وجوب الجماعة بالنذر ونحوه وصحة الصلاة مع المخالفة - ثبوت الكفارة لو نذر الجماعة فحنث 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 1639


ــ[21]ــ

   وقد تجب بالنذر والعهد واليمين، ولكن لو خالف صحّت الصلاة وإن كان متعمّداً (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   فجواز الاقتصار على الصلاة فرادى وصحّتها هو مقتضى التحفّظ على دليلين والجمع بينهما، أحدهما: ما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال، والثاني: إطلاق صحيحة فضيل النافية لوجوب الجماعة عن كافّة الصلوات. ونتيجتهما بعد ضمّ أحدهما إلى الآخر هي صحّة الصلاة فرادى، سواء تمكّن من الائتمام أم لا.

   (1) أمّا أصل انعقاد النذر فلا شبهة فيه بعد رجحان متعلّقه الناشئ من أفضيلة الجماعة عن غيرها، فيشمله عموم أدلّة الوفاء به.

   وكذا الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحوها ممّا يقتضي الوجوب بالعنوان الثانوي، لعموم أدلّتها، ولو خالف النذر ونحوه عامداً فعليه الكفّارة كما ستعرف(1).

   وإنّما الكلام في أنّ هذا الوجوب هل هو تكليفىّ محض فلا يترتّب على مخالفته إلاّ الإثم والكفّارة، أو أنّه وضعىّ والائتمام شرط في الصحّة، فلو خالف وصلّى فرادى بطلت صلاته؟

   تقدّم الكلام في نظائر المقام في غير مورد من المباحث السابقة كنذر إيقاع الفرائض في المسجد(2) ونحو ذلك وقلنا: إنّ الأظهر عدم البطلان لو خالف عدم الدليل عليه، بل لا مقتضي له إلاّ بناءً على اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عمّا لا يجتمع معه في الوجود، والمحقّق في محلّه خلافه(3).

   ومن الواضح: أنّ الأمر المتعلّق بالجماعة الناشئ من قبل النذر لا ستوجب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 23.

(2) [لم نعثر عليه].

(3) محاضرات في اُصول الفقه 3: 8 وما بعدها.

ــ[22]ــ

تقييد الإطلاق في الأمر الأوّل المتعلّق بطبيعي الصلاة الجامع بينها وبين الفرادى كي ينحصر امتثاله في الجماعة وتكون شرطاً في الصحّة، إذ لا تنافي بينهما ليلتزم بالتقييد بعد اختلاف المتعلّقين.

   فانّ الأمر الأوّل قد تعلّق بطبيعي الصلاة المرخّص في تطبيقها على أىّ فرد شاء بمقتضى الإطلاق، والثاني تعلّق بايقاعها في ضمن هذا الفرد بملاك الوفاء بالنذر. فهناك مطلوبان قائمان بعملين مستتبعان لأمرين لا مضادّة بينهما ليرتكب التقييد بعد أن كان المقام من قبيل تعدّد المطلوب لا وحدته، وإنّما يجب ارتكابه لو كان مفاد الأمر الثاني المنع عن تطبيق الطبيعة على الفرد الآخر، وقد عرفت أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه.

   ومع الغضّ وتسليم التنافي الموجب لسقوط الإطلاق فغايته الالتزام بثبوته على سبيل الترتّب، بأن يؤمر أوّلا بالصلاة جماعة، وعلى تقدير العصيان فهو مرخّص في تطبيق الطبيعة على أىّ فرد شاء، بل قد ذكرنا في محلّه جريان الترتّب في الأمرين(1) فما ظنّك في الأمر مع الترخيص.

   فالمقام نظير المثال المعروف من الصلاة في سعة الوقت المقترنة بالإزالة فكما التزمنا هناك بعدم التنافي بين الأمر بها وبين إطلاق الأمر بالصلاة، وعلى تقدير التنافي يثبت الإطلاق بالخطاب الترتّبي، فكذا في المقام حرفاً بحرف.

   نعم، إنّما يجب التقييد في المقام لو كان النذر متعلّقاً بترك الصلاة فرادى لتحقّق المنافاة حينئذ، لأجل امتناع الجمع بين التحفّظ على الإطلاق في الأمر المتعلّق بطبيعي الصلاة وبين المنع عن تطبيقه على هذا الفرد الناشئ من قبل النذر، فلا مناص من الالتزام بالتضييق في دائرة المأمور به وتخصيصها بغير هذا الفرد، ومن هنا قلنا بأنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.

   لكن الشأن في صحّة مثل هذا النذر وانعقاده، بل الأقوى فساده، لاعتبار الرجحان في متعلّقه، ولا رجحان في ترك الصلاة فرادى. ومجرّد وجود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محاضرات في اُصول الفقه 3: 94، 102 وما بعدها.

ــ[23]ــ

ووجبت حينئذ عليه الكفارة (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأرجح - وهي الصلاة جماعة - لا يستوجب الرجحان في الترك.

   فهو نظير ما لو نذر ترك زيارة مسلم (عليه السلام) ليلة عرفة، حيث لا ينبغي الإشكال في عدم انعقاده، لعدم الرجحان في هذا الترك، وإن كانت زيارة الحسين (عليه السلام) في تلك الليلة أفضل.

   وعلى الجملة: فالصلاة فرادى كالجماعة عبادة راجحة في حدّ ذاتها، وكذا زيارة مسلم (عليه السلام)، فلا رجحان في تركها لينعقد النذر وإن كان غيرها أفضل.

   فتحصّل: أنّ نذر الجماعة لا يستدعي بطلان الصلاة فرادى، وإن كان آثماً في مخالفة النذر. فالوجوب تكليفىّ محض، ولا يوجب التقييد في متعلّق الأمر كي يقتضي الاشتراط ويستتبع الفساد، بل قد ذكرنا في بحث المكاسب(1) : أنّ مثل هذا النذر لا يستتبع الحقّ ولا يستوجب المنع عن سائر التصرفات.

   فلو نذر التصدّق بالشاة المعيّنة فخالف وباعها صحّ البيع وإن أثم، لعدم خروجها بالنذر عن ملكه، إذ مفاد قوله: لله علىّ كذا...، جعل إلزام وحكم تكليفي من قبل الله تعالى على ذمّته، على حدّ قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)(2) من غير فرق بينهما إلاّ في أنّ الثاني مجعول من قبله تعالى ابتداء والأوّل بتسبيب منه وبتوسيط النذر، وليس مفاده سلب سلطنته عن المال، فقد باع ما يملكه، فيشمله عموم حلّ البيع.

   (1) ثبوت الكفّارة حينئذ وعدمه يبتني على القول بصحّة الصلاة فرادى وفسادها، فبناء على الصحّة - كما هو الأقوى على ما مرّ - تجب، لعدم التمكّن من الوفاء بالنذر بعدئذ، فقد تحقّق الحنث بهذا العمل المؤدّي إلى مخالفة النذر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقاهة 4: 182.

(2) آل عمران 3: 97.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net