بحث في حقيقة الاشتراط والتقييد - حكم المسألة فيما لم يشترط على الأجير المباشرة 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السادس : الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2331


ــ[227]ــ

   وإن فسخ العقد طالب بمال الإجارة كاملا، إذ بالفسخ ينحلّ العقد من أوّل الأمر، فيرجع إلى الورثة بتمام المال، ويخرج من الأصل، غايته أنّ المستأجر يلزمه أن يدفع للورثة اُجرة المثل بالمقدار الذي كان الميت قد أتى به من العمل، كما هو الشأن في كلّ معاملة مفسوخة، حيث يسترجع العوضان عيناً إن أمكن وإلاّ استرجع البدل.

   أقول: ليس المقام من موارد تخلّف الشرط الموجب للخيار، بل من باب تخلّف القيد الموجب لتعذّر المبيع - في مورد البيع - المستلزم للبطلان، فانّ الاشتراط يباين التقييد ويغايره ثبوتاً وبحسب اللّب ونفس الأمر، ولا عبرة في هذا الباب باللفظ كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة وبيّناه مستقصى في بحث المكاسب(1).

   وتوضيح الكلام: أنّ ما تقع عليه المعاملة - كالمبيع أو الثمن - قد يكون شخصياً وجزئياً خارجياً كما لو باعه الحنطة المعيّنة على أن تكون من المزرعة الفلانية، وفي مثله يستحيل التقييد، أي تقييد المبيع بكونه من تلك المزرعة فانّ التقييد فرع إمكان الإطلاق، والموجود الخارجي جزئي حقيقي وفرد معيّن لا إطلاق له كي يصلح للتقييد، سواء وقع التعبير عنه بالتقييد بأن قال: هذه الحنطة المقيّدة بكذا... ، أو بلفظ الشرط بأن يقول: بشرط أن تكون... ، أو على أن تكون... ، أو بوصف كذا.

   فالمبيع حينئذ هو الموجود الخارجي على ما هو عليه، ولا يعقل تقييده بشيء، حيث إنّه ليس لهذه العين الشخصية فردان كي يمكن التقييد بأحدهما.

   فالذي يتصوّر فيه التقييد إنّما هو الالتزام بالبيع، دون المبيع نفسه، لما عرفت من أنّ الإنشاء البيعي إنّما يرد على الموجود الخارجي على ما هو عليه وإنّما يكون التزامه بهذا البيع مشروطاً باتّصاف المبيع بالوصف المعيّن، ومرجع ذلك إلى اشتراط جعل الخيار على تقدير تخلّف الشرط، كما هو الحال في باب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 5: 410 - 411.

ــ[228]ــ

اشتراط الاُمور الخارجة عن المبيع كاشتراط الخياطة، حيث لا يوجب تخلّفها أو تعذّر الوفاء بها إلاّ الخيار. فالتقييد في أمثال المقام راجع إلى الاشتراط لا محالة، ونتيجته جعل الخيار، من دون فرق بين التعبير عنه بلفظ القيد أو الشرط.

   وقد يكون المبيع كلّياً كما لو باعه منّاً من الحنطة مع ذكر الخصوصيات الرافعة للغرر، واشترط عليه أن تكون من المزرعة الفلانية، فمرجع هذا الاشتراط إلى تقييد كلّي بحصّة خاصّة من الحنطة، فالبيع إنّما يرد على هذه الحصّة، فتكون هي المبيع بخصوصها دون غيرها.

   فاذا تخلّف وأدّى إلى المشتري غيرها لم يكن ما أداه هو المبيع، وإنّما يكون أجنبياً عنه، فان تراضيا على ذلك كان ذلك معاملة جديدة لا وفاء بالبيع الأوّل، ونتيجة ذلك أنّه لو تعذّر عليه انفسخ العقد، لكشفه عن عدم سلطنة البائع على المبيع، فلا مال له كي يبيعه من غيره.

   فلو آجر نفسه على أن يحجّ مباشرة عن زيد في هذه السنة فمات في شهر شوال مثلا انفسخ بذلك عقد الإجارة لا محالة، لكشف الموت عن عدم كونه مالكاً لحجّ نفسه في هذه السنة حتّى يملّكه لغيره بعقد الإجارة، فانّ الإنسان لا يكون مالكاً لأعماله إلاّ في حال الحياة، لا مطلقاً ولو بعد مماته.

   وعلى الجملة: ذكر القيد في هذا القسم - أي المعاملة على الكلّي - لا معنى له سوى تقييد المبيع أو العمل المستأجر عليه ونحوه بحصّة خاصّة، عبّر عنه بلفظ القيد أو الشرط، ونتيجته هو الانفساخ عند التعذّر كما عرفت.

   والمقام من هذا القسم، فانّ متعلّق الإجارة إنّما هو العمل في ذمّة الأجير لكن لا على إطلاقه وكلّيته، بل الحصّة الخاصّة منه وهو الصادر عنه بالمباشرة وبالموت يستكشف أنّه لم يكن مالكاً للمقدار الباقي من العمل وأنّه كان قد ملّك المستأجر ما لم يكن ليملكه، فكان التمليك بعقد الإجارة في غير محلّه، ونتيجته انفساخ العقد بالنسبة إلى الباقي بطبيعة الحال.

