قضاء الفائتة حال المرض - قضاء ما فات لأجل ترك جزء عمداً أو لكونه من الأركان 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2680


ــ[78]ــ

أو للمرض ونحوه (1) وكذا إذا أتى بها باطلة لفقد شرط أو جزء يوجب تركه البطلان بأن كان على وجه العمد أو كان من الأركان (2).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالالتزام بالتخصيص ممّا لا محيص عنه لو سلّم دلالة النصوص على الملازمة كيف وقد عرفت منعها. فالأقوى وجوب القضاء في النوم الغالب كغيره.

   (1) لم يظهر وجهه، ضرورة أنّ المرض بعنوانه لا يكون موجباً لترك الفريضة في قبال العمد والجهل والسهو والنوم، فانّه ليس من الأعذار التي يسوغ معها ترك الصلاة، غايته أنّ المريض إنّما يصلّي على حسب طاقته وما تقتضيه وظيفته من الصلاة جالساً أو مضطجعاً أو إيماءً حسب اختلاف مراتب المرض. فعدّه سبباً مستقلا في قبال الاُمور التي ذكرها أوّلا غير وجيه، لا سيما مع العطف عليه بقوله: ونحوه. ولعلّ ذلك سهو من قلمه الشريف أو من النساخ.

 الإتيان بالعمل باطلا:

   (2) أمّا في الإركان فلصحيحة زرارة المتقدمة(1) الدالّة على وجوب القضاء على من صلّى بغير طهور، بناء على ما عرفت من أنّ ذلك مثال للصلاة الفاسدة لعدم احتمال انقداح الفرق في ذهن السائل بين الصلاة الفاقدة للطهارة والفاقدة لغيرها ممّا يوجب البطلان كالقبلة والوقت والركوع ونحوها. على أنّه يكفي في وجوب القضاء صدق عنوان الفوت المجعول موضوعاً لهذا الحكم في ذيل الصحيحة المذكورة كما تقدّم(2).

   وأمّا غير الأركان فان كان تركه على وجه العمد فلا إشكال في وجوب القضاء بالبيان المتقدّم، وإن كان ذلك سهواً فلا تجب الإعادة فيه فضلا عن القضاء، لعدم فوت شيء بعد فرض اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)، (2) في ص 70.

ــ[79]ــ

المستفاد من صحيحة «لا تعاد الصلاة...»(1) الحاكمة على أدلّة الأجزاء والشرائط.

   وإن كان جهلا فكذلك، بناء على ما هو الصحيح من شمول الحديث للجاهل وعدم اختصاصه بالناسي، وإن أصرّ عليه شيخنا الاُستاذ (قدس سره)(2). هذا إذا كان الجاهل قاصراً بأن كان معذوراً في جهله كما لو أدّى اجتهاده أو اجتهاد مقلّده إلى عدم وجوب السورة في الصلاة ثمّ تبدّل رأيه بعد ذلك.

   وأمّا المقصّر فالظاهر وجوب القضاء عليه كوجوب الإعادة، لا لقصور في حديث «لا تعاد الصلاة ...»، بل لمحذور آخر في شمول الحديث له، وهو لزوم حمل الروايات الكثيرة الدالّة على الحكم بالإعادة في مورد ترك جزء أو شرط أو الإتيان بمانع على الفرد النادر وهو العالم العامد، إذ لا شك في أنّ السؤال في هذه الروايات غالباً عن الجاهل المقصّر. فاخراجه عنها وإدراجه في حديث «لا تعاد ...» المستلزم لتخصيص الروايات المذكورة بالعامد يستوجب حمل المطلقات على الفرد النادر، وهو قبيح. فلأجل الفرار عن المحذور المذكور يحكم باختصاص الحديث بالجاهل القاصر ولا يعمّ المقصّر.

   وأمّا الجاهل المتردّد في الحكم فهو غير مشمول للحديث، لاختصاصه بمن يرى صحة العمل وفراغ الذمة والإتيان بما هو وظيفته تماماً ثم يبدو له بعد ذلك بطلان العمل وعدم وقوعه على وجهه بحيث يحتاج إلى الإعادة، كما يفصح عن ذلك التعبير في الحديث بالإعادة، والمتردّد شاكّ في صحّة العمل من أوّل الأمر فنفس الأمر الأوّل باق على حاله، لعدم الامتثال المسقط له، بلا حاجة إلى الأمر بالإعادة، لعدم الموضوع للإعادة حينئذ.

   هذا كلّه فيما إذا ثبتت الجزئية أو الشرطية بدليل لفظي أو بأصل محرز كالاستصحاب، وأمّا إذا كان ثبوتها بدليل عقلي كالعلم الإجمالي أو قاعدة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) كتاب الصلاة 3: 5.

