4 ـ الالتفات أثناء الصلاة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2279


   الرابع : تعمّد الالتفات بتمام البدن إلى الخلف أو إلى اليمين أو اليسار بل وإلى ما بينهما على وجه يخرج عن الاستقبال وإن لم يصل إلى حدّهما ، وان لم يكن الالتفات حال القراءة أو الذكر ، بل الأقوى ذلك في الالتفات بالوجه إلى الخلف مع فرض إمكانه ولو بميل البدن على وجه لا يخرج عن الاستقبال وأمّا الإلتفات بالوجه يميناً ويساراً مع بقاء البدن مستقبلاً (2) ،

ـــــــــــــــــــــــ
   (2) قاطعية الالتفات في الجملة ممّا لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه ، وإنّما الكلام في حدّه وأ نّه هل يعتبر فيه أن يكون بتمام البدن ، أو يكفي الالتفات بالوجه ، وهل يلزم أن يكون إلى الخلف أو يكفي اليمين أو الشمال بل ما بينهما ؟

   فقد اختلفت كلمات الأصحاب في المقام ، فمنهم من عبّر بالالتفات بكلّه ، وآخر إلى الوراء كالمحقِّق في الشرائع (1) ، وثالث بحيث يرى من خلفه إلى غير ذلك ، وحيث إنّ المتبع هو الدليل فلا بدّ إذن من استعراض النصوص الواردة في المقام :

   فمنها :  صحيحة زرارة «أ نّه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول : الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه» (2) .

   وهذه الصحيحة هي مدرك من خصّ الالتفات بتمام البدن ، لكنّه مبني على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشرائع 1 : 110 .

(2) الوسائل 7 : 244 /  أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 3 .

ــ[431]ــ

عود الضمير في «بكلّه» إلى المصلِّي أو البدن ونحو ذلك ، ولم يسبق ذكر منه ليرجع إليه . على أنّ المتعارف في من صرف تمام بدنه عن القبلة التعبير عنه بالانحراف دون الالتفات الّذي هو ظاهر في صرف بعض البدن وهو الوجه كما لا يخفى .

   إذن فمرجع الضمير هو الالتفات نفسه السابق ذكره ، ويكون حاصل المعنى أنّ القاطع للصلاة هو الالتفات بصرف الوجه إذا كان بكلّ الالتفات المعبّر عنه في كلمات القوم بالالتفات الفاحش كما يفصح عنه ما ورد في صحيحتين من تخصيص المبطل بذلك ، أي بالالتفات الفاحش .

   ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال «قال : إذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً وإن كنت قد تشهّدت فلا تعد» (1) .

   وفي حديث الأربعمائة المروي في الخصال قال : «الالتفات الفاحش يقطع الصلاة ... » إلخ (2) .

   إذن فيكون مفاد هذه النصوص تخصيص المبطل بالالتفات الفاحش وقد عرفت تفسير الالتفات بصرف الوجه فقط دون البدن .

   ومنها :  صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : سألته عن الرجل يلتفت في صلاته ، قال : لا ، ولا ينقض أصابعه» (3) .

   وهي وإن دلّت على المنع عن مطلق الالتفات ولكنّه يقيِّد بالفاحش جمعاً بينه وبين ما سبق .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 244 /  أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 2 .

(2) الوسائل 7 : 245 /  أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 7 ، الخصال : 622 .

(3) الوسائل 7 : 244 /  أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 1 .

ــ[432]ــ

   ومنها :  ما رواه الشيخ باسناده عن عبدالملك قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الالتفات في الصلاة أيقطع الصلاة؟ فقال: لا، وما اُحبّ أن يفعل» (1) .

   وهي وإن دلّت على الجـواز عن كراهة لكنّها محمولة على الالتفات غير الفاحش بقرينة ما سبق .

   والمتحصِّل من هذه النصوص بطلان الصلاة بصرف الوجه يمنة أو يسرة شريطة كونه فاحشاً ، وعدم البأس بغير الفاحش منه وإن كان مكروهاً .

   بقي الكلام في روايتين استدلّ بهما من خصّ البطلان بالالتفات إلى الخلف كالمحقِّق في الشرائع .

   إحداهما :  ما رواه في السرائر عن جامع البزنطي صاحب الرِّضا (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال : إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلّى ولا يعتد به ، وإن كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود» (2) .

   ولكنّها مضافاً إلى ضعف السند ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع كما مرّ غير مرّة ، قاصرة الدلالة لما عرفته في تفسير الالتفات من أ نّه لغة وعرفاً عبارة عن صرف الوجه مع بقاء البدن مستقبلاً ، وحيث إنّ هذا الصرف متعذِّر إلى الخلف في الانسان وإن أمكن في بعض الحيوانات ، اللّهمّ إلاّ بصرف البدن أيضاً فيكون انحرافاً لا التفاتاً ، فلا جرم يراد به الالتفات الفاحش بحيث يرى من خلفه فيتّحد مفادها مع النصوص المتقدِّمة ، هذا .

