9 ـ الأكل والشرب 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1610


ــ[504]ــ

   التاسع : الأكل والشرب الماحيان للصورة (1)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحد بحصاة ليأتي نحوه كما فعله الصادق (عليه السلام) أو قتل الحيّة أو العقرب أو إرضاع الاُم ولدها وحمله معها ، أو الذهاب عند الرعاف أو رؤية النجاسة في الثوب أو البدن للتطهير ثمّ العود لاتمام الصلاة ، أو تصفيق المرأة للتنبيه على الحاجة ، ونحو ذلك ممّا أورده صاحب الوسائل في الباب التاسع والعاشر من أبواب القواطع (1) .

   والحاصل :  أنّ الكبرى الكلِّيّة المذكورة في كلمات القوم من قادحية الفعل الكثير بما هو وبوصفه العنواني لا يمكن المساعدة عليها إلاّ فيما قام عليه دليل بالخصوص من إجماع ونحوه كما في الأكل والشرب ، أو أوجب الاخلال بالموالاة المعتبرة بين الأجزاء ، المستلزم طبعاً لمحو صورة الصلاة فتبطل حينئذ لهذه العلّة .

   ومنه تعرف أنّ ما في المتن من عدّ الوثبة والرقص والتصفيق منافياً للصلاة الظاهر في كونها كذلك بجميع مراتبها محل إشكال بل منع .

   ثمّ إنّ من جميع ما ذكرناه يتّضح لك أنّ البطلان في الفعل الكثير إن كان مستنداً إلى الاخلال بالموالاة بحيث أوجب سلب اسم الصلاة فلا يفرق حينئذ بين العمد والسهو ، إذ لا صلاة حسب الفرض كي يمكن تصحيحها بحديث لا تعاد فانّه سالبة بانتفاء الموضوع .

   وإن كان مستنداً إلى دليل آخر من نص أو اجماع فتختص طبعاً بصورة العمد لكونها مع السهو مشمولة للحديث المزبور .

 (1) ذهب الشيخ (2) وجم غفير ممّن تأخّر عنه إلى مانعية الأكل والشرب في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 254 ـ 258 .

(2) الخلاف 1 : 413 ، المبسوط 1 : 118 .

ــ[505]ــ

الصلاة، بل نسبه في الحدائق(1) إلى المشهور، ومقتضى عدّهم ذلك عنواناً مستقلاًّ في مقابل الفعل الكثير أو الماحي ، أنّ المانعية ثابتة لنفس هذين العنوانين سواء أعدّا من الفعل الكثير أم لا ، فتبطل بالأكل ولو لقمة ، وبالشرب ولو جرعة .

   نعم ، جعلهما العلاّمة (2) من الفعل الكثير حتّى في مثل اللقمة ، نظراً إلى أنّ تناول المأكول ومضغه وابتلاعه أفعال كثيرة ، وهكذا المشروب .

   ولكنّه كما ترى ، فانّ مقتضاها عدّ نحو لبس الخاتم أو مسح الأنف بالمنديل من الفعل الكثير أيضاً ، لانحلالهما إلى افعال كثيرة من إدخال اليد في الجيب وإخراج الخاتم أو المنديل ولبسه أو المسح به ، ولا يظن أن يلتزم فقيه بعدم جوازه . فالظاهر أ نّهم يرون البطلان لنفس العنوان لا للاندراج تحت الضابط المزبور حسبما ذكرناه .

   ومن ثمّ أشكل عليهم غير واحد من الفقهاء منهم المحقِّق في المعتبر (3) بعدم الدليل عليه وطالبوهم بمستند هذه الفتوى ، هذا .

   والّذي ينبغي أن يقال : أمّا بالنسبة إلى ابتلاع بقايا الطعام الموجودة في الفم فضلاً عن المتخلِّلة ما بين الأسنان ، أو السكّر الّذي يذوب شيئاً فشيئاً وينزل فلا ينبغي الاشكال في عدم بطلان الصلاة بها ـ وإن بطل الصوم ـ بل قد ادّعي الاجماع على ذلك ، فمحل الاشكال ما كان مصداقاً للأكل والشرب عرفاً لا صوماً . وحينئذ فان استوعب من الوقت مقداراً يخل بالموالاة العرفية بحيث لا تنسجم الأجزاء اللاّحقة بالسابقة فلا ريب في البطلان ، لكن لا لتحقّق الأكل والشرب ، بل لفوات الموالاة ومحو صورة الصلاة .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 9 : 54 .

