الثاني : أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم 

الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء السابع:الصلاة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2329


   الثاني : أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين (1) علواً معتدّاً به دفعياً كالأبنية ونحوها ، لا انحدارياً على الأصحّ ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القيام والركوع والسجود ونحوها كي تتمكّن من التبعية ، فمع الجهل بذلك ليس لها ترتيب آثار الجماعة من سقوط القراءة والرجوع إلى الإمام لدى الشكّ وزيادة الركوع أو السجود لأجل المتابعة ، للشكّ في تحقّق التبعيّة ، ومقتضى الأصل عدمها .

   (1) على المشهور ، بل عند علمائنا كما عن التذكرة(1) وغيرها ، لموثّقة عمّار الآتية . وحكي عن الشيخ في الخلاف القول بالكراهة(2) ، وتردّد فيه المحقّق في الشرائع(3) وفي النافع(4) ، وخالف فيه صريحاً صاحب المدارك(5) .

   لكن خلاف الشيخ غير ثابت ، لاحتمال إرادته من الكراهة المبغوضية المساوقة للحرمة ، كما ربما تطلق عليها في لسان الأخبار وكلمات الأصحاب .

   وخلاف المدارك مبنىّ على مسلكه من تخصيص الحجّية بالخبر الصحيح باصطلاح المتأخّرين ، فانّ رواية عمّار الواردة في المقام ليست كذلك ، لكون الغالب من رواتها فطحيين ، وحيث بنينا على حجّية الموثّق كالصحيح فالرواية معتبرة سنداً .

   نعم ، طعن فيها في المدارك مضافاً إلى ضعف السند على مسلكه بأنّها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التذكرة 4 : 260 .

(2) الخلاف 1 : 556 المسألة 301 .

(3) الشرائع 1 : 146 .

(4) لاحظ المختصر النافع : 46 .

(5) المدارك 4 : 320 .

ــ[152]ــ

متهافتة المتن ، قاصرة الدلالة ، فلا يسوغ التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل .

   أقول : لا نرى أىّ تهافت في متن الرواية ، ولا قصور فيها من ناحية الدلالة ، نعم ربما تشتمل على بعض ألفاظ لا تخلو عن شوب من الإجمال والالتباس ، لكنّه غير ضائر بمحل الاستدلال ، وإليك نصّها .

   روى الشيخ الكليني باسناده عن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يصلّي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه ، فقال : إن كان الإمام على شبه الدكّان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم ، فان كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقلّ إذا كان الارتفاع ببطن مسيل . فان كان أرضاً مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع ، وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلاّ أنّهم في موضع منحدر ، قال : لا (فلا) بأس . قال : وسئل فان قام الإمام أسفل من موضع من يصلّي خلفه ، قال : لا بأس ، قال : وإن كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكّاناً كان أو غيره وكان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلّي خلفه ويقتدي بصلاته، وإن كان أرفع منه بشيء كثير»(1) .

   فانّ صدرها إلى قوله (عليه السلام) : «لم تجز صلاتهم» كما ترى صريح في المطلوب ، وأمّا قوله (عليه السلام) بعد ذلك : «فان كان أرفع . . .» إلخ فجواب الشرط محذوف يعلم ممّا سبق ، وتقديره : فلا بأس . سواء أكانت أداة الشرط مصدّرة بالفاء كما في الوسائل ، أم كانت مع الواو كما عن الكافي .

   نعم ، على الثاني ربما يحتمل أن تكون كلمة «إن» وصليّة . لكنّه ساقط جزماً ، إذ لا يلائمه قوله بعد ذلك : «أو أكثر» ، إذ شأن (إن) الوصلية إدراج الفرد الخفىّ ، ولا ريب أنّ الأكثر من الإصبع ليس كذلك ، إذ لو كان مقدار الإصبع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 411 / أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 1 ، الكافي 3 : 386 / 9 .

ــ[153]ــ

قادحاً فالأكثر منه بطريق أولى . فهو من الفرد الجلىّ دون الخفىّ كما لا يخفى(1) .

   وقوله (عليه السلام) : «إذا كان الارتفاع . . .» إلخ مربوط بسابقه ، وليست شرطية مستقلة ، وقد تضمّنت هذه الفقرة التي هي من ملحقات الجملة السابقة تحديد الارتفاع في العلو الدفعي (التسنيمي) في قبال التسريحي الذي تعرّض (عليه السلام) له عند قوله : «فان كان أرضاً مبسوطة . . .» إلخ .

   لكن نسخ الرواية في هذه الفقرة مختلفة غاية الاختلاف . ففي الكافي هكذا : «إذا كان الارتفاع ببطن مسيل» كما في الوسائل .

   وكذا عن بعض نسخ التهذيب ، وعن نسخة اُخرى منه «يقطع مسيلا» وعن ثالثة «بقطع مسيل» ، وعن رابعة «بقدر يسير» ، وعن خامسة «بقدر شبر»(2) ونحوه عن التذكرة(3) .

