هل تجب الجماعة إذا أمر أحد الوالدين بها؟ - عدم مشروعية الجماعة في النوافل الأصلية 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2736


ــ[26]ــ

بل لا يبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين(( 1)) (1).

   [1869] مسألة 2: لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصليّة (2)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متمكّن من إدراك تمام الوقت بالاقتداء فتركه تعجيز اختياري يمنع عن شمول الحديث له، فينحصر امتثال الأمر بالصلاة فيه، ولأجله يتعيّن.

   (1) بناء على وجوب إطاعتهما مطلقاً، على حدّ إطاعة العبد لسيّده. ولكنّه لم يثبت، لعدم الدليل عليه، وإنّما الثابت بمقتضى الآية المباركة(2) وغيرها وجوب حسن المعاشرة وأن يصاحبهما بالمعروف، فلا يؤذيهما ولا يكون عاقّاً لهما. وأمّا فيما لا يرجع إلى ذلك فوجوب الإطاعة بعنوانها بحيث لو أمراه بطلاق الزوجة أو الخروج عن المال وجب الامتثال فلم يقم عليه أىّ دليل.

   نعم، ورد في بعض الأخبار، أنّه «إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فانّ ذلك من الإيمان»(3).

   لكنّه حكم أخلاقي استحبابي قطعاً كما يومئ إليه ذيل الخبر، كيف وقد كان يتّفق النزاع بين الوالد والولد في الأموال فكان يقضي بينهما النبىّ(صلى الله عليه وآله) كما تضمّنه بعض النصوص(4).

   (2) على المشهور، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. ونسب الجواز إلى بعض.

   ومال إليه في المدارك(5) قائلا: إنّ ما يمكن أن يستدلّ به على المنع روايتان:

   الاُولى: رواية محمد بن سليمان حاكياً عن عبدالله بن سنان وسماعة عن الصادق (عليه السلام)، وعن إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام)، وهو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وجوب إطاعتهما فيما لا يرجع الى حسن المعاشرة محلّ إشكال.

(2) لقمان: 31: 15.

(3) الوسائل 21: 489 / أبواب أحكام الأولاد ب 92 ح 4.

(4) الوسائل 11: 91 / أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 36 ح 1.

(5) المدارك 4: 314.

ــ[27]ــ

بنفسه عن الرضا (عليه السلام) «أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال في نافلة شهر رمضان: أيّها الناس إنّ هذه الصلاة نافلة، ولن يجتمع للنافلة، فليصلّ كلّ رجل منكم وحده، وليقل ما علّمه الله من كتابه، واعلموا أن لا جماعة في نافلة»(1).

   الثانية: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل: «أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر وأبا عبدالله الصادق (عليهما السلام) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة، فقالا: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى... - إلى أن قال - قال (صلى الله عليه وآله): أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة...»(2).

   وقد ناقش (قدس سره) في كلتا الروايتين:

   أمّا الاُولى: فبقصورها سنداً بمحمّد بن سليمان الديلمي وغيره، وإن كانت الدلالة تامّة، لتضمّنها المنع عن الجماعة في مطلق النوافل، وكان ذكر نوافل شهر رمضان من باب التطبيق على الصغرى كما هو ظاهر.

   وأمّا الثانية: فبقصورها دلالة، لاختصاص المنع فيها بنوافل شهر رمضان دون مطلق النوافل، فهي إذن أخصّ من المدعى.

   أقول: لا يبعد دعوى الإطلاق في الثانية أيضاً، وأن يكون ذكر نوافل شهر رمضان فيها من باب تطبيق الكبرى على الصغرى كما هو الحال في الاُولى وإن لم يكن الأمر في هذه بذلك الظهور. فلا قصور في دلالتها.

   ومع الغضّ عن ذلك، فيكفينا لإثبات الإطلاق حسنة سليم بن قيس الهلالي قال: «خطب أميرالمؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه، إلى أن قال: والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة...»(3).

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 32 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 7 ح 6.

(2) الوسائل 8: 45 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 1.

(3) الوسائل 8: 46 / أبواب نافلة شهر رمضان ب 10 ح 4.

ــ[28]ــ

   فانّ سليم بن قيس وإن لم يوثّق صريحاً، لكنّه من جملة خواصّ أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وقد ورد في حقّه الكثير من المدح. فالرواية معتبرة سنداً(1) وتامّة أيضاً دلالة.

   على أنّها مؤيّدة بروايات اُخر لا تخلو أسانيدها من الخدش والإشكال(2) هذا.

   مضافاً إلى قيام سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) على المنع مطلقاً، حيث لم يعهد من أحد منهم إقامة الجماعة في شيء من النوافل على الإطلاق، عدا ما استثني كما ستعرف.

   ثمّ إنّه (قدس سره)بعد مناقشته في الروايات المانعة بما مرّ استدلّ للجواز بجملة من الأخبار:

   منها: صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: صلّ بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة، فانّي أفعله»(3). بدعوى أنّ ظاهرها الصلاة مع الأهل جماعة، فقد دلّت على الجواز في مطلق النوافل كالفرائض.