(2) التذكرة 3 : 292 ، المنتهى 1 : 312 السطر 9 .

(3) المعتبر 2 : 259 .

ــ[506]ــ

فتبطل الصلاة بهما عمداً كانا أو سهواً (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ويحتمل أنّ الشيخ ومن تبعه من القائلين بالمانعية يريدون بها ذلك ، وإنّما خصّوهما بالذكر مقدّمة لاستثناء الوتر كما سيجيء ، غير أ نّه يبعّده اختصاص الاستثناء بالشرب فلماذا ألحقوا به الأكل .

   وكيف ما كان ، فلا شبهة في البطلان لدى بلوغ هذا الحد .

   وأمّا إذا كان دونه فلم يتّضح حينئذ وجه للبطلان ، عدا ما ادّعاه في الجواهر (1) من قيام سيرة المتشرِّعة عليه بمثابة يعرفه حتّى الصبيان .

   وفيه :  أنّ السيرة وإن كانت متحقِّقة إلاّ أنّ اتصالها بعصر المعصوم (عليه السلام) الّذي هو مناط حجّيتها غير معلوم ، فانّ الأطفال إنّما تلقوها من آبائهم وهم من علمائهم إلى أن يتّصل بعصر الشيخ الطوسي (قدس سره) ولم تكن المسألة معنونة قبله كي يعرف الاتِّصال ، وعليه فان ثبت الاجماع التعبّدي على المبطلية فهو الحجّة ، وإلاّ فاثباتها بحسب الصناعة في غاية الاشكال .

   ومن هنا يمكن أن يقال : إنّ ما سيأتي من الرواية الدالّة على جواز الشرب أثناء الوتر مطابق للقاعدة ولم يكن استثناءً في المسألة ، نظراً إلى أنّ هذا المقدار من الفصل لم يكن مخلاًّ بالموالاة العرفية ، إذ لم يكن هو أكثر ممّا فعله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على ما رواه الصدوق من أ نّه رأى نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين أرطاب فحكّها ثمّ رجع القهقرى فبنى على صلاته (2) فاذا لم يكن الاجماع ثابتاً كان الحكم المزبور مطابقاً للقاعدة .

   (1) هذا وجيه لو كان البطلان لأجل محو الصورة ، وأمّا لو كان لأجل الاجماع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر 11 : 78 .

(2) الوسائل 7 : 292 /  أبواب قواطع الصلاة ب 36 ح 1 ، الفقيه 1 : 180 / 849 .

ــ[507]ــ

والأحوط الاجتناب عمّا كان منهما مفوّتاً للموالاة العرفيـة عمداً (1) ، نعم لا بأس بابتلاع بقايا الطعام الباقية في الفم أو بين الأسنان ، وكذا بابتلاع قليل من السكّر الّذي يذوب وينزل شيئاً فشيئاً (2) ويستثنى أيضاً ما ورد في النص(3) بالخصوص من جواز شرب الماء لمن كان مشغولاً بالدُّعاء في صلاة الوتر وكان عازماً على الصوم في ذلك اليوم ، ويخشى مفاجأة الفجر وهو عطشان والماء أمامه ومحتاج إلى خطوتين أو ثلاثة ، فانّه يجوز له التخطِّي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع حفظها فلا مانع من التصحيح لدى السهو بحديث لا تعاد كما تقدّم في المبطل السابق .

   (1) كما تقدّم البحث عنه في فصل الموالاة (1) .

   (2) كما تقدّم آنفاً .

   (3) وهو ما رواه الشيخ باسـناده عن أحمد بن محمّد عن الهيثم بن أبي مسروق النهـدي ، عن محمّد بن هيثم ، عن سعيد الأعرج قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) إنِّي أبيت واُريد الصوم فأكون في الوتر فاعطش فأكره أن أقطع الدُّعاء وأشرب وأكره أن اُصبح وأنا عطشان وأمامي قلّة بيني وبينها خطوتان أو ثلاثة، قال: تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدُّعاء»(2) .

