تخلّف المأموم عن الإمام في ركوع غير الركعة الاُولى - تخلّف المأموم عن الإمام في ركوع الاُولى 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 4356


ــ[106]ــ

   وأمّا في الركعات الاُخر فلا يضرّ عدم إدراك الركوع مع الإمام((1)) بأن ركع بعد رفع رأسه، بل بعد دخوله في السجود أيضاً (1)، هذا إذا دخل في الجماعة بعد ركوع الإمام،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ملخّص ما أفاده (قدس سره) في المقام أنّ إدراك الركعة في ابتداء الجماعة وفي الركعة الاُولى يتوقّف على أحد أمرين: إمّا إدراك الإمام راكعاً، أو إدراكه قائماً من أوّل الركعة أو أثناءها. فما هو المشهور من لزوم إدراك ركوع الإمام في الركعة الاُولى للمأموم في ابتداء الجماعة وإلاّ لم تحسب له ركعة
مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام، لا ما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها.

   هذا هو حكم الإدراك في الركعة الاُولى، وأمّا في بقيّة الركعات فلا يقدح فيها التخلّف عن الإمام في الركوع، فلو ركع بعد رفع رأسه منه بل وبعد دخوله في السجود لم يقدح ذلك في صحّة الجماعة.

   أقول: لابدّ وأن يكون مراده (قدس سره) من عدم قدح التخلّف في بقيّة الركعات عدمه مطلقاً، حتّى ولو قارن التخلّف عن القيام أيضاً، كما لو اقتدى به من ابتداء الصلاة وبعد السجدة الأخيرة من الركعة الاُولى لم يمكنه القيام مع الإمام لمانع من زحام ونحوه إلى أن فرغ الإمام من ركوع الركعة الثانية وهوى إلى السجود فتمكّن آنذاك من القيام، فانّ الجماعة حينئذ بمقتضى ما أفاده (قدس سره) صحيحة. وإلاّ فلو كان عدم القدح المذكور منوطاً بادراكه القيام بأن يكون اللازم في سائر الركعات هو إدراك أحد الأمرين: القيام أو الركوع - كما هو الحال في الركعة الاُولى على ما عرفت - لم يبق عندئذ فرق بين الفرضين، وهو مخالف لظاهر المقابلة الواقعة في كلامه (قدس سره) بين الركعة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا اذا أدرك الإمام قبل ركوعه، وأمّا إذا منعه الزحام ونحوه من اللحوق إلى أن رفع الإمام رأسه من الركوع ففيه إشكال، والأحوط أن يقصد الانفراد حينئذ.

ــ[107]ــ

الاُولى في ابتداء الجماعة وبين سائر الركعات.

   وكيف ما كان، ففيما عدا الركعة الاُولى إن كان التخلّف في الركوع فقط فلا ينبغي الإشكال في صحّة الجماعة واحتساب ذلك ركعة، كما هو الحال في الركعة الاُولى، لإطلاق صحيحة عبدالرحمن المتقدمة(1) الدالّة على اغتفار التخلّف عن الإمام في الركوع إذا كان لعذر من زحام وسهو ونحوهما.

   وأمّا إذا كان التخلّف فيه وفي القيام معاً كما في الفرض المتقدّم الذي استظهرنا من عبارة الماتن حكمه بصحة الجماعة فيه.

   فان أراد (قدس سره) صحّتها مع الالتزام بضمان الإمام للقراءة، بأن يقوم ويركع ويلتحق به في السجود فهذا مضافاً إلى عدم القائل به لا دليل عليه، فانّ الضمان من شؤون الائتمام، المتقوّم مفهومه بالمتابعة والاقتداء، وقد ورد في الخبر كما مرّ: «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به»(2)، فانّ سنده وإن لم يخل عن الإشكال ولكن مضمونه موافق للارتكاز ويساعده الاعتبار، فلا ائتمام بدون المتابعة.

   ومن الواضح انتفاء المتابعة في مفروض الكلام بعد التخلّف عنه في كلّ من الركوع والقيام، حيث لايقال له عرفاً إنّه تابع ومؤتمّ بعد هذا التخلف الفاحش بالضرورة، ومع انتفاء الائتمام كيف يحكم بالضمان الذي هو من آثاره وأحكامه.

   وإن أراد (قدس سره) صحّتها من دون ضمان، بأن يقوم ويقرأ ويركع ويلتحق به في السجود فهو أيضاً عار عن الدليل، لما عرفت من تقوّم الجماعة بالاقتداء والتبعية، وأنّه لايكاد يتحقّق الائتمام إلاّ مع المتابعة في القيام والمفروض انتفاؤها بعد مثل هذا التخلّف الفاحش، فالاقتداء مفقود وجداناً
ومعه كيف يمكن أن تشمله أدلّة الجماعة ليحكم بصحّتها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [بل الآتية].

(2) المستدرك 6: 492 / أبواب صلاة الجماعة ب 39 ذيل ح 2، 1.

ــ[108]ــ

وأمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها واتّفق أنّه تأخّر (1) عن الإمام في الركوع فالظاهر صحّة صلاته وجماعته (2). فما هو المشهور من أنّه لابدّ من إدراك ركوع الإمام في الركعة الاُولى للمأموم في ابتداء الجماعة وإلاّ لم تحسب له ركعة مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة، لا فيـما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها، وإن صرّح بعضهم بالتعميم، ولكن الأحوط الإتمام حينئذ والإعادة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) ومراده (قدس سره) ما إذا كان التأخّر لعذر من وجع في الظَهر أو نسيان أو نحو ذلك، لا ما إذا كان عن عمد، وإلاّ فلا يجوز ذلك كما سيجيء بيانه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى(1).

