استعراض طوائف من الروايات في المسألة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1871


ــ[402]ــ

   الطائفة الاُولى :  ما دلّ على وجوب الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) مطلقاً كرواية الفضل بن شاذان عن الرِّضا (عليه السلام) «قال : والصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) واجبة في كل موطن» (1) .

   ورواية الأعمش في كتاب الخصال عن جعفر بن محمّد «قال : والصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) واجبة في كل المواطن» (2) ، وقبل ذلك كلّه الكتاب العزيز قال تعالى : (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَ يُّهَا ا لَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3) .

   والجواب :  أمّا عن الآية الشريفة ، فلأنّ أقصى مفادها وجوب الصلاة عليه ولو في العمر مرّة واحدة ، ولا دلالة لها على الوجوب كلّما ذكر كما هو المدّعى .

   وأمّا الروايات ، فمضافاً إلى ضعف أسنادها كما لا يخفى ، ظاهرة في وجوب الصلاة عليه في كل موطن وإن لم يذكره ذاكر ، وهذا ممّا لم يقل أحد بوجوبه .

   الطائفة الثانية :  الروايات الآمرة باكثار الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) كرواية عبدالله بن الحسن بن علي عن أبيه عن جدّه «قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : من قال صلّى الله على محمّد وآله قال الله (جلّ جلاله) صلّى الله عليك فليكثر من ذلك» (4) .

   ورواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إذا ذكر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأكثروا الصلاة عليه ، فانّه من صلّى على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة ، ولم يبق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 203 /  أبواب الذكر ب 42 ح 8 .

(2) الوسائل 7 : 205 /  أبواب الذكر ب 42 ح 12 ، الخصال : 607 .

(3) الأحزاب 33 : 56 .

(4) الوسائل 7 : 203 /  أبواب الذكر ب 42 ح 6 .

ــ[403]ــ

شيء ممّا خلقه الله إلاّ صلّى على العبد لصلاة الله وملائكته ، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله وأهل بيته» (1) .

   ويردّها :  مضافاً إلى ضعف السند ، أنّ مفادها وجوب الاكثار ولا قائل به . على أنّ متن الثانية مشعر بالاستحباب كما لا يخفى .

   ومن العجيب أنّ صاحب الحدائق(2) مع تفطنه لذلك استدلّ بها على الوجوب وحمل الاكثار على الاستحباب .

   ويندفع بعدم تضمنها حكمين : الأمر بالصلاة وباكثارها ، ليحمل أحدهما على الوجوب والآخر على الاستحباب ، بل تضمنت حكماً واحداً وهو الاكثار فامّا أن يراد به الوجوب أو الاستحباب ، وحيث لا سبيل إلى الأوّل فلا جرم يراد به الثاني .

   الطائفة الثالثة :  ما دلّ على رفع الصوت بالصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : قال رسـول الله (صلّى الله عليه وآله) : ارفعوا أصواتكم بالصـلاة عليّ فانّها تذهب بالنفاق» (3) .

   وفيه :  مضافاً إلى أ نّه لا قائل بوجوب رفع الصوت ، أنّ التعليل خير شاهد على الاستحباب .

   الطائفة الرابعة :  وهي العمدة ، النصوص الآمرة بالصلاة عليه عند ذكره (صلّى الله عليه وآله) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 193 /  أبواب الذكر ب 34 ح 4 .

(2) الحدائق 8 : 463 .

(3) الوسائل 7 : 192 /  أبواب الذكر ب 34 ح 2 .

ــ[404]ــ

   فمنها :  مرسلة عبيدالله بن عبدالله عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ في حديث ـ ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فلم يغفر الله له وأبعده الله» (1) .

   وهي وإن كانت تامّة الدلالة بل قد يظهر منها أنّ ترك الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) من المحرّمات العظيمة ، إلاّ أ نّها كالروايتين الآتيتين ضعيفة السند بالارسال .

   ومنها :  مرسلة المفيد في المقنعة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث «إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : قال لي جبرئيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فأبعده الله ، قلت آمين ... » إلخ (2) .

   ومنها :  مرسلة ابن فهد في عدّة الداعي «قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : أجفى الناس رجل ذكرت بين يديه فلم يصل عليّ» (3) .

   وهذه مضافاً إلى ضعف السند قاصرة الدلالة أيضاً ، إذ التعبير بالجفاء يلائم الاستحباب كما لا يخفى .