   وما رواه الفقيه باسـناده عن سعيد الأعرج أ نّه قال : «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : جعلت فداك إنِّي أكون في الوتر وأكون قد نويت الصوم فأكون في الدُّعاء وأخاف الفجر فأكره أن أقطع على نفسي الدُّعاء وأشرب الماء وتكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 355 .

(2) الوسائل 7 : 279 /  أبواب قواطع الصلاة ب 23 ح 1 ، التهذيب 2 : 329 / 1354 .

ــ[508]ــ

والشرب حتّى يروي ، وإن طال زمانه (1) إذا لم يفعل غير ذلك من منافيات الصلاة (2) ، حتّى إذا أراد العود إلى مكانه رجع القهقرى لئلاّ يستدبر القبلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القلّة أمامي ، قال فقال لي : فاخط إليها الخطوة والخطوتين والثلاث واشرب وارجع إلى مكانك ولا تقطع على نفسك الدُّعاء» (1) .

   أمّا من حيث السند فكلتاهما معتبرة ، إذ ليس في سند الاُولى من يغمز فيه ما عدا النهدي حيث لم يرد فيه توثيق ، ولكنّه ممدوح مضافاً إلى كونه من رجال كامل الزيارات .

   وأمّا طريق الصدوق (2) في الثانية فهو وإن تضمّن عبدالكريم بن عمرو الّذي قال الشيخ في حقّه إنّه واقفي خبيث (3) ، لكنّ الظاهر أنّ مراده خبث العقـيدة لمكان الوقف من غير طعن في حديثه ، فلا ينافي ما قاله النجاشي في حقّه من أ نّه ثقة ثقة (4) .

   وأمّا من حيث الدلالة فهما صريحتان في الجواز إلاّ أنّ الكلام في مقدار الاستثناء وستعرفه .

   (1) لاطلاق النص .

   (2) إذ لا نظر في النص إلاّ إلى الجواز من حيث الشرب دون سائر المنافيات .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 279 /  أبواب قواطع الصلاة ب 23 ح 2 ، الفقيه 1 : 313 / 1424 .

(2) الفقيه 4 (المشيخة) : 71 .

(3) رجال الطوسي : 339 / 5051 .

(4) رجال النجاشي : 245 / 645 .

ــ[509]ــ

والأحوط الاقتصار على الوتر المندوب وكذا على خصوص شرب الماء (1) فلا يلحق به الأكل وغيره ، نعم الأقوى عدم الاقتصار على الوتر ولا على حال الدُّعاء فيلحق به مطلق النافلة وغير حال الدُّعاء (2) وإن كان الأحوط الاقتصار .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) جموداً في الحكم المخالف للقاعدة على مورد النص وهو خصوص الوتر بل خصوص حال التشاغل بالدعاء المراد به ـ على الظاهر ـ القنوت المأتي به في مفردتها .

   ولكنّ الشيخ (1) تعدّى إلى مطلق النافلة ، نظراً إلى اختصاص دليل المنع وهو الاجماع بالفريضة ، كما أنّ المحقِّق (2) أيضاً تعدّى إلى غير الدُّعاء من أحوال الوتر ، للقطع بل الاجماع على إلغاء خصوصية المورد ، واعترض على ما ذهب إليه الشـيخ من التعدِّي بأ نّه لم يعلم أيّ اجماع أشار إليه بعد إطلاق معـقده والنص لا يدل إلاّ على الجواز في خصوص الوتر بقيود معيّنة لا ينبغي التعدِّي عنها ، وهو في محلّه .

   إلاّ أن يقال : إنّ البطلان إنّما هو من أجل الاخلال بالموالاة ، وهذا المقدار من الفصل لا يوجبه ، فالنص مطابق للقاعدة . إذن فكما أنّ خصوصية الدُّعاء ملغاة فكذلك خصوصية الوترية ، لوحدة المناط فيشمل الحكم جميع النوافل . وأمّا الاجماع فحيث إنّ المتيقن منه هو الفريضة فيختص المنع بها ويبقى غيرها تحت أصالة عدم المنع .

   (2) كما عرفت .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المبسوط 1 : 118 ، الخلاف 1 : 413 .

(2) المعتبر 2 : 259 ، الشرائع 1 : 110 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net