   (2) والوجه في الصحّة: أنّ الروايات المانعة عن الاحتساب عند عدم إدراك الركوع خاصّةٌ بما إذا كان الالتحاق بالجماعة حال ركوع الإمام كما لا يخفى على من لاحظها، دون ما إذا كان الدخول فيها قبل ذلك في ابتداء الركعة أو أثناءها. فالمانع عن الاحتساب في هذه الصورة مفقود. ومقتضى إطلاقات الجماعة بضميمة ما دلّ على ضمان الإمام القراءة صحّة الجماعة وانعقادها حينئذ.

   إنّما الكلام في المقتضي للاحتساب مع عدم إدراك الركوع، لا سيما وقد تقدّم في صحيحة محمد بن قيس «أنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) قال: إنّ أوّل صلاة أحدكم الركوع»(2).

   ويمكن أن يستدلّ له بصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن (عليه السلام): «في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع، ثمّ يقوم في الصفّ ولا يسجد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [يستفاد من عدّة موارد منها ما في ص 223، 276].

(2) تقدّم مصدرها في ص 101.

ــ[109]ــ

حتّى رفع القوم رؤوسهم، أيركع ثمّ يسجد ويلحق بالصفّ وقد قام القوم، أم كيف يصنع ؟ قال: يركع ويسجد ولا بأس بذلك»(1).

   فقد دلّت على عدم قدح التخلّف عن الإمام في الركوع إذا كان لعذر كالزحام. وموردها وإن كان صلاة الجمعة لكنّه يقطع بعدم الفرق بينها وبين غيرها، بل لو ثبت الحكم فيها مع وجوب الجماعة ثبت في غيرها ممّا لا تجب بطريق أولى، فيتعدّى عن مورد الرواية بالأولوية القطعية.

   على أنّه قد صرّح بالتعميم وعدم الفرق بين صلاة الجمعة وغيرها في رواية عبدالرحمن بن الحجاج قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون في المسجد إمّا في يوم الجمعة وإمّا في غير ذلك من الأيّام، فزحمه الناس إمّا إلى حائط وإمّا اسطوانة، فلا يقدر على أن يركع ولا يسجد حتّى رفع الناس رؤوسهم، فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثمّ يستوي مع الناس في الصفّ ؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك»(2).

   لكنّها ضعيفة السند بمحمد بن سليمان الديلمي، ومن هنا كان التعويل على الصحيحة بالتقريب المتقدّم.

   ويدلّ على الحكم في صورة السهو صحيحة اُخرى لعبدالرحمن عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به، فركع الإمام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه وانحطّ للسجود أيركع ثمّ يلحق بالإمام والقوم في سجودهم، أم كيف يصنع ؟ قال: يركع، ثم ينحطّ ويتمّ صلاته معهم، ولا شيء عليه»(3).

   وموردها كما ترى مطلق، لا يختص بصلاة الجمعة لنحتاج في التعدّي عنه إلى ما تقدّم ونحوه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 7: 335 / أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 17 ح 1.

(2) الوسائل 7: 336 / أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 17 ح 3.

(3) الوسائل 7: 337 / أبواب صلاة الجمعة وآدابها ب 17 ح 4.

ــ[110]ــ

   والمتحصّل من هذه النصوص: أنّ التخلّف عن الإمام في الركوع لعذر - من زحام أو سهو أو نحو ذلك - غير قادح بعد إدراكه إيّاه في ابتداء الركعة قبل القراءة أو أثناءها، ولا يضرّ باحتساب الركعة.

   وهل يكفي في الحكم المذكور مجرّد إدراك الإمام قائماً ولو في حال تكبيرة الركوع، أو لابدّ من إدراك القراءة ولو جزءاً منها، وإلاّ فلا ضمان ولا تحسب له ركعة إذا تخلّف عنه في الركوع ؟

   ظاهر المصنّف (قدس سره) الثاني، لقوله: فما هو المشهور ـ إلى قوله: ـ مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة...، وقوله: وأمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها واتّفق أنّه تأخّر عن الإمام في الركوع فالظاهر صحة صلاته....

   ولكنّ الأقوى هو الأوّل وأنّ إدراك تكبيرة الركوع ملحق بادراك القراءة دون الركوع، وذلك لإطلاق صحاح محمّد بن مسلم المتقدّمة(1)، لعدم قصورها عن شمول المقام.

   فانّ قوله (عليه السلام): «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» وفي صحيحته الاُخرى: «اذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» دلّ على أنّ إدراك تكبيرة الركوع كاف في إدراك الصلاة جماعة، وفي احتساب ذلك ركعة، وبعد الضمّ إلى صحيحة عبدالرحمن المتقدّمة الدالّة على اغتفار التخلّف في الركوع لعذر ينتج ما ذكرناه من الإلحاق كما لا يخفى.

 والمتحصّل من جميع ما قدمناه: أنّ إدراك الركعة واحتسابها جماعة يتوقف على أحد أمرين: إمّا إدراك الإمام راكعاً كما تضمّنته صحيحة سليمان بن خالد والحلبي المتقدّمتان(2) وغيرهما، أو إدراكه قائماً حال القراءة أو ولو بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 101.

(2) في ص 100.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net