   فهو نظير ما لو آجر داره سنة فانهدمت أثناء السنة، فكما أنّه يحكم

ــ[229]ــ

بانفساخ عقد الإجارة بالنسبة إلى المدّة الباقية من الأجل من جهة كشف الانهدام عن عدم كونه مالكاً للمنافع في تلك المدّة حيث لا موضوع لها، كذلك الحال في المقام بعين المناط، فانّ التعذّر قد تعلّق بنفس العمل المستأجر عليه فيكون ذلك من قبيل تعذّر المبيع الموجب للخيار. فما ذكره في المتن من الحكم بالبطلان هو الصحيح، هذا.

   ولكن ينبغي تخصيص ذلك بصورة واحدة، وهي ما إذا مات الأجير قبل انتهاء المدّة التي كان يمكنه إيقاع العمل المستأجر عليه فيها كما لو استأجر لصلاة سنة واحدة، وكان بامكانه إيقاع ذلك خلال أربعة أشهر مثلا، ولكنّه بعد مضيّ شهرين من زمان العقد والإتيان بنصف العمل مات، فانّه يجري فيه ما مرّ من الحكم بالانفساخ بالنسبة إلى الأشهر الستة الباقية، لكشف الموت عن تعذّر العمل بهذا المقدار، وعدم كون الأجير مالكاً لمنافع نفسه في هذه المدّة. وكذلك لو استؤجر للحجّ في سنة معيّنة مباشرة فمات في شهر شوال من تلك السنة.

   وأمّا إذا كان الوقت واسعاً وأمكنه الإتيان بتمام العمل قبل الموت غير أنّه تسامح وأخّر حتّى عرضه الموت كما لو مات بعد مضيّ أربعة أشهر على زمان الإجارة في المثال الأوّل، أو أنّه استؤجر للحجّ في خصوص هذه السنة فأخّره إلى القابل ظناً منه بالبقاء فمات بعد أيام الموسم، فلا موجب للانفساخ في مثل ذلك، لفرض ثبوت قدرته على تسليم العمل مع فرض سعة الوقت، فكان مالكاً للعمل بتمامه، وقد وقعت الإجارة على ما كان يملكه، فقد ملّك المستأجر ما يملكه وما هو مسلّط عليه، لا ما لا يملكه كما في الصورة المتقدّمة، إلاّ أنّه باختياره قد تسامح في التسليم فأخّر ولم يسلّم.

   وبكلمة اُخرى: أنّا إنّما حكمنا بالبطلان في الصورة المتقدّمة لأجل كشف الموت عن عدم ملكية الأجير للعمل المستأجر عليه، فكان الحكم المذكور لأجل وقوع عقد الإجارة على غير الملك. وهذا بخلاف المقام، حيث إنّه لا

ــ[230]ــ

وإن لم يشترط المباشرة وجب استئجاره من تركته إن كان له تركة (1)، وإلاّ فلا يجب على الورثة، كما في سائر الديون إذا لم يكن له تركة.

   نعم، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة (2) أو نحوها (3) أو تبّرعا (4).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبيل فيه إلى الكشف المذكور، إذ الأجير مالك لمنافعه حال الحياة، والمفروض سعة الوقت لتمام العمل المستأجر عليه، فقد ورد عقد الإجارة حينئذ على الملك، فلا مقتضي للحكم بالانفساخ.

   والقاعدة تقضي برجوع المستأجر - حيث إنّه لم يتسلّم المقدار الباقي من العمل - إلى الورثة ومطالبتهم بقيمة العمل الباقي حتّى ولو كانت هناك زيادة في القيمة، فانّه مالك لنفس العمل في ذمّة الميّت بعد فرض صحّة الإجارة، وحيث لا يمكن التسليم فعلا فلا محالة ينتقل منه إلى البدل وهي القيمة حين الأداء فتخرج قيمة العمل المذكور - كسائر الديون الماليّة - من أصل التركة إن كانت
وإلاّ لم يجب ذلك على أحد كما مرّ.

   فما ذكره الماتن (قدس سره) من الحكم بالبطلان صحيح، لكن لا على إطلاقه، بل على التفصيل الذي عرفت.

   (1) لا ينبغي الإشكال في عدم انفساخ العقد حينئذ، لعدم الموجب له، بل العمل باق في ذمّته كسائر ديونه، غايته أنّ الدين هنا إنّما هو نفس العمل وحينئذ فان كان له مال وجب الاستئجار من أصل التركة كما في بقيّة الديون وإلاّ لم يجب على الورثة شيء، لما تقدّم من عدم وجوب تفريغ ذمّة الميّت فيما إذا لم يكن له مال.

   (2) كما في سائر الديون، للنصوص الخاصّة الدالّة على ذلك(1).

   (3) كالوقف ونحوه إذا كان مصرفه شاملا لمثله ومنطبقاً عليه.

   (4) كما هو ظاهر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 9: 295 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net