أدلة حرمة قطع الفريضة ومناقشتها 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1590


ــ[523]ــ

 فصل

[ في حكم قطع الصلاة ]

    لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً ((1)) (1) والأحوط عدم قطع النافلة أيضاً وإن كان الأقوى جوازه ، ويجوز قطع الفريضة لحفظ مال ، ولدفع ضرر مالي أو بدني كالقطع لأخذ العبد من الإباق ، أو الغريم من الفرار ، أو الدابة من الشراد ونحو ذلك ، وقد يجب كما إذا توقف حفظ نفسه أو حفظ نفس محترمة ، أو حفظ مال يجب حفظه شرعاً عليه . وقد يستحب كما إذا توقف حفظ مال مستحب الحفظ عليه ، وكقطعها عند نسيان الأذان والإقامة إذا تذكر قبل الركـوع ، وقد يجوز كدفع الضرر المالي الّذي لا يضرّه تلفه ولا يبعد كراهته لدفع ضرر مالي يسير ((2)) ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) على المشهور ولا سيّما بين المتأخِّرين ، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه ، بل عدّه في شرح المفاتيح (3) من بديهيّات الدين .

   ولكن دعوى الاجماع التعبّدي في مثل هذه المسألة المعلوم مداركها ويطمأن استناد المجمعين إليها ، ولا أقل من احتماله ، كما ترى . على أنّ صغرى الاجماع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط .

(2) في الحكم بالكراهة إشكال .

(3) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3 : 45 السطر 16 .

ــ[524]ــ

والاتِّفاق ممنوعة ، لذهاب بعضهم إلى جواز القطع كما حكاه في الحدائق (1) عن بعض معاصريه ، وعليه فلا بدّ من النظر في الوجـوه التي استدلّ بها القائل بالتحريم .

   فمنها :  ما نسب إلى العلاّمة (2) من أنّ إتمام الفريضة واجب فقطعها حرام لتوقفه على عدمه .

   وفيه :  أ نّه إن اُريد من الاتمام لزوم الاتيان ببقية الأجزاء فهو حق لكنّه غير متوقف على إتمام هذا الفرد ، لجواز الاتيان بالطبيعي المأمور به في ضمن فرد آخر، فهو مخيّر بين الاتمام والاستئناف كما هو الشأن في كل أمر متعلِّق بالطبيعي ـ من غير فرق بين التعبّدي والتوصلي ـ من التخيير في التطبيق على أيّ فرد شاء ما لم ينهض على خلافه دليل بالخصوص .

   وإن اُريد به إتمام هذا الفرد بخصوصه بحيث تكون الصلاة كالحج في لزوم الاتمام بمجرّد الشروع فهو عين الدعوى وأوّل الكلام .

   ومنها : قوله تعالى : (وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ )(3) خرج ما خرج بالدليل ويبقى الباقي ومنه الصلاة تحت الاطلاق .

 وفيه :  أنّ الإبطال الّذي هو من باب الإفعال ظاهر في إيجاد المبطل وإحداثه بعد اتِّصاف العمل بالصحّة المنوط باتمامه والفراغ عنه نظير قوله تعـالى : (لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَا لاَْذَى )(4) فالمراد النهي عن ارتكاب ما يستوجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 9 : 101 .

(2) حكاه عنه في الحدائق 9 : 101 .

(3) محمّد (صلّى الله عليه وآله) 47 : 33 .

(4) البقرة 2 : 264 .

ــ[525]ــ

الإبطال بعد الإتمام الّذي من أظهر مصاديقه الكفر والارتداد ، ولا نظر فيها إلى الابطال في الأثناء ، كيف ولازمه ارتكاب تخصيص الأكثر المستهجن ، لجواز ذلك في عامّة الواجـبات والمسـتحبّات التعبّدية والتوصّلية إلاّ ما شذّ كالحجّ والصّوم والصّلاة على المشهور .

   ومنها : ما في جملة من النصوص من أنّ «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»(1) .

   وفيه :  ـ بعد الغض عمّا في أسناد هذه الطائفة من الخدش على ما تقدّم سابقاً (2) ، وإنّما المعتبر ما تضمن التعبير بـ «الافتتاح والاختتام» ومن ثمّ يعبّر عن هذه التكبيرة في لسان الروايات بتكبيرة الافتتاح ، وأمّا التعبير بتكـبيرة الإحرام فهو اصطلاح خاص بالفقهاء ـ .

   أنّ مبنى الاستدلال على إرادة التحريم والتحليل التكليفيين وهو ممنوع ، بل المراد الوضعي منهما بشهادة شمولها للنافلة ، ولا حرمة فيها بالضرورة .

   ومنها :  ما في بعض نصوص كثير الشك من قوله (عليه السلام) : «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه» (3) حيث يظهر منها النهي عن النقض الظاهر في الحرمة .

