7 ـ البكاء في الصلاة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2024


ــ[497]ــ

   السابع : تعمّد البكاء ((1)) (1) المشتمل على الصوت ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومنه تعرف حكم الضحك المشتمل على مجرّد الصوت من غير مد وترجيع فانّه كما يمكن دخوله في حكم القهقهة وإن خرج عنها موضوعاً لعدم التقهقه فيه ، كذلك يمكن دخوله في حكم التبسّم وإن خرج عن موضوعه ، لاختصاصه بما لا صوت فيه ، ولكنّ المبطل لمّا كان عنوان القهقهة فمقتضى الجمود على النص الاقتصار عليه .

   وممّا يدل على الاختصاص المزبور : صحيحة ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول : «إنّ التبسّم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء إنّما يقطع الضحك الّذي فيه القهقهة» (2) .

   إذن فالضحـك المشـتمل على الصوت من دون القهـقهة أو على الصوت التقديري لا دليل على مبطليّته وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه .

   ثمّ إنّ هذه الرواية لا ينبغي التأمّل في صحّتها ، إذ الرهط الّذين يروي عنهم ابن أبي عمير لا يروون إلاّ عن الإمام ، ولأجله كان مرجع الضمير في قوله «سمعوه» هو المعصوم (عليه السلام) ، ولا شبهة في اشتمال الرهط على من يعتمد عليه .

   (1) على المشهور بل عن المدارك (3) دعوى الاجماع عليه .

   ويستدل له تارة :  برواية أبي حنيفة قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة ؟ فقال : إن بكى لذكر جنّة أو نار فذلك هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط .

(2) الوسائل 7 : 250 /  أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 3 .

(3) المدارك 3 : 466 .

ــ[498]ــ

أفضل الأعمال في الصلاة ، وإن كان ذكر ميتاً له فصلاته فاسدة» (1) .

   واُخرى :  بمرسلة الصدوق قال : «وروي أنّ البكاء على الميت يقطع الصلاة والبكاء لذكر الجنّة والنّار من أفضل الأعمال في الصلاة» (2) . ولا يبعد أن تشير المرسلة إلى الرواية الاُولى لاتِّحاد مضمونهما .

   وعلى أيّ حال فلا عبرة بها حتّى لو كانت رواية مستقلّة لمكان الارسال والمستند إنّما هي الرواية الاُولى ، غير أ نّها ضعيفة السند ، لمكان أبي حنيفة المعلوم حاله . على أنّ الراوي عنه وهو النعمان بن عبدالسلام لم تثبت وثاقته .

   ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور ممنوعة صغرى وكبرى . أمّا الثانية فواضحة، وأمّا الاُولى فلأن هذه الشهرة على ما يظهر من الحدائق(3) إنّما حصلت بعد زمن الشيخ للتبعية له في فتاواه ومن ثمّ سموا بالمقلدة ، والشهرة الجابرة هي الحاصلة بين القدماء لا المتأخِّرين . وعلى الجملة : فلا نص يعوّل عليه لاثبات البطلان .

   وأمّا الاستدلال له بكونه من الفعل الكثير فهو كما ترى، لعدم الملازمة بينهما، ومع حصوله فالبطلان لأجله لا لأجل البكاء بعنوانه كما هو المدّعى. فلم ينهض دليل على البطلان ، ومن ثمّ استشكل فيه المحقِّق الأردبيلي(4) ، وتبعه صاحب المدارك (5) . إذن فالحكم مبني على الاحتياط .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 247 /  أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 4 .

(2) الوسائل 7 : 247 /  أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 2 ، الفقيه 1 : 208 / 941 .

(3) الحدائق 9 : 50 .

(4) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 73 .

(5) المدارك 3 : 466 .

ــ[499]ــ

بل وغير المشتمل عليه على الأحوط (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) قد عرفت انحصار المستند في رواية أبي حنيفة الضعيفة ، وعليه فان لم نقل بالانجـبار كما هو المخـتار فلا دليل على البطـلان حتّى في المشـتمل على الصوت فضلاً عن غير المشتمل .

   وإن قلنا به كما عليه المشهور فالوارد في الخبر كلمة «البكاء» ممدودة والمعروف عند أهل اللّغة(1) أ نّها اسم للصوت مع الدمع ، في قبال المقصورة التي هي اسم للدمع بلا صوت . وعليه فيختص البطلان بما اشتمل على الصوت .

