التفصيل بين النوم الخارج عن حد الاختيار وغيره 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2773


ــ[73]ــ

   وأمّا ندرة وجود الفرد خارجاً فقد تقرّر في محلّه أنّه لا يوجب انصراف الطبيعي عنه، ولا يمنع عن تحقّق الإطلاق بالنسبة إليه(1) ، نعم إطلاق المطلق وإرادة خصوص الفرد النادر منه قبيح، وهذا أجنبي عن الحكم بشمول المطلق له في ضمن شموله للأفراد غير النادرة بعد فرض صدق الطبيعة على الجميع بملاك واحد، فانّه لا إشكال في عدم قبحه.

   مع أنّه يكفينا في المقام ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة(2) ، حيث جعل العبرة في وجوب القضاء بعنوان الفوت كما مرّ، الذي لا ينبغي الريب في تحقّقه في النوم غير المتعارف على نحو تحقّقه في المتعارف منه، هذا.

   وقد يفصّل في المسألة بتفصيل آخر فيقال بالفرق بين النوم الغالب الخارج عن حدود الاختيار وبين غير الغالب، فيحكم باختصاص وجوب القضاء بالثاني، وذلك للتعليل المذكور في بعض روايات المغمى عليه من أنّ ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر، فانّ المستفاد منه هي الملازمة بين نفي القضاء وبين ترك الأداء المستند إلى غلبة الله، الشامل لكلّ من الإغماء والنوم الغالب بمناط واحد، هذا.

   والظاهر هو عدم وجود نصّ معتبر يدلّ على الملازمة المذكورة، فانّ ما يمكن الاستدلال به لذلك مخدوش فيه سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو وإليك ذلك:

   1 ـ صحيحة علي بن مهزيار: «... عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فقال: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة، وكلّ ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر»(3).

   والمناقشة في دلالتها ظاهرة، إذ لا يمكن الأخذ بظاهر الرواية، فانّ القضاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 5: 373.

(2) في ص 70.

(3) الوسائل 8: 259/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 3.

ــ[74]ــ

بعد الإفاقة من الإغماء ليس ممّا غلب الله عليه(1). فليس هو من مصاديق هذه الكلّية.

   وارتكاب التأويل بالالتزام بالحذف والتقدير فيقال: إنّ كلّ ما غلب الله عليه أداءً فالله أولى بالعذر قضاءً، ممّا لا شاهد عليه ولا قرينة تقتضيه، وإن كانت الدلالة على الملازمة حينئذ تامّة.

   والظاهر أنّ الصحيحة ناظرة إلى بيان حكمين لموضوعين، أحدهما: سقوط القضاء بعد ارتفاع العذر، والآخر: سقوط الأداء حال العذر لكونه ممّا غلب الله عليه. فالكلّية المذكورة في ذيل الصحيحة وهي قوله (عليه السلام): «كلّ ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر» بمنزلة العلّة لحكم آخر وهو سقوط الأداء حال العذر دون الحكم المذكور في صدر الرواية، إذ لا يرتبط التعليل بذلك كما عرفت(2).

   وعليه فلا شك في سقوط الأداء في النوم المستوعب لأجل الكلّية المذكورة في ذيل الصحيحة، وأمّا القضاء - الذي هو المبحوث عنه في المقام - فلا تدلّ الصحيحة على نفيه إلاّ بالتأويل الذي لا يصار إليه مع عدم وجود الشاهد عليه.

   2 ـ ما رواه الصدوق (رحمه الله) باسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث «قال: وكذلك كلّ ما غلب الله عليه، مثل الذي يغمى عليه في يوم وليلة، فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال الصادق (عليه السلام): كلّ ما غلب الله على العبد فهو أعذر له»(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نعم، ولكنّ الفوت الذي هو الموضوع للقضاء مصداق له فلا يستتبع الحكم، ومنه تعرف عدم الحاجة إلى التأويل الآتي، وسيجيء نظيره عند التعرّض لصحيح مرازم في المسألة الرابعة عشرة.

(2) وقد عرفت ما فيه.

(3) الوسائل 8: 260/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 7، علل الشرائع: 271.

ــ[75]ــ

   ودلالتها على الملازمة ظاهرة، بل تكاد تكون صريحة في المطلوب، غير أنّها ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق (رحمه الله) إلى الفضل بن شاذان، فانّ له إليه طريقين كما نبّه عليه صاحب الوسائل (رحمه الله) في الخاتمة، وفي أحدهما ابن عبدوس وابن قتيبة، وفي الآخر جعفر بن نعيم بن شاذان ومحمد ابن أحمد بن شاذان(1) ، ولم يرد في أيّ واحد منهم التوثيق.

   3 ـ ما رواه أيضاً في العلل والخصال عن محمد بن الحسن عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن موسى بن بكر قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال: ألا اُخبرك بما يجمع هذه الأشياء، كلّ ما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده. قال: وزاد فيه غيره - أي قال عبد الله بن مسكان: وزاد فيه غير موسى بن بكر - أنّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال: هذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب»(2).