   ومنها :  ما رواه الكليني باسناده عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من ذكرت عنده فنسي أن يصلِّي عليّ خطأ الله به طريق الجنّة» (4) .

   وهذه الرواية وإن كانت معتبرة لكن الأخذ بظاهرها متعذِّر ، لاستقلال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 202 /  أبواب الذكر ب 42 ح 3 .

(2) الوسائل 7 : 206 /  أبواب الذكر ب 42 ح 13 ، المقنعة : 308 .

(3) الوسائل 7 : 207 /  أبواب الذكر ب 42 ح 18 ، عدّة الداعي : 34 .

(4) الوسائل 7 : 201 /  أبواب الذكر ب 42 ح 1 ، الكافي 2 : 495 / 20 .

ــ[405]ــ

العقل بقبح مجازاة الناسي بابعاده عن الجنّة . مضافاً إلى حديث رفع النسيان الدال على سقوط التكاليف الالزامية عنه بأسرها ، وحملها على خلاف ظاهرها بارادة الترك المطلق من النسيان تصرف في الدلالة من غير قرينة تقتضـيه فلا بدّ إذن من ردّ علمها إلى أهله .

   ونحوها رواية أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصية النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) «قال : يا علي من نسي الصلاة عليّ فقد أخطأ طريق الجنّة» (1) .

   ومنها :  ما رواه الصدوق في معاني الأخبار باسناده عن عبدالله بن علي بن الحسن عن أبيه عن جدّه «قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) البخيل حقّاً من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (2) .

   وفيه :  مضافاً إلى ضعف السند ، أنّ التعليل بالبخل مشعر بالاسـتحباب فهذه النصوص كلّها ساقطة .

   والعمدة من هذه الطائفة إنّما هي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال : وصلّ على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره» (3) .

   فانّها ظاهرة الدلالة على الوجوب ، وما ذكره صاحب الذخيرة (4) من عدم دلالة الأوامر في أخبارنا على الوجوب ما لم تنضم إليها قرينة تدل عليه فضعفه غني عن البيان ، هذا .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 202 /  أبواب الذكر ب 42 ح 4 .

(2) الوسائل 7 : 204 /  أبواب الذكر ب 42 ح 9 ، معاني الأخبار 246 / 9 .

(3) الوسائل 5 : 451 /  أبواب الأذان والاقامة ب 42 ح 1 .

(4) ذخيرة المعاد : 289 السطر 12 .

ــ[406]ــ

   والظاهر انحصار الرواية الصحيحة في المقام بهذه الصحيحة التي رواها كل من الكليني
والصدوق (1) بطريق معتبر ، فما يظهر من صاحب الحدائق(2) من عدم الانحصار تارة ، ومن رواية المشايخ الثلاثة لها اُخرى ، غير واضح لعدم رواية الشيخ لهذه الصحيحة كما نبّه عليه المعلِّق .

   وكيف ما كان ، فهي بالرغم من قوّة السند وظهور الدلالة لم يكن بدّ من رفع اليد عنها وحملها على الاستحباب لقرائن تستوجب ذلك وعمدتها ما تكرّرت الاشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من أنّ المسألة كثيرة الدوران ومحل لابتلاء عامّة الناس ، ولعلّه في كل يوم عدّة مرّات ، فلو كان الوجوب ثابتاً مع هذه الحالة لأصبح واضحاً جليّاً بل يعرفه حتّى النِّساء والصبيان فكيف خفي على جل الفقهاء بحيث لم يذهب إلى الوجوب إلاّ نفر يسير ممّن عرفت ، بل لم ينسب إلى القدماء ما عدا الصدوق كما سمعت .

   على أنّ السيرة العملية بين المسلمين قد استقرت على عدم الالتزام بالصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) عند ذكره في القرآن والأدعية والزيارات والروايات والأذان والاقامة وما شاكلها . ولم ترد ولا رواية واحدة تدل على أنّ بلالاً كان يصلِّي عليه (صلّى الله عليه وآله) عند ذكره أو أنّ المسلمين كانوا يصلّون عليه لدى سماع أذانه أو عند ذكره في حياته .

   ومن جميع ما ذكرناه تعرف أنّ ما ذكره في الحدائق من أنّ الوجوب في المقام من الواضحات التي لا تعتريها غشاوة الأوهام وأنّ المنكر مكابر صرف ، ممّا لا أساس له .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي 3 : 303 / 7 ، الفقيه 1 : 184 / 875 .

(2) الحدائق 8 : 462 ، 463 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net