   ويتوجّه عليه: أنّ ظاهر الرواية مطروح جزماً، لأنّ موردها نوافل شهر رمضان، ولا شكّ في عدم مشروعية الجماعة فيها حتّى باعترافه (قدس سره) للنصوص المتقدّمة وغيرها المانعة عن ذلك. فلا مناص من ارتكاب التأويل بحمل الباء في قوله (عليه السلام): «بأهلك» على معنى (عند) وصرفها عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الراوي عن سليم في هذه الرواية هو إبراهيم بن عثمان، أي أبو أيّوب الخزاز، الذي هو من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) وفي روايته عن سليم الذي هو من أصحاب أميرالمؤمنين (عليه السلام) - وإن أدرك الباقر (عليه السلام) - إشكال كما صرّح (دام ظلّه) به في معجم رجال الحديث 1: 233 / 208.

(2) منها ما في الوسائل 8: 335 / ابواب صلاة الجماعة ب 20 ح 5، 6.

(3) [سقطت هذه الصحيحة - الواردة في الوسائل / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 13 - من الطبعة الجديدة للوسائل].

ــ[29]ــ

ظاهرها وهو كونها بمعنى (مع) الظاهر في الجماعة، فيكون المراد بها: صلّ عند أهلك وفي دارك لا في المسجد. لكونهم صائمين في شهر رمضان وبانتظار حلول وقت الإفطار، فكان الأولى حينئذ الصلاة عندهم نافلة وفريضة، دفعاً للانتظار وحذراً من التأخير.

   وإن أبيت عن ذلك فلا محيص من طرحها وردّ علمها إلى أهله، لمنافاة ظاهرها مع النصوص الكثيرة المتقدّمة، مع عدم التكافؤ بينهما، لكثرة تلك وعدم العمل بمضمون هذه الرواية أيضاً كما عرفت.

   ومنها: ثلاث صحاح وردت في خصوص النساء، وهي:

   صحيحة هشام بن سالم «أنه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال: تؤمّهن في النافلة، فأمّا في المكتوبة فلا، ولا تتقدمهنّ، ولكن تقوم وسطهنّ»(1).

   وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: تؤمّ المرأة النساء في الصلاة، وتقوم وسطاً بينهنّ، ويقمن عن يمينها وشمالها، تؤمّهنّ في النافلة ولا تؤمّهنّ في المكتوبة»(2).

   وصحيحة سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة تؤمّ النساء، فقال: إذا كنّ جميعاً أمّتهن في النافلة، فأمّا المكتوبة فلا ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطاً منهنّ»(3).

   وتتميم الاستدلال بالنصوص يتوقّف على دعوى المستدلّ القطع بعدم الفرق في الحكم المذكور بين المرأة والرجل، لعدم القول بالفصل بينهما من أحد، كما هو كذلك جزماً، إذ لا قائل بالتفكيك بينهما جوازاً ومنعاً، فهما متلازمان في هذا الحكم قطعاً.

   والجواب: أنّ هذه النصوص وإن دلّت على الجواز في النساء بالدلالة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 333 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.

(2)، (3) الوسائل 8: 336 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 9، 12.

ــ[30]ــ

المطابقية، لكنّها تدلّ عليه في الرجال أيضاً بالدلالة الالتزامية، للقطع بعدم القول بالفصل كما عرفت، كما أنّ النصوص السابقة المانعة كانت على العكس من ذلك، فانّها دلّت على المنع في الرجال بالمطابقة - يعني كان القدر المتيقّن به من موردها الرجال - وفي النساء بالالتزام، لما عرفت من عدم القول بالفصل بينهما في ذلك.

   وعليه فتقع المعارضة بين الطائفتين، لتعارض المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للآخر، وبما أنّ الترجيح مع الطائفة المانعة، لشهرتها بين الأصحاب (قدس سرهم) ولمخالفتها مع العامّة، فلذلك تحمل المجوّزة على التقيّة، فلا يعتمد عليها.

   وقد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره)(1) عن الاستدلال بالنصوص المجوّزة بوجه آخر، وهو أنّها لا تدلّ إلا على مشروعية الجماعة في النافلة في الجملة، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة حتّى ينعقد لها الإطلاق وإنّما وردت لبيان حكم آخر، وهو جواز إمامة النساء، فيكفي في الصحّة مشروعيتها ولو في بعض النوافل على سبيل الموجبة الجزئية كما في صلاة الاستسقاء ويوم الغدير.

   ثم قال (قدس سره): وإرادة هذا البعض منها بالخصوص الذي يندر الابتلاء به وإن كان بعيداً في حدّ ذاته في الغاية، لكن ممّا يقرّب احتماله كون المقام مورد التقيّة، حيث يناسب ذلك التورية، فلا بأس به في مقام الجمع حذراً من الطرح.

   أقول: ما أفاده (قدس سره) من الورود لبيان حكم آخر المانع من انعقاد الإطلاق للرواية وإن كان وجيهاً في بعض تلكم النصوص، إلاّ أنّه ممّا لا يتمّ في الكلّ، ولا سيما في صحيحة الحلبي غير المسبوقة بالسؤال، فانّ الإمام (عليه السلام) قد حكم فيها ابتداءً بمشروعية إمامتها لهنّ في النافلة، فتكون مسوقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 625 السطر 35.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net