   وعن الفقيه(4) «يقطع سبيلا» ، وعن نسخة اُخرى «بقطع سيل» ، وعن نسخة ثالثة «بقطع سبيل» .

   وعن الذكرى «بقدر إصبع إلى شبر»(5) . ولعلّ الأخير استنباط من الشهيد فنقل مضمون الرواية بمقتضى ما فهمه من النسخة الموجودة عنده المشتملة على الشبر ، أو أنّها وصلت إليه كذلك بطريق يخصّه ، وإلاّ فالرواية بهذه العبارة لم توجد في شيء من نسخ كتب الحديث .

   وكيف ما كان ، فمن أجل ذلك وقع الاختلاف في تحديد مقدار العلوّ . فعن جماعة ـ ولعلّه الأكثر أو المشهور ـ تحديده بالشبر ، ترجيحاً للنسخة المشتملة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا وجيه لو كان (قدر إصبع) مذكوراً قبل (إن) الوصلية لا بعدها ، ولا سيما مع عطف الأقلّ على الأكثر .

(2) التهذيب 3: 53 / 185.

(3) التذكرة 4 : 260 .

(4) راجع الفقيه 1 : 253 / 1146 .

(5) الذكرى 4 : 435 .

ــ[154]ــ

عليه . لكنّ الترجيح لم يثبت لا فيها ولا في غيرها من سائر النسخ ، إذ لا شاهد عليه في شيء منها .

   ومن ثمّ قدّره بعضهم بما لا يتخطّى ، إعراضاً عن هذه الرواية المضطربة واعتماداً على صحيحة زرارة المتقدّمة(1) المشتملة عليه .

   وفيه : أنّها ناظرة إلى البعد دون العلو كما تقدّم(2) ، وتأتي الإشارة إليه قريباً إن شاء الله تعالى .

   والتحقيق : هو التحديد بالشبر ، لا لترجيح النسخة المشتملة عليه ، بل لأنّ الصناعة تقتضي ذلك . أمّا إذا كانت النسخة «ببطن مسيل» أو «يقطع سبيلا» ونحو ذلك فالرواية على هذه مجملة ، لكون ألفاظها متشابهة لم يتّضح المراد منها .

   وأمّا لو كانت «بقدر يسير» فمفهوم اليسير في حدّ ذاته وإن كان صادقاً على الشبر والشبرين بل الثلاثة ، إلاّ أنّه بقرينة اقترانه بذكر الإصبع أو الأكثر لا يمكن أن يراد به إلاّ ما يقرب من الإصبع كثلاث أصابع أو أربع مثلا ، دون مقدار الشبر فضلا عن الأكثر منه .

   فنبقى نحن واحتمال أن تكون النسخة هي مطلق الشبر ، ولا سيما قدر إصبع إلى شبر كما في رواية الذكرى . وهذا الاحتمال بمجرّده كاف في عدم ظهور لإطلاق المنع المذكور في الصدر ، أعني قوله (عليه السلام) : «أو على موضع أرفع» في الشمول لمقدار الشبر فما دونه ، لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية .

   إذ من الجائز صحّة هذه النسخة ، ولا سيما على رواية الذكرى ، الموجب لتقييد الإطلاق بهذا المقدار ، نعم بالإضافة إلى الزائد على الشبر لا قصور في شمول الإطلاق له . وأمّا بالنسبة إلى الشبر فما دونه فلا دلالة في الرواية على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 137 .

(2) في ص 139 .

ــ[155]ــ

المنع عنه بعد احتفاف الإطلاق بما يصلح للتقييد .

   وعليه فالرواية بالإضافة إلى هذا المقدار مجملة ، ولم يدلّ دليل آخر على المنع بالنسبة إليه ، وحينئذ فان تمّ الإطلاق في أدلّة الجماعة كقوله (عليه السلام) : صلّ خلف من تثق بدينه(1) ـ كما لا يبعد ـ كان هو المتّبع في الحكم بالجواز في مقدار الشبر ، وإلاّ كان المرجع الأصل العملي الذي مقتضاه البراءة عن مانعيّة هذا المقدار من العلوّ بالتقريب الذي سبق(2) .

   حيث عرفت أنّ الأمر متعلّق بالجامع بين الفرادى والجماعة اللذين هما عدلان للواجب التخييري . ولم يعلم أنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى ومطلق الجماعة ، أم بينها وبين الجماعة المقيّدة بعدم الاشتمال على العلوّ بمقدار الشبر . ولا ريب أنّ الثاني يتضمّن كلفة زائدة ، وحيث إنّها مشكوكة فتدفع بأصالة البراءة .

   فتحصّل : أنّ الأظهر جواز العلوّ بمقدار الشبر سواء أكان المرجع الإطلاق اللفظي أم الأصل العملي بعدما عرفت من إجمال الرواية وعدم دلالتها على المنع في هذا المقدار ، فتدبر جيّداً . هذا كلّه في العلوّ الدفعي .