ــ[80]ــ

الاشتغال فربما يستشكل في وجوب القضاء حينئذ بانّه بأمر جديد كما مرّ(1) وموضوعه هو الفوت، وهو غير محرز، لاحتمال أن يكون ما أتى به في الوقت مطابقاً للواقع، فلم يكن قد فاته شيء. وواضح أنّ استصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت لا يجدي لإثبات الفوت كي يترتّب عليه وجوب القضاء وعليه فأصالة البراءة عنه محكّمة.

   وقد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره)(2) عن الإشكال أوّلا: باتحاد الفوت مع الترك، وعدم الفرق بينهما إلاّ في مجرّد التعبير، فاستصحاب عدم الإتيان يكفي لإثبات وجوب القضاء.

   وفي هذا الكلام ما لا يخفى، فانّ الفوت عنوان وجودي يساوق التعبير بالذهاب من الكيس، وليس هو بحسب المفهوم متّحداً مع الترك الذي هو أمر عدمي، وإن كان ممّا يتحصّل منه ويتسبّب بالترك إليه.

   ولذلك لا يصدق الفوت بقول مطلق بالترك في مقدار من الوقت، وإنّما يصدق ذلك باعتبار فوت وقت الفضيلة، وأمّا الصدق بقول مطلق فهو يتوقّف على ذهاب الوقت كلّه، وهذا بخلاف عنوان الترك وعدم الإتيان فانّه يصدق حتى في أثناء الوقت فيقال: تركت الصلاة، أو لم آت بها، ولا يقال: فاتتني الصلاة. فاستصحاب العدم لا يجدي لإثبات عنوان الفوت.

   وأجاب عنه (قدس سره) ثانياً: بأنّ الأمر بالقضاء عند الفوت كاشف عن تعدّد المطلوب وكون الواجب في الوقت أمرين، أحدهما: طبيعي الصلاة والآخر: إيقاعها في الوقت، وإلاّ فمع وحدة المطلوب لا وجه للأمر بالقضاء.

   وبعد سقوط الأمر بالمطلوب الآخر بخروج الوقت نشك في ارتفاع الأمر المتعلّق بالطبيعي، للشك في مطابقة المأتي به للمأمور به فيستصحب بقاؤه فيجب الاحتياط في القضاء لعين الملاك الموجب له في الأداء، وهو تعلّق الأمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 67.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 602 السطر 33.

 
 

ــ[81]ــ

بطبيعي الصلاة المفروض فيه الشك في سقوطه بدون الإتيان بجزء أو شرط.

   وأنت خبير بأنّ صدور هذا الكلام من مثله عجيب، فانّ الأمر بالقضاء لازم أعم لتعدّد المطلوب، فكما يمكن فيه أن يكون لأجل ذلك يمكن أن يكون لأجل مصلحة اُخرى دعت المولى إلى الأمر به عند الفوت مع فرض وحدة المطلوب في الوقت. فلا ملازمة إذن بين وجوب القضاء وبين تعدّد المطلوب كي يكون ثبوت الوجوب كاشفاً عن ذلك.

   والذي ينبغي أن يقال هو التفصيل بين تنجّز التكليف الموجب للاحتياط في الوقت، وبين حدوث المنجّز خارج الوقت.

   فعلى الثاني - كما إذا بنى في الوقت على وجوب القصر مثلا في بعض الفروض الخلافية ثمّ بعد خروجه انقدح في نفسه التشكيك في الدليل وتردّد فيما هو وظيفته من القصر والتمام، فكانت وظيفته حينئذ الجمع بين الأمرين احتياطاً، لأجل العلم الإجمالي المنجّز الحادث بعد الوقت - يجب عليه الاحتياط بالنسبة إلى الصلوات الآتية ما لم يستقرّ رأيه في المسألة على أحد الأمرين.

   وأمّا بالنسبة إلى الصلاة التي مضى وقتها فلا يجب الاحتياط عليه بقضاء الصلاة تماماً، لأنّه تابع لصدق الفوت وهو غير محرز، لاحتمال أن تكون الوظيفة هي التي أتى بها في الوقت وهي الصلاة قصراً فلم يفت منه شيء. فما كانت وظيفته في الوقت قد أتى بها على وجهها على الفرض، وما هو موضوع القضاء - أعني فوت الفريضة - غير محرز وجداناً، ومقتضى الأصل البراءة عنه. ولعلّ نفي القضاء في هذه الصورة متسالم عليه وخارج عن محلّ الكلام.

   وأمّا على الأوّل أعني ثبوت المنجّز في الوقت ووجوب الاحتياط بقاعدة الاشتغال والعلم الإجمالي.