   والظاهر أنّ مراد المحقِّق أيضاً من الالتفات إلى الوراء هو ذلك ، أي صرف الوجه على نحو يرى ما خلفه المساوق للالتفات الفاحش لا الاستدبار بمقاديم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 245 /  أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 5 ، التهذيب 2 : 200 / 784 .

(2) الوسائل 7 : 246 / أبواب قواطع الصلاة ب3 ح 8 ، السرائر 3 (المستطرفات): 572 .

ــ[433]ــ

البدن فانّه كما عرفت انحراف لا التفات ، وهو عربي عارف باللغة فكيف يخفى عليه مثل ذلك .

   ثانيتهما :  صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن أنّ ثوبه قد انخرق أو أصابه شيء هل يصلح له أن ينظر فيه أو يمسّه ؟ قال : إن كان في مقدّم ثوبه أو جانبيه فلا بأس ، وإن كان في مؤخّره فلا يلتفت فانّه لا يصلح» (1) بدعوى أنّ النظر إلى الخرق الكائن في مؤخّر الثوب لا يكون إلاّ بالالتفات إلى الخلف .

   وتندفع :  بمنع الملازمة ، لجواز تحويل المؤخّر إلى الإمام والنظر فيه ، بل لعلّ العادة جارية على ذلك ، فانّ الغالب لدى إرادة النظر إدارة المؤخّر إلى القدام لا صرف الوجه إلى الوراء على وجه يخرج عن حالة الاستقبال .

   نعم ، بما أنّ هذه العملية أثناء الصلاة تستلزم نوعاً من انشغال القلب وانصراف الذهن عن التوجّه المرغوب فيه ، فلا جرم يكون النهي محمولاً على الكراهة . ويرشدك إلى ذلك عطف المس على النظر فانّ من الضروري عدم استلزام المس للالتفات أصلاً . وهذا خير دليل على أنّ النهي عنهما من باب واحد وهو ما عرفت من انشغال الذهن عن العبادة المحمول على الكراهة .

   والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الالتفات بالوجه إلى الخلف غير ممكن ، وإلى اليمين أو اليسار مع كونه فاحشاً بحيث يرى من خلفه مبطل ، لمنافاته مع تولِّي الوجه نحو المسجد الحرام المأمور به في قوله تعالى : (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (2) مضافاً إلى النصوص المتقدِّمة ، ولا بأس بغير الفاحش منه وإن كان مكروهاً ، لصحيحة عبدالملك ، إلاّ إذا أوجب الخروج عن الاستقبال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 245 /  أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 4 .

(2) البقرة 2 : 144 .

ــ[434]ــ

فالأقوى كراهته مع عدم كونه فاحشاً ((1)) (1) وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً خصوصاً إذا كان طويلاً وسيّما إذا كان مقارناً لبعض أفعال الصلاة خصوصاً الأركان سيّما تكبيرة الإحـرام ، وأمّا إذا كان فاحشاً ففيه إشكال فلا يترك الاحتياط حينئذ (2) ، وكذا تبطل مع الالتفات سهواً فيما كان عمده مبطلاً (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بوجهه فانّه أيضاً مبطل لما عرفت .

   وأمّا الالتفات بتمام البدن المعبّر عنه بالانحراف عن القبلة فلا شبهة في اقتضائه البطلان ولا أقل من أجل فقد شرط الاستقبال المعتبر في تمام حالات الصلاة كما لا يخفى .

   ثمّ إنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على البطلان لدى الالتفات الفاحش ، عدم الفرق بين تحقّقه حال الاشتغال بالأفعال وبين كونه في الأكون المتخلِّلة ، كما لا فرق في الأوّل بين الأركان وغيرها ولا بين تكبيرة الإحرام وغيرها ، ولا بين الالتفات في زمان طويل أو قصير ، كل ذلك لاطلاق الدليل بعد عدم نهوض ما يصلح للتقييد .

   (1) ما لم يستوجب الخروج عن الاستقبال بوجهه وإلاّ فهو موجب للبطلان كما عرفت .

   (2) وقد عرفت أنّ الأظهر هو الابطال .

   (3) لاطلاق النصوص المتقدِّمة الشامل لصورتي العمد والسهو ، بعد وضوح عدم السبيل للتصحيح بحديث لا تعاد ، ضرورة أنّ الالتفات السهوي إخلال بالقبلة التي هي من الخمسة المستثناة ، فهو إذن عاضد للاطلاق لا أ نّه حاكم عليه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بل الأقوى إبطاله الصلاة إذا خرج عن الاستقبال بوجهه .

