ فقال له أبو عبدالله (عليه السلام) : كل قنوت قبل الركوع إلاّ في الجمعة فانّ الركعة الاُولى القنوت فيها قبل الركوع ، والأخيرة بعد الركوع» (5) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفقيه 1 : 267 .

(2) السرائر 1 : 299 .

(3) الوسائل 6 : 271 /  أبواب القنوت ب 5 ح 4 .

(4) الوسائل 6 : 272 /  أبواب القنوت ب 5 ح 8 .

(5) الوسائل 6 : 273 /  أبواب القنوت ب 5 ح 12 .

ــ[377]ــ

   وأمّا القول الثاني :  فلعل مستنده بعد مفروغية التعدّد في الجمعة وكونه من المسلّمات إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية : «ما أعرف قنوتاً إلاّ قبل الركوع» (1) .

   وفيه :  بعد تسـليم الاطلاق ـ وقد تقدّم (2) منعه ـ أ نّه قابل للتقييد بالنصوص المزبورة بمقتضى صناعة الاطلاق والتقييد .

   وأمّا القول الثالث :  فيستدل له بجملة من النصوص :

   منها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول في قنوت الجمعة : إذا كان إماماً قنت في الركعة الاُولى ، وإن كان يصلِّي أربعاً ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (3) .

   وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «إنّ القنوت يوم الجمعة في الركعة الاُولى» (4) .

   وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «قال : وليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر فيها بالقراءة ويقنت في الركعة الاُولى منهما قبل الركوع» (5) .

   وصحيحة أبي بصير «قال : القنوت في الركعة الاُولى قبل الركوع» (6) المؤيّدة بمرسلته عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : القنـوت قنوت يوم الجمـعة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 268 /  أبواب القنوت ب 3 ح 6 .

(2) في ص 371 .

(3) الوسائل 6 : 270 /  أبواب القنوت ب 5 ح 1 .

(4) الوسائل 6 : 271 /  أبواب القنوت ب 5 ح 6 .

(5) الوسائل 6 : 272 /  أبواب القنوت ب 5 ح 11 .

(6) الوسائل 6 : 271 /  أبواب القنوت ب 5 ح 7 [ بل هي موثقة بزرعة ] .

ــ[378]ــ

الركعة الاُولى بعد القراءة»(1) فانّها ظاهرة في كفاية قنوت واحد في الركعة الاُولى كما أ نّها منصرفة إلى الإمام ، بل بعضها صريحة فيه .

   ويندفع : بعدم دلالة شيء من هذه الأخبار على نفي القنوت الثاني ، لعدم كونها في مقام الحصر ، بل غايته الظهور الاطلاقي في كفاية الواحدة . ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد لزوم رفع اليد عنه وتقييده بالنصوص المتقدِّمة المصرّحة بوجود قنوت آخر في الركعة الثانية بعد الركوع بعد كونها سليمة عن المعارض . فهذا القول كسابقه ضعيف .

   ومنه تعرف ضعف القول الرابع أيضاً ، الّذي ذهب إليه الصدوق وابن إدريس ، إذ ليت شعري ما هو الموجب للتخصيص بالركعة الثانية مع صراحة النصوص المتقدِّمة في التعدّد ، بل إنّ ذلك موجب لطرح النصوص المشار إليها آنفاً المصرّحة بالثبوت في الركعة الاُولى من غير مسوّغ .

   وعلى الجمـلة : ففتوى الصدوق كفتوى المفيد في التخصيص بإحدى الركعتين غير ظاهرة الوجه بعد ورود النصوص الصحيحة المتظافرة الصريحة في الجميع .

   وأمّا ابن إدريس فقد اعتذر عنه بعدم العمل بأخبار الآحاد ، وهو كما ترى ضرورة أنّ نصوص الباب ـ مضافاً إلى اعتبارها في أنفسها ـ قد جاوزت من الكثرة حدّ الاستفاضة ، فلو لم يعمل بمثل هذه النصوص في الأحكام الشرعية فعلى الفقه السلام ، فان كثيراً من الأحكام ومنها مشروعية القنوت في الركعة الثانية من الجمعة التي اعترف بها إنّما ثبتت بمثل هذه الأخبار ، فرفضها يستوجب خللاً في الاستنباط بل سداً لباب الاجتهاد بمصراعيه كما لا يخفى .

   فتحصّل : أنّ الأظهر هو القول الأوّل الّذي عليه المشهور .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 270 /  أبواب القنوت ب 5 ح 2 .

ــ[379]ــ

   وأمّا الجهة الثالثة :  فربّما يقال بأنّ مورد تشريع القنوت في الركعة الاُولى في جملة من النصوص المتقدِّمة كموثقة سماعة (1) وصحيحتي معاوية وزرارة (2) إنّما هو الإمام ، والاطلاق في غيرها منزّل عليه لانصرافه إليه ولو بمعونة ما عرفت فلا دليل على شمول الحكم للمأمومين ، بل عليهم القنوت في الركعة الثانية فقط كما في سائر الصلوات .

   ويندفع أوّلاً :  بأنّ لزوم متابعة المأموم للإمام في كافة الأفعال ومنها القنوت حتّى فيما إذا لم يكن وظيفة له ـ كما لو ائتم في الركعة الثانية من سائر الصلوات فضلاً عن المقـام ـ أمر مغروس في الأفهام ومرتكز في أذهـان عامّة المتشرِّعة كما يشير إليه قوله (عليه السلام) : «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتم به» (3) ، فدليل التشريع في الإمام يغني عن التنبيه عليه في المأموم ، اعتماداً على تلك الملازمة المغروسة والمتابعة المرتكزة .

   وثانياً :  أنّ المراد بالإمام في تلك النصوص ما يقابل المنفرد المذكور في ذيلها ، لا ما يقابل المأموم ، فلا يراد به وصفه العنواني وبما هو إمام ، بل بما هو مقيم لصلاة الجمعة إيعازاً إلى أنّ هذه الماهية من الصلاة المتقوّمة بالجماعة تفارق صلاة المنفرد في اختصاصها بقنوت آخر في الركعة الاُولى من غير فرق في ذلك بين الإمام والمأموم .

   وثالثاً :  مع التنازل عن كل ذلك فيكفينا في شمول الحكم للمأموم إطلاق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 272 /  أبواب القنوت ب 5 ح 8 .

(2) الوسائل 6 : 270 /  أبواب القنوت ب 5 ح 1 ، 4 .

(3) أورده الشهيد مرسلاً عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الذكرى 4 : 444 وراجع صحيح البخاري 1 : 184 ، صحيح مسلم 1 : 308 / 411 ، سنن أبي داود 1 : 164 / 601 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net