   وفيه :  أنّ المنهي عنه لم يكن مجرّد النقض ، بل تعويد الخبيث منه باكثاره الكاشف عن إطاعته والركون إلى ميوله وتسويلاته ، ومن ثمّ يسري الحكم إلى النافلة والوضوء وغيرهما ممّا لا ريب في جواز قطعه . بل يمكن أن يقال : إنّها على خلاف المطلوب أدل ، لكشفها عن جواز النقض في حد نفسه وإلاّ لكان النهي عنه أولى من النهي عن التعويد المزبور .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 6 : 415 /  أبواب التسليم ب 1 ، ح 1 ، 8  .

(2) في ص 296 .

(3) الوسائل 8 : 228 /  أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2 .

ــ[526]ــ

   وعلى الجملة : إن لم تكن الصحيحة دالّة على الجواز فلا ريب في عدم دلالتها على عدم الجواز .

   ومنها :  النصوص الآمرة بالمضي في الصلاة وعدم قطعها لدى عروض بعض الاُمور من رعاف ونحوه ، كصحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرعاف أينقض الوضوء ؟ قال (عليه السلام) : لو أنّ رجلاً رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال (فمال) برأسه فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها» (1) .

   وفيه :  أ نّها ظاهرة في الحكم الوضعي لا التكليفي ، حيث إنّها ناظرة إلى الارشاد إلى صحّة الصلاة وعدم لزوم استئنافها لا في وجوب البناء تعبّداً .

   وبعبارة اُخرى : ا نّها واردة موقع توهّم الحظر ، لما قد يتوهّم البطلان من غسل دم الرعاف ، فأمر بالاتمام دفعاً لهذا الايهام ، فلا يدل إلاّ على الجواز .

   ومنها :  النصوص الناهية عن ارتكاب المنافيات أثناء الصلاة .

   وفيه :  ما لا يخفى ، بل لعل هذا أردأ الوجوه ، لما هو الموضح في محلّه من كون النـواهي في باب المركبات كالأوامر إرشاداً إلى المانعية أو الجزئية أو الشرطية ، من غير أن يتضمّن تكليفاً نفسياً بوجه .

 ومنها :  النصوص التي علّق فيها جواز القطع بموارد الضرورة التي عمدتها صحيحة حريز المرويّة في الفقيه عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاماً لك قد أبق أو غريماً لك عليه مال ، أو حيّة تتخوّفها على نفسك فاقطع الصلاة ، واتبع غلامك أو غريمك ، واقتل الحيّة» (2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7 : 241 /  أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 11 .

(2) الوسائل 7 : 276 /  أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1 ، الفقيه 1 : 242 / 1073 .

ــ[527]ــ

ورواها الكليني والشيخ أيضاً مرسلاً (1) ، فانّه من البديهي عدم كون الأمر بالقطع للوجوب ، بل لمجرّد الترخيص ، ومقتضى تعليقه على الضرورة بمقتضى القضيّة الشرطية عدم الجواز بدونها .

   وفيه :  أنّ القضيّة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع فلا مفهوم لها ، إذ الشرط هو الكون في الفريضة ، وعدم القطع لدى انتفائه من باب السالبة بانتفاء الموضوع كما أنّ الجزاء هو القطع لاتباع الغلام أو الغريم أو قتل الحيّة ـ لا مطلق القطع ـ فاذا كان في الصلاة ولم يكن شيء من ذلك فانتفاء الجزاء حينئذ أيضاً كذلك ـ  أي سالبة بانتفاء الموضوع  ـ فلم ينعقد مفهوم لهذه القضيّة بوجه (2) .

   ومنه تعرف الجواب عن موثقة سماعة قال : «سألته عن الرجل يكون قائماً في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعاً يتخوّف ضيعته أو هلاكه ، قال : يقطع صلاته ويحرز متاعه ثمّ يستقبل الصلاة ، قلت فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابة أو تغلب دابته فيخاف أن تذهب أو يصيب فيها عنت ، فقال : لا بأس بأن يقطع صلاته ويتحرّز ويعود إلى صلاته» (3) .

   على أ نّه يمكن أن يراد بالقطع هنا مجرّد رفع اليد موقتاً بقرينة قوله (عليه السلام) في الذيل «ويعود إلى صلاته» فتكون حينئذ أجنبية عمّا نحن فيه ، ولكن يأباه التعبير بالاستقبال في صدر الموثقة .

   والمتحصِّل من جميع ما مرّ : ضعف هذه الوجوه بالأسر ، ما عدا الاجماع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي 3 : 367 / 5 ، التهذيب 2 : 331 / 1361 .

(2) أضف إلى ذلك : أنّ الرواية حيث لا يحتمل تعدّدها بأن يرويها حريز تارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) بلا واسطة كما في الفقيه ، واُخرى معها كما في الكافي والتهذيب ، فلا جرم يتطرّق فيها احتمال الارسال فتسقط عن صلاحية الاستدلال .

(3) الوسائل 7 : 277 / أبواب قواطع الصلاة ب21 ح2 . وفي المصدر: فتفلت بدل فتغلب .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net