   ودلالتها على الملازمة - كسابقتها - ظاهرة، بل لعلّها تكون أظهر، سيما بملاحظة الذيل، ولكنّها قاصرة السند بابن سنان، فانّه محمّد بن سنان بقرينة روايته عن عبد الله بن مسكان، إذ هو الراوي عنه، وأمّا عبد الله بن سنان فابن مسكان يروي عنه دون العكس. كما يقتضيه أيضاً رواية أحمد بن محمد عنه فانّه - كالحسين بن سعيد - إنّما يروي عن محمّد بن سنان ولا يمكنه لاختلاف الطبقة الرواية عن عبد الله بن سنان. وأمّا موسى بن بكر نفسه فهو وإن كان محلاًّ للخلاف ولكنّ الأظهر وثاقته(3) فلا نقاش في السند من ناحيته.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الوسائل 30: 121.

(2) الوسائل 8: 260/ أبواب قضاء الصوات ب 3 ح 8، 9، الخصال: 644/24 [لم نعثر عليه في العلل، نعم روى في ص 271 من العلل قوله (عليه السلام): «كلّ ما غلب الله على العبد فهو أعذر له» مستدلا به على عدم وجوب قضاء الصلاة].

(3) معجم رجال الحديث 20: 31/12767.

ــ[76]ــ

   4 ـ رواية مرازم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض لا يقدر على الصلاة؟ قال فقال: كلّ ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر»(1).

   وهي ضعيفة السند بعلي بن حديد، والدلالة لعدم التعرّض فيها للقضاء وإنّما هي تنظر إلى الأداء فقط، كما أنّه لا اختصاص لها بالمغمى عليه وإنّما تعمّ مطلق المريض.

   5 ـ صحيحة عبد الله بن سنان: «كلّ ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شيء»(2). وهي ضعيفة الدلالة لعين ما تقدّم في الرواية السابقة(3).

   فتحصّل من ذلك: أنّ الأخبار المذكورة بين ضعيف السند وضعيف الدلالة على سبيل منع الخلو، ولأجل ذلك لا يمكن الاستدلال بها.

   ثمّ إنّه لو سلّم وجود نصّ معتبر في المسألة فلابدّ من تخصيصه بغير النوم وذلك لأنّ النوم حدوثاً وإن كان ينقسم إلى ما يكون باختيار الإنسان وإرادته وما يكون بغلبة الله وقهره، ولأجل ذلك يصحّ جعله متعلّقاً للتكليف كأن يحكم بحرمة النوم في وقت معيّن، إلاّ أنّه بقاءً لا يكون إلاّ بغلبة الله وقهره، قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَْنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَل مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَ لِكَ لاََيَـت لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)(4) فالاستيقاظ يكون بيده تعالى، فان شاء أعاد النفس وأيقظ العبد، وإن شاء بقيت منفصلة عن البدن وتحقّق الموت. فالنوم بقاءً خارج عن اختيار العبد بالكليّة.

   ولا شكّ في أنّ النوم المستوعب للوقت - ولا سيما بالإضافة إلى صلاة الفجر - كثير التحقّق خارجاً، بل هو من الأفراد الشائعة، لكثرة ابتلاء المكلّفين به في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 261/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 16.

(2) الوسائل 8: 263/ أبواب قضاء الصلوات ب 3 ح 24.

(3) بل تفترق عنها بانّ عموم النكرة في سياق النفي يشمل القضاء.

(4) الزمر 39: 42.

ــ[77]ــ

هذه الفترة القصيرة، والمفروض كون النوم ولو بقاءً بغلبة الله، فاذا كان مثل هذا مشمولا للنصوص المتقدّمة لكونه ممّا غلب الله عليه أداءً - وفرضنا الملازمة بينه وبين سقوط القضاء - كان اللازم حينئذ إخراج هذا الفرد عن الإطلاقات المتقدّمة كصحيحة زرارة(1) وغيرها، الدالّة على وجوب القضاء عند الفوت المستند إلى النوم.

   وهو كما ترى، فانّه كيف يمكن الالتزام باخراج الفرد الشائع عن تحت الإطلاق وحمله على الفرد النادر. فلا مناص إذن من الالتزام بالتخصيص بالنسبة إلى تلكم النصوص الدالّة على الملازمة بين سقوط القضاء وسقوط الأداء الناشئ من غلبة الله بأن يقال باختصاص ذلك بغير النوم، حيث لا ملازمة بين الأمرين في مورد النوم.

   ومع الغضّ عن ذلك فيكفي لإثبات التخصيص ما ورد في نوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة الغداة كما في موثّق سماعة بن مهران قال: «سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس، قال: يصلّيها حين يذكرها، فانّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلاّها حين استيقظ، ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى»(2)، فانّ رقوده كان بغلبة الله بعد القطع بعدم نومه عن الفريضة اختياراً. وقد ورد في بعض النصوص ما يدّل على أنّ ذلك كان رحمة من الله تعالى كي لا يعاب أحد بعد ذلك على مثله(3).

   والحاصل: أنّ الرواية قد دلّت على قضاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما استيقظ، فلو كانت الملازمة المتقدّمة ثابتة لما كان هناك موجب للقضاء.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المتقدمة في ص 70.

(2) الوسائل 8: 267/ أبواب قضاء الصلوات ب 5 ح 1.

(3) الفقيه 1: 233/1031، واُورد صدره في الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 2.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net