   ودعوى عدم ثبوت كون المذكور في الخبر هو الممدود ، كدعوى عدم ثبوت ما هو المنقول عن اللّغة وجواز كون الكلمة اسماً لمطلق الدمع وإن خلت عن الصوت مدفوعة :  أمّا الاُولى ، فباطباق النسخ الصحيحة على ضبط الكلمة ممدودة . على أنّ مجرّد الاحتمـال كاف في لزوم الاقتصار على المقدار المتـيقن والرجوع فيما عداه وهو الخالي عن الصوت إلى أصالة البراءة .

   ومنه تعرف ما في الدعوى الثانية ، إذ غايتها أن يكون من إجمال المفهوم ودورانه بين الأقل والأكثر الّذي مقتضاه أيضاً لزوم الاقتصار على المقدار المتيقن .

   وأمّا ما يظهر من الحدائق (2) من أنّ البحث عن اللّغة أو عن كيفية ضبط الكلمة قليل الجدوى ، إذ المذكور في الخـبر كلمة «بكى» بصيغة الماضي وهي مشتقّة من الجامع بين الممدود والمقصـور على ما هو الصواب من أنّ الأفعال مشتقّة ممّا تشتق منه المصادر لا من نفس المصادر ، فهي صادقة عليهما وشاملة لواجد الصوت وفاقده .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصحاح 6 : 2284 ، مجمع البحرين 1 : 59 .

(2) الحدائق 9 : 51 .

ــ[500]ــ

لاُمور الدُّنيا (1) وأمّا البكاء للخوف من الله ولاُمور الآخرة فلا بأس به ، بل هو من أفضل الأعمال(2) والظاهر أنّ البكاء اضطراراً أيضاً مبطل (3) ، نعم لا بأس به إذا كان سهواً  (4)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فيندفع :  بأنّ المذكور في كلام الإمام (عليه السلام) وإن كان كذلك ، إلاّ أنّ السؤال لمّا كان عن حكم المصدر فلا جرم كان الاطلاق منزّلاً على ما في كلام السائل ، رعاية لتطابق الجواب مع السؤال . ومعه لا مجال للتمسّك بالاطلاق بعد الاقتران بما يصلح للقرينية .

   فالمتحصِّل :  أ نّه لا سبيل إلى إثبات المبطلية لغير المشتمل على الصوت بهذا الخبر ، ومقتضى الأصل البراءة عنها .

   (1) فان مورد النص وإن كان هو البكاء لذكر الميّت ، لكن الظاهر بقرينة المقابلة مع ذكر الجنّة والنّار أنّ المراد به كل ما يتعلّق باُمور الدُّنيا من زوال نعمة أو الوقوع في نقمة ، وتخصيصه بالذكر إنّما هو من باب المثال .

   (2) لجملة من الأخبار التي منها ما رواه الصدوق باسناده عن منصور بن يونس بُزُرج «أ نّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتّى يبكي ، فقال: قرّة عين والله ، وقال: إذا كان ذلك فاذكرني عنده»(1) .

   (3) لاطلاق النص بعد عدم صلوح حديث رفع الاضطرار لاثبات الصحّة كما تقدّم (2) في نظائر المقام من القهقهة ونحوها . نعم ، لا شبهة في ارتفاع الحرمة التكليفية على القول بحرمة قطع الفريضة .

   (4) لا لحديث الرفع لما عرفت آنفاً ، بل لحديث لا تعاد .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 247 /  أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 1 ، الفقيه 1 : 208 / 940 .

(2) في ص 494 .

 
 

ــ[501]ــ

بل الأقوى عدم البأس به إذا كان لطلب أمر دنيوي من الله فيبكي تذلّلاً له تعالى ليقضي حاجته(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) لخروجه عن منصرف النص والفتـوى ، نظراً إلى ظهورهما في كون الباعث على البكاء فوات أمر دنيوي وعدم حصوله ، لا البكاء لأجل تحصيل الفائت تذلّلاً واسـتعطافاً ممّن أزمة الاُمور طراً بيده ، كيف ومثل هذا البكاء تصدق عليه المناجاة مع الرب فلا يكون مبطلاً .

   ومنه يظهر حكم البكاء لما أصاب الدين من ضعف الاسلام والمسلمين ، أو لمصاب المعصومين (عليهم السلام) أو لفقد أحد من العلماء العاملين ، فان مرجع الكل إلى البكاء لأمر اُخروي لا دنيوي ليستوجب البطلان كما هو ظاهر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net