   وأمّا في العلوّ التسريحي الذي أشار (عليه السلام) إليه بقوله : «فان كان أرضاً مبسوطة . . .» إلخ فلا مانع من الارتفاع بأزيد من الشبر مادام يصدق على الأرض أنّها مبسوطة .

   ولا يخفى أنّ المذكور في الكافي والتهذيب(3) بعد قوله : «مبسوطة» هكذا : «أو كان . . .» . ولكنّ الصحيح كما في الفقيه وغيره «و كان . . .» إلخ ، بالعطف بالواو لا بـ (أو) . كما أنّ المذكور فيه في جزاء الشرط هكذا : «قال : لا (فلا)بأس» ، والصحيح أنّ لفظة «قال» مستدرك ، لأنّه من كلام الإمام (عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ص 50 ، الهامش رقم (3) .

(2) في ص 147 ـ 148 .

(3) [لكن في النسخة الموجودة من التهذيب هو : «وكان»] .

ــ[156]ــ

من غير فرق بين المأموم الأعمى والبصير (1) والرجل والمرأة (2) ، ولا بأس بغير المعتدّ به مما هو دون الشبر ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلام) لا السائل ، ولم تذكر هذه الكلمة في رواية الفقيه(1) .

   وكيف ما كان ، ففي الأراضي المبسوطة ـ في قبال الملفوفة كالجبلية ـ إذا دقّقنا النظر ولاحظناها بالآلات الهندسية فربما يوجد فيها انخفاض وانحدار ـ من أجل إصابة الأمطار ـ بما يزيد على الشبرين ، بل الثلاثة كما في الصحاري والبراري ، فأشار (عليه السلام) في هذه الفقرة إلى أنّه في مثل هذه الأراضي إذا وقف الإمام في موضع مرتفع والقوم في مكان منحدر صحّت صلاتهم وإن اختلف الموقفان بما يزيد على الشبر ، مادام يصدق على الأرض أنّها مبسوطة وإن كانت مسرّحة منحدرة ، وأنّ التحديد بالشبر إنّما هو في العلوّ الدفعي كالدكّة والدكّان ونحوهما ، ويلحق بذلك الأراضي الجبليّة التي لا يصدق معها انبساط الأرض ، فانّ اللازم فيها أيضاً مراعاة التحديد بالشبر ، أخذاً بالإطلاق في صدر الموثّق ، بعد أن لم تكن هذه الفقرة شاملة لها كما هو ظاهر .

   (1) خلافاً للمحكي عن ابن الجنيد حيث قال : لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله ، إلاّ أن يكون المأمومون أضراراً فانّ فرضَ البصراء الاقتداء بالنظر ، وفرض الأضرار الاقتداء بالسماع إذا صحّ بهم التوجّه(2) . ولم يعرف له مستند أصلا ، وإطلاق النصّ حجّة عليه .

   (2) للإطلاق ، مضافاً إلى التصريح به في الموثّقة الاُخرى لعمّار التي تقدّمت ، حيث ذكر فيها : «هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه ؟ قال : نعم ، إن كان الإمام أسفل منهنّ . . .» الخ(3) .

 ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولكن أثبتها في جامع أحاديث الشيعة 7 : 361 / أبواب صلاة الجماعة / ب 32 ح    11189 عن الفقيه ، فليلاحظ .

(2) حكاه عنه في المختلف 2 : 515 المسألة 377 .

(3) الوسائل 8 : 409 / أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1 .

ــ[157]ــ

ولا بالعلو الانحداري حيث يكون العلوّ فيه تدريجياً على وجه لا ينافي صدق انبساط الأرض ، وأمّا إذا كان مثل الجبل فالأحوط ملاحظة قدر الشبر فيه (1) . ولا بأس بعلوّ المأموم على الإمام ولو بكثير (2) .
ــــــــــــــــــــــــــ

   إذ لا ريب أنّ المراد بالشرطية نفي كون الإمام أعلى لا لزوم كونه أسفل
فانّه لا شبهة في جواز المساواة بينهما بضرورة الفقه ، وقد ورد في غير واحد من النصوص أنّ المرأة تصلّي خلف الرجل(1) من غير تقييد بكونه أسفل ، بل لعلّ التساوي أفضل ، كما دلّ عليه إطلاق رواية محمّد بن عبدالله(2) المحمولة على الاستحباب .

   (1) كما تقدّم .

   (2) كما دلّ عليه ذيل موثّقة عمّار المتقدّمة(3) فلاحظ . لكنّه يختصّ بغير العلوّ المفرط الذي لا يصدق معه عنوان الجماعة كالاقتداء من شاهق ، لا لأجل التخصيص اللفظي ، بل لاقتضاء مفهوم الجماعة المتّخذة من الاجتماع .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها صحيحة الفضيل المتقدّمة في ص 50 .

(2) الوسائل 8 : 412 / أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 3 .

(3) في ص 152 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net