      فبناء على وجوب الاحتياط شرعاً المستفاد ذلك من الأخبار - كما التزم به بعضهم - فلا ينبغي الشكّ في وجوب القضاء حينئذ، لأنّ الوظيفة الشرعية

ــ[82]ــ

ظاهراً هو الاحتياط من دون فرق في ذلك بين الشبهة الحكمية كالقصر والتمام والظهر والجمعة، والموضوعية كما في صورة تردّد الساتر بين الطاهر والنجس وقد أخلّ بما هو وظيفته في أمثال ذلك على الفرض فلم يعمل بالاحتياط ولم يأت في الوقت إلاّ ببعض الأطراف، فلم يكن قد امتثل الفريضة الواجبة عليه في مرحلة الظاهر - أعني الجمع بين الصلاتين الذي هو مصداق الاحتياط الواجب عليه ظاهراً - فقد فاتته الفريضة الظاهرية وجداناً، فيشمله لا محالة عموم أدلّة القضاء المأخوذ في موضوعها عنوان فوت الفريضة - وهو أعم من فوت الفريضة الواقعية والظاهرية - بلا إشكال.

   ومن هنا لم يستشكل أحد في وجوب القضاء فيما لو صلّى في ثوب مستصحب النجاسة، مع أنّ فوت الفريضة الواقعية غير محرز هنا، لاحتمال طهارة الثوب واقعاً وعدم إصابة الاستصحاب للواقع، وليس ذلك إلا لأجل أنّ وظيفته الظاهرية - بمقتضى الاستصحاب - كان هو الاجتناب عن الثوب المذكور وإيقاع الصلاة في ثوب طاهر ولكنّه أخلّ بذلك ففاتته الفريضة الظاهرية، فيندرج لذلك تحت عموم أدلّة القضاء.

   ولا فرق بين الاستصحاب وبين قاعدة الاحتياط بعد البناء على وجوبه شرعاً كما هو المفروض، لكون كلّ منهما حكماً ظاهرياً مقرّراً في ظرف الشكّ.

   وأمّا بناءً على وجوب الاحتياط بحكم العقل بمناط قاعدة الاشتغال والعلم الإجمالي لا بحكم الشارع - كما هو الصحيح، وقد بيناه في محلّه(1) - فاللازم حينئذ هو القضاء أيضاً، وذلك لأنّ المفروض تنجّز الواقع في الوقت، وبعد الإتيان بأحد طرفي العلم الإجمالي - كالقصر - يشكّ في سقوط التكليف المتعلّق بطبيعي الصلاة ومقتضى الاستصحاب بقاؤه، بناءً على ما هو الصواب من جريانه في القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

   فانّ المقام من هذا القبيل، إذ لو كان المأمور به هو القصر فقد سقط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 2: 344 وما بعدها.

ــ[83]ــ

بالامتثال قطعاً، وإن كان هو التمام فهو باق يقيناً، فيستصحب شخص الوجوب المضاف إلى طبيعي الصلاة، فانّ الحصّة من الطبيعي المتحقّقة في ضمن الفرد تكون ذات إضافتين حقيقيتين، إحداهما إلى الفرد والاُخرى إلى الطبيعي. فالحصّة من طبيعي الإنسان الموجودة في ضمن زيد تضاف مرّة إلى الفرد فيقال: هذا زيد، واُخرى إلى الطبيعة فيقال: هذا إنسان، وكلتا الإضافتين على سبيل الحقيقة، ولايعتبر في استصحاب الكلّي في القسم الثاني أكثر من إضافة الحصّة إلى الطبيعة كما تقرّر في محلّه(1).

   وعلى هذا فالحصّة المتشخّصة من الوجوب الحادثة في الوقت وإن كانت باعتبار إضافتها إلى الفرد مشكوكة الحدوث، لتردّد الحادث بين القصر والتمام - حسب الفرض - لكنّها بالقياس إلى طبيعي الصلاة متيقّنة الحدوث مشكوكة الارتفاع، فيستصحب بقاؤها بعد تمامية أركان الاستصحاب.

   وبهذا البيان يندفع ما قد تكرّر في بعض الكلمات في هذا المقام وأمثاله من المنع عن جريان الاستصحاب لكونه من استصحاب [الفرد] المردّد ولا نقول به إذ لا نعقل معنى صحيحاً لاستصحاب الفرد المردّد، حيث إنّه لا وجود للمردّد خارجاً كي يجري استصحابه أو لا يجري، فانّ الوجود يساوق التشخّص. فكلّ ما وجد في الخارج فهو فرد معيّن مشخّص لا تردّد فيه، غاية الأمر أنّ ذلك الفرد المعيّن قد يكون ممّا نعلمه وقد لا نعلمه، فالتردّد إنّما يكون في اُفق النفس، لا في وجود الفرد خارجاً الذي هو الموضوع للأحكام.

   وجه الاندفاع: أنّ المستصحب - كما عرفت - إنّما هو شخص الوجوب الحادث الذي هو فرد مشخّص معيّن، لكن لا باعتبار إضافته إلى الفرد لعدم العلم به بعد تردّده بين القصر والتمام، بل باعتبار إضافته إلى الطبيعة، وهو بهذا الاعتبار متيقّن الحدوث مشكوك البقاء.

   وكيف كان فهذا الاستصحاب - وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلّي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الاُصول 3: 105 وما بعدها.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net