ــ[435]ــ

   نعم، خصّ البطلان جماعة من الأصحاب بالالتفات العمدي فلا يقدح السهوي منه . وهو وجيه فيما إذا كان الالتفات إلى ما بين اليمين واليسار ، حيث قد ورد أنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة ، المحمول على صورة السهو والغفلة كما تقدّم في مبحث القبلة ، فانّ ذلك يقتضي الصحّة في المقام بالفحوى كما لا يخفى .

   وأمّا إذا كان إلى نقطتي اليمين أو الشمال فضلاً عن الخلف ـ لو أمكن ـ فالحكم بالصحّة حينئذ في غاية الاشكال ، فان عمدة ما يستدل به لذلك هو التمسّك بحديث رفع النسيان ، بل ألحق بعضهم به الاكراه والاضطرار تمسّكاً بحديث رفعهما، بدعوى أنّ مقتضى رفع قاطعية الالتفات لدى النسيان أو الاكراه فرضه كالعدم وكأ نّه لم يكن ، وهو مساوق لصحّة العمل لفرض خلوّه عمّا يمنع عنها .

   ويندفع :  بما هو المحقّق في محلّه من عدم جريان الحديث في باب الأجزاء والشرائط والموانع لتثبت به صحّة المأتي به ، نظراً إلى أنّ المأمور به إنّما هو الكلِّي والطبيعي الجامع بين الأفراد الطولية والعرضية المحدودة فيما بين الحدّين وما تعلّق به النسيان أو الاكراه أو الاضطرار إنّما هو فرد من ذلك الجامع . فما تعلّق به النسـيان مثلاً غير ما تعلّق به الأمر ، ولا بدّ من تعلّق الرفـع بعين ما تعلّق به الوضع ، ولأجله لا يتكفّل الحديث لتصحيح الباقي ، فلا يكون الاتيان بالناقص مجزئاً ، اللّهمّ إلاّ مع استيعاب العذر لتمام الوقت وهو أمر آخر وتمام الكلام في محلّه (1) .

   فالصواب عدم الفرق في البطلان بين صورتي العمد والسهو، عملاً باطلاقات الأدلّة السليمة عمّا يصلح للتقييد .

   ثمّ إنّه قد يظهر من بعض النصوص المعتبرة عدم قدح الالتفات السهوي فيما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2 : 265 ، الأمر الثالث .

ــ[436]ــ

إذا  كان في الركعتين الأخيرتين أو ثالثة المغرب أو ثانية الغداة ، وهي بين ما هو مطلق وغير صريح في الاستدبار كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته وقد سبقه بركعة فلمّا فرغ الإمام خرج مع الناس ثمّ ذكر بعد ذلك أ نّه فاتته ركعة ، فقال : يعيدها ركعة واحدة» (1) لجواز كون الخروج من طرف القبلة .

   وبين ما هو صريح فيه كموثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله قال : «قال في رجل صلّى الفجـر ركعة ثمّ ذهب وجاء بعد ما أصبح وذكر أ نّه صلّى ركعـة قال : يضيف إليها ركعة» (2) .

   وأصرح منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين ثمّ ذكر وهو بمكّة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أ نّه صلّى ركعتين ، قال : يصلِّي ركعتين» (3) .

   وموثقة عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «والرجل يذكر بعد ما قام وتكلّم ومضى في حوائجه أ نّه إنّما صلّى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب ، قال : يبني على صلاته فيتمّها ولو بلغ الصين ولا يعيد الصلاة» (4) .

   ولكن هذه الأخبار مضافاً إلى عدم وضوح عامل بها غير الصدوق في المقنع (5) فهي مهجورة ومعرض عنها عند الأصحاب ، معارضة في موردها بطائفة اُخرى دلّت على البطلان منها : صحيحة جميل قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل صلّى ركعتين ثمّ قام ، قال : يستقبل ، قلت : فما يروي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 202 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 12 .

(2) الوسائل 8 : 204 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 18 .

(3) ، (4) الوسائل 8 : 204 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 19 ، 20 .

(5) المقنع : 105 ، الهامش رقم 3 .

ــ[437]ــ

إلاّ إذا لم يصل إلى حدّ اليمين واليسار بل كان فيما بينهما فانّه غير مبطل إذا كان سهواً وإن كان بكلّ البدن (1) .
ـــــــــــــــــــــــ

الناس فذكر حديث ذي الشمالين ، فقال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يبرح من مكانه ولو برح استقبل» (2) .

   ولا ريب أنّ الترجيح مع الثانية ، لمخالفة الاُولى مع الكتاب والسنّة الدالّين على اعتبار الاستقبال ومانعية التكلّم وعدم الاستقرار وغيرهما من المنافيات . فلا بدّ إذن من ردّ علمها إلى أهله ، سيّما مع اشتمال بعضها على سهو النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وإتيانه بسجدتي السهو المنافي لاُصول المذهب .

   (1) كما مرّت الاشارة إليه .
ــــــــــــــ

(1) بل بحرف واحد أيضاً على الأظهر ، ومنه يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية .

(2) الوسائل 8 : 200 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 7 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net